شخصية العدد

 

راشيل كوري



راشيل كوري .. صوت الضمير الذي سحقته الجرافة

 

آمنت بالقضية الفلسطينية، فأحرقت العلم الأمريكي مع الفلسطينيين.

الرئيس عرفات منحها أرفع وسام فلسطيني.

كانت راشيل تعرف مخاطر الذهاب إلى غزة.

وصفت شارون بأنه مجنون، وبوش بأنه "مجرم حرب".

الإدارة الأمريكية تتجاهل اغتيالها من أجل إسرائيل.

مسرحية "اسمي راشيل" تعرض في لندن وتمنع في نيويورك.

إعادة بناء (بيت نصر الله) الذي كانت تحميه راشيل  كوري بدمائها.

 

ياسر محمد غريب

 

بين المخلصين من البشر من لا تخدعهم أوهام التضليل الإعلامي، ولا تتحكم في ضمائرهم الأهواء السياسية القذرة، إن أصوات هؤلاء الخفيضة أعلى صوتا من أبواق التجارة باسم السلام، وجسومهم الضئيلة أقوى نفسا من أي مارد سياسي ينبطح أمام قردة المال وخنازير الذهب، ودمائهم الزكية أشد نفاذا من رائحة البارود المصوب نحو قلوبهم الطاهرة.

هكذا كانت السياسة الأمريكية الهمجية ... وهكذا كانت تلك الفتاة الأمريكية الراشدة... (راشيل كوري)!! التي أعلنت أن صوت الضمير إذ يصحو؛ تتسمع الآفاق صداحه، وتنشق الدنيا عبيره...

أحلام أمريكية:

كانت مدينة أولمبيا بولاية واشنطن مثل سائر المدن الأمريكية، جزءاً من مدنيَّة زائفة، خلعت ثياب الشرف ورواء الحضارة !! وأي زيفٍ أكثر من مدنية لا تملك ضميراً يميز لها الخير من الشر، والصواب من الخطأ ... أو هكذا أراد لها ساسة  الدماء أن تكون... لكن شمعات شاحبة لا تزال تحافظ على أنوار الحضارة في تلك البلاد، تبعث بالنور والأمل إلى عالم مظلوم لولا هذا النور وذلك الأمل، لاستحال هذا العالم شيئا آخر!!

وفي طريقها إلى كلية إفرجرين ستيت كولدج في أولمبيا كل صباح، كانت الطالبة (راشيل كوري)، تعيش في أحلام هذا الوطن الحر – أو هكذا كانت تظن – حيث كانت ترى أنه الجنة التي ما بعدها جنة، كيف لا ... وهو الوطن الذي ينشر مثالياته في الآفاق، ويبعث بالحرية إلى كل مكان على وجه البسيطة...

 لقد كانت الحياة الأمريكية وبهرجها هي النعيم المقيم في فؤاد راشيل كوري... ولكن قبل أن تذهب إلى غزة!!

راشيل في غزة:

كانت راشيل كوري قد ذهبت إلى غزة بصفتها ناشطة متطوعة مع حركة التضامن الدولية، حيث شاركت في نشاطات للمساعدة في التخفيف من أوضاع الفلسطينيين المعيشية والاقتصادية كمساعدة المزارعين في حصد الغلال، ومرافقة الأطفال إلى المدارس، وإبقاء الطرق مفتوحة أمام سيارات الإسعاف، والقيام بأعمال احتجاج سلمية.

وكانت حركة التضامن الدولية قد أرسلت ما يصل عدده إلى ألفي ناشط من الولايات المتحدة وأماكن أخرى إلى الضفة الغربية وغزة، وبينهم ثمانية من مدينة أولمبيا وحدها. ويشير موقع الويب الإلكتروني التابع لحركة التضامن الدولية إلى أن الناشطين يدفعون تكاليف سفرهم ومعيشتهم من مواردهم الخاصة.

