شخصية العدد

 

المهدي بن بركة



(40 سنة) مرت على غيابة ولا يزال في الذاكرة:

المهدي بن بركة في ضمير النضال المغربي

• بن بركة أول من فضح مخططات التوغل الإسرائيلي في إفريقيا.
• ناضل المهدي من أجل الحفاظ على اللغة العربية أمام انتشار الفرنسية.
• عمل المهدي على تفعيل التعاون (الأفرو– آسيوي) ضد الهيمنة الأمريكية.
• كان يرى أن الهيمنة الاستعمارية لن تزول بزوال الجيوش الغازية.
• بذل المهدي جهودا كبيرة في استقلال المغرب ووحدة أراضيه.
• منظمة العفو الدولية تطالب بفتح التحقيق في عمليتي اختطافه واغتياله.
• عميل مخابرات سابق: المهدي قتل أثناء التحقيق وجثته تم تذويبها بالأسيد.
• نجل بن بركة يشير إلى تورط إسرائيلي أمريكي في عملية اغتياله.
• بدأ المهدي حياته السياسية الخامسة عشر من عمرة.

إعداد
 ياسر محمد غريب

منذ بدأت الحياة على الأرض عاشت بلايين البشر في صمت، وهلكت في صمت، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟! اللهم لا...إلا من فتح التاريخ له ذراعيه، ليسطر اسمه في سجله الخالد؛ فهو سِفْرٌ لا يعرف إلا من شارك في كتابته. وإن أعظم مداد كتب به سطر من سطور هذا التاريخ هو دماء الشهداء والمناضلين، تلك الدماء التي وقف التاريخ أمامها منحنيا ليسجل أصحابها في دفتره الخالد؛ فيطلع عليها من البشر كل من شاء أن ينهل من أرواحها السامية.
كذلك كانت حياة المناضل المغربي الكبير (المهدي بن بركة ) -الذي مر على غيابه أكثر من أربعين سنة- لفتة سريعة من لفتات التاريخ المضيئة؛ فقد عاش هذا المناضل عمرا لا يزيد على (45 سنة) في كفاح مستمر لنصرة قضية أمته العادلة، وحقها في تقرير مصيرها إلا أن غاب عن الوجود والشهود.
كان المهدي بن بركة قائدا للمعارضة المغربية ومدافعا عن قضايا العالم الفقير، وقد عانى من أجل ذلك الكثير، فعلى الرغم من صغر سنه؛ فإن نشاطه السياسي وأفكاره الجريئة جعلته مطاردا في فترات طويلة من حياته القصيرة؛ إذ تعرض لعدة محاولات اغتيال، كما حكم عليه بالإعدام غيابيا مرتين بتهمة الخيانة العظمي، فاضطر للهروب من المغرب ليقيم مع عائلته في القاهرة، ولكنه كان يتسلل إلى المغرب بين الحين والحين لمتابعة النضال السري، ويسافر إلى أوربا في جولات سياسية، إلى أن اختطف في عام 1965م في باريس وتمت تصفيته.
• نشأة المهدي ورحلته في التعليم:
في أسرة متوسطة الحال تتكون من والد يعمل بتجارة السكر والشاي، في حي بوقرون، قرب زاوية سيدي قاسم، وأم تعمل بالحياكة، وأربع شقيقات وشقيقين؛ وُلد المهدي بن بركة في العاصمة المغربية (الرباط) في عام 1920م. ثم بدأ دراسته في مدرسة خاصة بتدريس القرآن، لينتقل بعدها إلى المدرسة الحديثة، ثم أنهى دراسته الثانوية في كلية مولاي يوسف ثم في كلية “غورو” في مدينة الرباط. ولأنه كان طالباً متفوقاً؛ فقد قدمت له الحركة الوطنية الاستقلالية مساعدة مادية لاستكمال دراسته، حاز بفضلها على شهادة البكالوريا في عام 1938م بدرجة جيد جداً.
 ولما لم يستطع المهدي الذهاب إلى باريس لمتابعة تعليمه الجامعي بسبب احتلال فرنسا من قبل ألمانيا أيام هتلر؛ رحل إلى الجزائر لينتسب إلى كلية العلوم، وليحصل على إجازة في الرياضيات، وهناك تم انتخابه رئيساً لاتحاد طلاب شمال أفريقيا، وبعد انتهاء دراسته الجامعية عاد إلى المغرب في عام 1943م ليمارس مهنة تدريس الرياضيات في كلية “غورو”، ثم في الكلية الملكية، حيث كان من طلابه في ذلك الحين الأمير الحسن الذي اعتلى عرش المملكة في أعقاب وفاة والده الملك محمد الخامس.
كان المهدي بن بركة بشهادة أساتذته وأصدقائه تلميذا متفوقا في الرياضيات والتاريخ والعلوم واللغة الفرنسية، كما أنه بدأ حياته السياسية في إطار كتلة العمل الوطني، وهو في سن الخامسة عشر، وفي تلك المرحلة من عمرة  كانت شخصية المهدي متعددة الجوانب ، فكان من المواظبين على زيارة ضريح سيدي العربي بن السايح، وكان عضوا في الفرقة المسرحية التابعة لقدماء المدرسة اليوسفية بالرباط، وفي هذه الفرقة مثل المهدي أدوارا في مسرحيتي "لقيط الصحراء" و"غفران الأمير".