وفي مقابلة مع مراسل قناة الجزيرة، قبيل رحيلها بساعات، قالت كوري: "دعاني الأطفال إلى مشاركتهم نشاطَهم في هذا الاحتفال. فهؤلاء يعيشون حقًّا حياةً صعبة: معظمهم خَبِرَ تجربة فقدان أحد أقاربهم أو هدم منزل العائلة. معظمهم يشرب مياهًا غير صالحة للشرب. إنهم يعيشون مع أصوات المدافع والرشاشات بشكل مستمر. فالمروحيات فوق رؤوسهم، والمنازل تُهدَم من حولهم. إذًا، سأفعل أيَّ شيء لمساعدة هؤلاء الأطفال علىّ التصدي لما يكابدونه. أنا مستعدة لتقديم العون لهم، وإنني مندهشة من قدرتهم على العمل وعلى القيام بأعمال إيجابية، على الرغم من الكم الهائل من المعوقات من حولهم. أعتنق بكلِّ حماسة الرسالة التي عبَّر عنها الأطفال بأن بوش مجرم حرب. فإذا كانت أمريكا تقوم فعلاً بإرساء العدل والأمن الدوليين، لماذا لا تساند المحكمةَ الجنائيةَ الدولية في التصدي لمجرمي الحرب، وعلى رأسهم أركان الإدارة الأمريكية التي يتزعمها بوش؟!"

وفي غزة عاشت راشيل كوري مع عائلة نصر الله في بيت كان يأوي عائلتين، و كانت عائلة نصر الله قد بقيت في بيتها بالرغم من تدمير 2200 منزلاً كانت تقوم حول بيتهم في أحياء رفح، إلى أن تم تدمير منزلها أيضاً. وفي شهر مايو 2004 تم تدمير الشقة التي استأجرتها العائلة، وذلك خلال العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة "قوس قزح" والتي تم خلالها تدمير 117 منزلاً في حي البرازيل بمدينة رفح.

وكانت صحيفة الغارديان اللندنية قد قامت بنشر بعض رسائل كوري لعائلتها وأصدقائها. وكانت قد كتبت في رسالة لأمها مؤرخة في السابع والعشرين من فبراير من ذلك العام الذي رحلت فيه، تقول فيها: "إن مجيئي إلى هنا واحد من الأمور الأفضل التي قمت بها طوال حياتي".

وكتبت كوري تصف نشاطها في سبيل الفلسطينيين  بأنه "لم يعد عملاً متطرفاً... وما زلت أريد حقاً أن أرقص على صوت المطربة بات بِناتار، وأن يكون لي أصدقاء شباب، وأن أرسم الرسوم الهزلية المضحكة لزملائي في العمل، ولكنني أريد أيضاً لهذا الأمر أن يتوقف".

كيف وصفت المأساة:

لقد اصطدمت راشيل كوري بالواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، إذ لم يكن يخطر بخيالها هذا التعامل البشع الذي يمارسه الإسرائيليون مع الشعب الفلسطيني الأعزل، وهؤلاء الأطفال الأبرياء.

وتعبر راشيل عن هذه الصدمة في رسائلها الأولى من غزة إلى أهلها وذويها قائلة: "إنني في فلسطين منذ أسبوعين وساعة الآن، ومازالت الكلمات التي بحوزتي لوصف ما أشاهد قليلة جدًّا. فمن الصعب أن أفكر في ما يجري هنا عند كتابتي لهذه الرسالة إلى الولايات المتحدة. لا أعلم ما إذا كان أطفال كثيرون هنا عاشوا يومًا من دون ثغرات قذائف دبابات في جدران بيوتهم ومن دون أبراج جيش احتلال يرصدهم باستمرار من الآفاق القريبة. أعتقد، مع أنني لست متأكدة تمامًا، أن أصغر أولئك الأطفال حتى يدرك أن الحياة ليس على هذه الشاكلة في كلِّ مكان... الأطفال يحبون أن يجعلوني أجرب لغتي العربية المحدودة، ويسألونني: "كيف شارون؟" و"كيف بوش؟"؛ وهم يضحكون عندما أرد بلغتي العربية المحدودة: "بوش مجنون!" و"شارون مجنون!" بالطبع ليس هذا بالدقة ما أعتقده، وبعض اليافعين الذين يجيدون الإنكليزية يصوِّبونني: "بوش موش مجنون... بوش رجل أعمال." اليوم تعلَّمت أن أقول إن "بوش أداة"، لكني لا أعتقد أن المعنى تُرجِم ترجمةً صحيحة.

وتتابع ريتشل، كأنما هي تستشرف موتها:

... أفكر في أن أيَّ مقدار من القراءة وحضور المؤتمرات ومشاهدة الأفلام الوثائقية وسماع كلام الناس ما كان ليجعلني مستعدةً لمواجهة واقع الوضع هنا. ليس في إمكان أحد تصوره إلا إذا شاهده عيانًا؛ وحتى عندئذٍ فإنه يدرك دومًا إدراكًا جيدًا أن تجربته لا تمثل الواقع بأيِّ حال من الأحوال: ماذا عن الصعوبات التي سيواجهها الجيش الإسرائيلي لو أنه قتل مواطنًا أمريكيًّا أعزل؟ وماذا عن حقيقة أن لدي نقودًا لشراء ماء بينما الجيش يدمر الآبار، وحقيقة أن لدي خيار المغادرة؟

وأضافت: أنا في رفح الآن، وهي مدينة تضم 140 ألف نسمة. ورفح كانت موجودة قبل 1948، لكن 60% من الناس هنا لاجئون وُطِّنوا هنا بعد تهجيرهم من ديارهم في فلسطين التاريخية التي هي الآن إسرائيل، أو هم من ذرية أولئك اللاجئين. وقد قُسمت رفح إلى نصفين عندما أعيدت سيناء إلى مصر. والآن يقيم الجيش الإسرائيلي جدارًا ارتفاعه أربعة عشر مترًا بين رفح في فلسطين والحدود، يقتطع "منطقةً حرامًا" من البيوت المتاخمة للحدود. وقد هدمت الجرافات كليًّا 602 بيتًا، وفقًا للَّجنة الشعبية في مخيم رفح. أما عدد البيوت المدمرة جزئيًّا فيفوق ذلك.

... اليوم، فيما كنت أمشي على أنقاض منازل دمَّرها الإسرائيليون، سمعت صياح جنود مصريين من الجانب الآخر للحدود ينادون: "ارحلي، ارحلي!"، فيما كانت دبابة إسرائيلية تقترب من المكان.

... أواجه صعوبة في الحصول على الأخبار حول ما يحصل في العالم. وقد سمعت أن الحرب الأمريكية المحتملة على العراق باتت محتمة. كما يوجد هنا الكثير من الحذر حول احتمال إعادة احتلال غزة.

نعمل هنا من غير توقف. في بعض الأحيان، علينا التواجد ليلاً تواجدًا مستمرًّا لحماية آبار المياه من القوات الإسرائيلية التي دمرت الآبار الرئيسة... إنني أومن بأن بلدتي، أولمپيا، تستطيع تقديم الكثير لرفح عبر إقامة علاقة اجتماعية مباشرة مع الناس هنا. يوجد في رفح الكثير من الأساتذة ومجموعات لرعاية الأطفال في حاجة إلى المعونة.

إنني أتابع ما يحصل في الولايات المتحدة من تحركات وتظاهرات ضد الحرب. وهذه التحركات تجعلني أشعر بالاطمئنان حول ما أقوم به في فلسطين. إذ إنني أقول دائمًا للناس الذين ألتقي بهم هنا إن شعبي في الولايات المتحدة لا يدعم سياساتِ حكومتنا، وإننا نتعلم من التجارب الدولية كيفية مقاومة هذه السياسات ومواجهتها...

رحلة إلى المجهول:

ترى هل كانت راشيل كوري يوم ذهبت مع رفاقها إلى غزة لمناصرة الشعب الفلسطيني تعي أخطار هذه الرحلة؟ وهل كانت تتنبأ بموتها بهذا الشكل البشع الذي حدث؟! وهل كانت تظن أنها تستطيع أن تقدم عملا إيجابيا لصالح الأطفال الفلسطينيين الذين أحبوها وأحبتهم؟!

 الإجابة على هذا السؤال يعرفه المقربون من راشيل كوري... فقد كتب بيتر بومر، وهو أستاذ اقتصاد كان يعرف كوري في كلية إفرجرين، رسالة تذكارية عنها قال فيها: "إن راشيل كانت واعية لأخطار ومخاطر الذهاب إلى غزة، وإنها ألقت بنفسها تماماً في النشاط في سبيل حقوق الإنسان والتضامن مع الشعب الفلسطيني". أما تريزا صليبا، وهي أيضاً أستاذة في إفرجرين: "إن كوري كانت تستعمل امتيازها كمواطنة أميركية في أن تخاطر بحياتها".

وقال صديق كوري وأحد زملائها الناشطين، فانج نْوين: "إنها لم تكن باحثة عن الإثارة ولم تكن لديها رغبة في الموت... كانت هناك لأنها شعرت أن باستطاعتها التأثير وإحداث تغيير".

كما قال والداها في تصريح لهما: "لقد أنشأنا كل أولادنا على تقدير المجتمع والأسرة الدوليين، ونشعر بالفخر؛ لأن راشيل استطاعت أن تعيش حسب قناعاتها. كانت راشيل تزخر بالمحبة والشعور بالواجب تجاه إخوانها من بني البشر، أينما كانوا، وقد ضحت بحياتها وهي تحاول حماية أولئك الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم".

رسائل الأحزان:

كان الانتقال من الأمان والرخاء النسبي في مدينة أولمبيا إلى رفح، تلك المدينة التي تخضع على الدوام لحصار اقتصادي وعسكري، صدمة بالنسبة للطالبة الجامعية الأميركية، أثناء مشاهدتها ما وصفته بأنه "انتزاع خفي في كثير من الأحيان، ولكنه على الرغم من ذلك مستفحل، لقدرة مجموعة معينة من الناس على البقاء على قيد الحياة، والقضاء على تلك القدرة".

وقالت إنه لا يوجد لدى الفلسطينيين في رفح إلا القليل، وأحياناً لا شيء إطلاقاً، من وسائل تحصيل الرزق بعد أن تم تدمير مصادر الدخل الاقتصادي المحتملة كمطار غزة، وبعد أن أغلقت الحدود مع مصر، وحال حاجز تفتيش إسرائيلي عسكري ومستوطنة غوش قاطيف دون الوصول إلى البحر. وذكرت كوري أن ستين ألف عامل من رفح كانوا يستطيعون العمل في إسرائيل قبل سنتين، ولكن هذا العدد قد تقلص الآن إلى ستمائة.

وكتبت كوري إلى والدتها قائلة: " تأتي الجرافة وتدمر بساتين الخضار والحدائق. فماذا يتبقى للناس؟ أخبريني إن كنت تستطيعين التفكير بشيء، أما أنا فلا أستطيع".

ووصفت غزة بأنها "سجن لا يستطيع الناس الخروج منه". وكتبت تقول: "إنهم لا يستطيعون حتى الوصول إلى إسرائيل لتقديم طلبات الفيزا؛ ولأن البلدان التي يقصدونها لن تسمح لهم بدخولها".

وأعربت ناشطة السلام في كتاباتها أيضاً عن شعورها، كفتاة أميركية تملك خيار العودة إلى وطنها، بأن المرء "يعي طوال الوقت أن المعرفة بهذا الأمر لا تمثل الحقيقة والواقع بأي شكل من الأشكال".

وأضافت: "حين أعود من فلسطين، سأعاني على الأرجح من الكوابيس وسأشعر بالذنب على الدوام لأنني لست هنا (في رفح)، ولكنني أستطيع تحويل كل ذلك إلى مزيد من العمل".

ومضت إلى القول: "ما زلت مستمرة في اعتقادي بأنه يمكن لمدينتي، أولمبيا، أن تكسب الكثير وأن تقدم الكثير من خلال تقريرها القيام بالتزام تجاه رفح على شكل علاقة أخوية بين المجتمعين. وقد أعرب بعض الأساتذة ومجموعات الأطفال في رسائل إلكترونية تبادلناها عن اهتمام بهذا، ولكنه ليس سوى أول الغيث لعمل التضامن الذي قد يتم تحقيقه".

تفاصيل الجريمة:

كانت راشيل كوري تقول: إن كونها تعيش في غزة أدى إلى "تبني (عائلة فلسطينية لها) من كل قلبها"، ولكنها كانت تشعر بالذنب "لأن أكون قبلة أنظار أناس يواجهون الهلاك... ولكنها لم تكن تشعر حتى ذلك اليوم أنها ستكون ضحية الدفاع عن هذه الأسرة البائسة التي فتحت لها قلبها وذراعيها، يوم أن جاءت الجرافات الإسرائيلية لتهدم منزل عائلة (نصر الله) التي كانت كوري تعيش معها.

 وقد شهدت هذه العائلة جريمة قتلها في 16 مارس 2003. حيث تصدت راشي كوري للجرافة ووقفت أمامها، ظنا منها أن الجندي الإسرائيلي الذي يقود الجرافة سوف يردعه وقوف هذه الشابة الأمريكية أمامها، لكنه لم يتوقف، بل قام بصدمها ثم داس عليها، لتلقي مصرعها في الحال أمام كاميرات التصوير التي لا يعبأ بها الإسرائيليون وهي تسجل جرائمهم.  وكان د. سمير نصر الله، الذي يعمل صيدلياً في أكبر عيادات رفح الطبية من أول الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إليها،

وقد أكد مسئول طبِّي فلسطيني وشهود عيان أن الناشطة كوري، من فرق التضامن مع الشعب الفلسطيني، قُتِلَتْ عندما دهستْها جرافةٌ إسرائيلية حاولت الناشطةُ صدَّها مع ناشطين آخرين في أثناء تجريف أراضٍ فلسطينية في حيِّ السلام برفح، جنوب قطاع غزة.

وقال الطبيب علي موسى، مدير مستشفى أبو يوسف النجار في رفح: ن كوري استشهدت وهي في الثالثة والعشرين من عمرها عندما حاولت صدَّ جرافة عسكرية جاءت لتجريف أراضٍ بحي السلام، لكن الجرافة دهستْها، مما أدى إلى مقتلها بعد تحطم جمجمتها وأضلاعها.

وكانت الناشطة الأمريكية في رفقة سبعة أمريكيين وأوروبيين آخرين ناشطين بهدف منع أعمال التجريف والهدم التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في رفح. وقال شهود فلسطينيون وأجانب: إن الجرافة العسكرية الإسرائيلية "قامت بدفن هذه الناشطة عندما جلست على الأرض في محاولة منها لمنع التجريف، لكن الجرافة لم تعبأ بها ودفعتْها ثم دهستْها".

وقد قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات اعتبار كوري شهيدة، ومنحها قلادة "بيت لحم 2000"، وهو أرفع وسام فلسطيني، ويُمنَح عادة لرؤساء الدول ورؤساء الوزراء ورجال السياسة والقادة.

وقد عجز فابيو تشييه، ذلك الشاب الإيطالي عن التعبير عن شعوره بالصدمة والحزن لرحيل راشيل كوري، زميلته في حملة الحماية الشعبية الدولية للشعب الفلسطيني؛ حين قال: "لا أستطيع أن أعبِّر بكلمات عن رسالتي لإسرائيل... فاللسان عاجز عن الكلام".

وقد شارك ذلك الشاب المدافع عن حقوق الإنسان والشعب الفلسطيني في جنازة رمزية للمناضلة الأمريكية التي دفعتْ حياتَها ثمنًا لمبادرتها الإنسانية والسياسية. انطلقت الجنازة من أمام مكتب المنسق الخاص لنشاطات الأمم المتحدة "أونسكو" غرب مدينة غزة، وصولاً إلى نصب الجندي المجهول وسط المدينة، حيث وُضِعَ تابوتٌ ملفوف بالعلم الفلسطيني أسفل النصب، قبل أن ينهال قياديون وممثلون عن المنظمات الأهلية والمجتمع الفلسطيني بأكاليل الزهور على النعش. وبكى بعض النساء الفلسطينيات كوري في أثناء الاعتصام عند مدخل "أونسكو"، في حين بدا التأثر واضحًا على وجوه العدد القليل من الأجانب الذين شاركوا في تلك الجنازة الرمزية.

وفي كلمتها، استهجنتْ غودون بِرتِنوسن، المفوضة المقيمة لـ"جمعية مساعدات الشعب النرويجي"، المقيمة في مدينة غزة، زعمَ الحكومة الإسرائيلية بأن الجندي سائق الجرَّافة لم يرَ راشيل وهي مرتدية الزيَّ المميز الخاص بأعضاء الحملة الشعبية.

الموقف الأمريكي الباهت:

اكتفت واشنطن وقتذاك بالمطالبة بفتح تحقيق حول مقتل كوري، دون إدانة الجريمة، واعتبر الجيشُ الإسرائيلي أن "الجرافة صدمت الفتاة عَرَضًا بعد أن اقتربت منها كثيرًا، على الرغم من أنها تلقَّت أوامر بالابتعاد"! وقال ناطق باسم الجيش الإسرائيلي: إن "زاوية الرؤية لسائق الجرافة المدرعة كانت محدودة"، وإنه "في الغالب لم يرَها". وأوضح الناطق العسكري أن سائق الجرافة لم يتم توقيفه وأن التحقيق لم ينتهِ بعد"!!!

أما والدا راشيل، كريغ وسِندي كوري، فقد علقا في مؤتمر صحفي على الجريمة بأنهما فخوران بموت ابنتهما وهي تؤدي رسالتها الإنسانية، حيث قالا: "إننا في فترة حداد، ومازلنا نتقصى التفاصيل من وراء موت راشيل في قطاع غزة".

راشيل كوري عمل فني:

لم يكن مستغرباً أن تجد فرقة مسرحية بريطانية، فيما قالته وكتبته "راشيل" ما يشحذ الخيال الفني ويلهم الإبداع المسرحي. وبالفعل فقد حررت تلك الفرقة كل الرسائل والافتتاحيات الصحفية الإلكترونية التي كتبتها راشيل، وأعادت كتابتها في شكل مسرحية تحت عنوان "اسمي راشيل كوري". ومنذ لحظة إنتاجها، حظيت المسرحية بعرضين مثيرين لاهتمام النقاد والمشاهدين في المسارح البريطانية، ابتداءً من العام الماضي 2005. وكان من المفترض أن تعرض المسرحية ذاتها على خشبة المسارح الأميركية، إلا أن هذا الاحتمال أصبح بعيداً جداً الآن.

 يذكر أن ورشة مسرح نيويورك – وهي مجموعة تقدمية ذات تقاليد طويلة راسخة في عرض الأعمال المبتكرة والمثيرة للجدل والخلاف عادة - قد دخلت في منافسة عطاء لإعادة عرضها في المسارح الأميركية، وكان من نصيبها الفوز بذلك العطاء فعلاً. وعليه فقد تقرر افتتاح العروض الأميركية لهذا العمل، اعتباراً من الثاني والعشرين من شهر مارس 2006.

لكن وبسبب تعرضها لضغوط مجهولة، أعلنت الورشة في قرار مفاجئ، تعليقها عرض المسرحية إلى أجل غير مسمى! وقد اتضح من خلال تحقيقات صحفية أجريت حول أسباب تعليق العرض، أن مصدر "الضغوط المجهولة" التي أدت لذلك، جهات موالية لإسرائيل. أما التوضيحات التي ذكرها مسئولو الورشة المسرحية نفسها، فكانت غير مقنعة تماماً. من بينها على سبيل المثال؛ قول المسؤولين: إن الظرف الصحي الذي يمر به إرئيل شارون متبوعاً بفوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية، لم يكن ملائماً لعرض مسرحية "اسمي راشيل كوري". وجاء تارة أخرى في تبريراتهم بأن المسرحية بحاجة لإعادة كتابة حتى تبدو أكثر توازناً في نقدها ووصفها لمعاناة الفلسطينيين، أو أن هناك ضرورة تقتضي إرجاء العرض إلى حين كتابة نص مسرحي آخر مواز لها، يقوم على إفادات بعض ضحايا ما وصف بـ"الإرهاب الفلسطيني" من المدنيين الإسرائيليين!

وكان طبيعياً أن تأتي ردة فعل الأوساط الفنية والمسرحية في نيويورك، ناقمة وساخطة على إنكار الورشة مبدأ حرية التعبير الفني، حين جاء الدور على مسرحية "اسمي راشيل كوري". وشملت ردود الفعل هذه استهجاناً صارخاً لقبضة الرقابة الحديدية على عرض مسرحي يتناول القهر والقمع الإسرائيلي للفلسطينيين، بل لقد كان أقوى استجابة لعرقلة عرض المسرحية، اجتماع عدد كبير من أبرز الشخصيات الفنية والناشطة في كنيسة "ريفر سايد" بمدينة نيويورك للاحتجاج على إلغاء وتأجيل العرض المسرحي.

بقي القول بأن البرنامج الإذاعي الأمريكي واسع الشعبية "الديمقراطية الآن" المعروف منذ وقت طويل، بتكريسه لمبدأ حرية التعبير، قد حملت إحدى حلقاته عنوان "كلمات راشيل"، وقد حضرها ما يزيد على ألفي مستمع على الأقل، كما تضمن ذلك اللقاء الفني الحاشد، مشاركة عدد من كبار الفنانين الأميركيين في قراءة نماذج من أعمال "راشيل كوري".

تذكار راشيل:

لقد تم الاحتفال بوضع حجر الأساس لإعادة بناء منزل عائلة نصر الله التي هدم منزلها على يد الجيش الإسرائيلي بمدينة رفح، وهو البيت الذي كانت ناشطة السلام الأمريكية راشيل كوري تحاول حمايته، أثناء اقتراب جرّافات الجيش لهدمه واستشهادها بعد إصابتها بذراع الجرافة. وسيتم بناء البيت بمساهمة العديد من الأمريكيين بالإضافة إلى أشخاص من حول العالم، ويشارك في هذا الاحتفال أربعة أصدقاء لراشيل من أوليمبيا، واشنطن.

وبدأ الاحتفال بكلمة لـ سمير نصر الله صاحب البيت المهدوم؛ حيث قال: "سيكون هذا المنزل الجديد رمزاً للحب والسلام، يربط الشعب الأمريكي بروابط التضامن مع الشعب الفلسطيني، وسيجسد أكثر ما اهتمت به راشيل: السلام، الصداقة والإيمان بالحرية هنا وحول العالم، وأود أن أشكر هنا كل من ساهم في هذا المشروع خاصة مؤسسة إعادة الأعمار الأمريكية وبرنامج غزة للصحة النفسية وعائلة كوري وأصدقائها ومؤيديها".

وسيكون منزل عائلتي نصر الله هو أول منزل يتم إعادة بنائه من خلال (حملة راشيل كوري) لإعادة البناء في غزة، والذي يرعاه برنامج غزة للصحة النفسية بالشراكة مع المؤسسة الأمريكية غير الربحية تحالف إعادة البناء ”The Rebuilding Alliance

وتحدثت سوزان إحدى صديقات راشيل كوري ممثلة عن السيدة دونا بارانسكي مديرة مؤسسة إعادة الإعمار الأمريكية قائلة: "أكتب إليكم من الجهة الأخرى من العالم ممثلة لـ 1100 شخص وأناس من ست دول في العالم يظهرون التزامهم بقضايا العدل والسلام، إننا نؤكد لكم اليوم أن راشيل كوري هي التي قدمت هذا الدعم لكم، فبتضحياتها وبما نشرته عنكم، نقف اليوم لنعيد هذا البيت الذي رحلت راشيل كوري وهي تحاول الدفاع عنه كتعبير عن التضامن معكم في قضيتكم العادلة، وتمسككم بحقكم في العيش على أرضكم بكرامة، وإن ما نفعله هو الصواب، ونأمل أن يكون هذا البيت بداية لحملة توعية وتضامن دولي أكبر يتيح تفهم قضيتكم العادلة وبناء المزيد من البيوت التي هدمها الاحتلال".

ومن جهته قال مروان دياب نائب مدير دائرة العلاقات العامة في برنامج غزة للصحة النفسية والمنسق المحلي للمشروع: سعداء اليوم بأن نقف هذا الموقف لنشهد إعادة بناء منزل عائلة نصر الله الذي يمثل التمسك بالحق الفلسطيني في العيش الكريم، ونفخر بكوننا جزء من هذا المشروع الذي يمثل رسالة رمزية للعالم بأسره، ونود هنا أن نشكر كل من ساهم في إنجاح هذا المشروع بمن فيهم السيدة/ دونا بارانسكي من مؤسسة إعادة الإعمار الأمريكية وحركة التضامن العالمية؛ التي تنتمي لها الشهيدة كوري، وكذلك كل أصدقائها والمتطوعين وإلى عائلة كوري الشجاعة، وأخيراً لروح راشيل كوري التي ما زالت تعطينا العبر والإلهام".

في عيون الشعراء:

وكانت رسائل «راشيل كوري» إلى والدتها وأصدقائها قد ألهمت مخيلة مجموعة من الشعراء بكتابة قصائد عن تجربتها. مثل عيد عبد الحليم الذي قال: «عندما يأتي البلاغيون/ بدواوين المجاز/ يريدون صنع أغنية تليق ببنت في العشرين/ سيأتي طائر/ يحط - لبرهةٍ - فوق ماء البحر الميت/ ثم يداعب الفضاء بقطرة ماء/ فتخرج شمس أخري وتدرك السماء/ حكمة الزقزقة».

وفي قصيدتها «اسمك راشيل كوري» تقول فاطمة ناعوت «طبعا كنت ترسمين وردة/ في أوراق حصة الحساب/ وتومئين للمعلمة بين لحظة وأخري كأنك تتابعين الدرس/ وربما شغلت بابن الجيران عن إتمام واجب التاريخ لتضحك البنات في الفصل».

وفي قصيدة «حديث سائق الجرافة» يقول حلمي سالم «باسم الدبابات/ باسم الدانة والهليكوبتر والملالات/ باسم نقاء العنصر، والشهوة، والجرافات/ أرضيت الرب المتعطش/ وضمير الدنيا مات».

أما أيمن اللبدي فيقول: " لا لم ْ ترحلي/ رحلَ الذي هُوَ لم يصلْ/ وأنتِ تبقينَ هنا/ وتشرقينَ معَ الشعاع ِ غداً قلائدَ من نهارْ/ وحنطةَ الروح الضمير ِ/ ودفقة َالنور المثير/وجادةً من أقحوانْ

 وباختصارْ/ راشيلُ قد ماتَ الصِّغار / ياخُطوةً جاءت إلينا مثلَ أسوارِ الحمام ْ

من ساحة ِ السفح ِ البعيد ِ/ وفي يديها نايُها المغدورُ والجسدُ المطيرُ

والسلام ْ...




 

اطبع الموضوع  
Home