• رحلة النضال السياسي:
تجاوز المهدي بن بركة المألوف في تطور الشخصيات العامة، ليتحول في مدى زمني قصير إلى واحد من كبار الشخصيات التي عرفتها المملكة المغربية في العصر الحديث، فقد اعتقل من قبل السلطات الفرنسية، في أعقاب المظاهرات التي شارك فيها وفي الإعداد لها، والتي انتهت بإعلان البيان الداعي إلى استقلال المغرب، وكان الأصغر سناً بين الموقعين على هذا البيان، وكان قد انتسب في ذلك الوقت إلى “اللجنة المراكشية للعمل” التي تحولت في البداية إلى حزب هو “الحزب الوطني” الذي تحول بدوره إلى الحزب الذي صار يحمل اسم “حزب الاستقلال” منذ ذلك التاريخ حتى الآن. وبعد خروجه من السجن اختير عضواً في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، وظل يحتفظ بهذا الموقع إلى أن انشق عن الحزب مع بعض زملاءه.
ولما كان بن بركة من أخطر الشخصيات المعادية للوجود الفرنسي في المغرب، لذا فقد اعتقل في 28 فبراير1951م، وتم نفيه إلى جنوب البلاد ووضعه تحت الإقامة الجبرية، لكنه استطاع أن يقيم في منفاه علاقة مباشرة مع السكان المحليين الذين عمدوه زعيماً معتقلاً، وساعده ذلك على البقاء على علاقة جيدة مع رفاقه في قيادة الحزب وفي الحركة المناضلة من أجل الاستقلال.
وبعد انتهاء أزمة النفي في أكتوبر 1954م، بادر المهدي إلى إقامة علاقة جيدة بين الجناح السياسي في الحركة الوطنية والجناح العسكري فيها، حيث كان الجناح العسكري قد شكل بشكل ما جيشا للتحرير والمقاومة منذ عام 1952م.
 وقد هيأته نشاطاته وشجاعته والأدوار التي لعبها في حزبه وفي الحركة الوطنية الاستقلالية للمشاركة في الوفد الذي خاض المفاوضات مع الفرنسيين في عام 1955م في “إكس- لي- بان” التي انتهت - فيما بعد - بإنهاء الاستعمار الفرنسي المباشر للمغرب، وإعادة الملك محمد الخامس من منفاه، وفي عام 1956م انتُخب بن بركة رئيساً للجمعية الوطنية الاستشارية.
وعلى الرغم من أن هذه الجمعية لم تكن ذات صلاحية تذكر؛ فإنه بذل أقصى الجهد لتحويلها إلى مركز نقاش وتمرين على الديمقراطية على امتداد فترة وجودها ووجوده على رأسها إلى حين حلّها في عام 1959م، وكان في الوقت ذاته قد اختير ليكون مسئولا عن إصدار المجلة الأسبوعية “استقلال” الصادرة باللغة الفرنسية وتحريرها، وكانت تلك المجلة بمثابة الناطق باسم الجناح التقدمي في حزب الاستقلال.
 كما أسهم في عام 1957م في المبادرة التي دعت إلى شق “طريق الوحدة”، التي ترمز إلى وحدة المغرب، ومناهضة فكرة تقسيمهن ولبى الألوف من المغاربة الدعوة إلى شق تلك الطريق، قادمين إلى تلك المهمة الوطنية من المنطقة التي كانت تحت السيطرة الفرنسية ومن المنطقة التي كانت تحت السيطرة الإسبانية،  ورافقت عملية شق الطريق ندوات سياسية وثقافية وتربية مدنية وتوعية وقراءات متنوعة ومنظمة.
• دوره في تضامن شعوب أفريقيا وآسيا:
كان المهدي لا يزال رئيساً للجمعية الوطنية عندما عقد في القاهرة في عام 1959م المؤتمر التأسيسي لمنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا، وبالرغم من القرار الذي اتخذه حزبه، حزب الاستقلال، بعدم المشاركة في المؤتمر؛ فإنه أرسل رسالة تحية إلى المؤتمر باسم الجناح التقدمي في الحزب لكي يكون مساهماً في تأسيس تلك المنظمة، وانتهى به وبزملائه في هذا الجناح من حزب الاستقلال إلى إعلان انشقاقهم في 25 يناير 1959م، والإعداد لتأسيس حزب جديد هو حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” في مؤتمر عقد في الدار البيضاء في السادس من سبتمبر في العام ذاته، وفي عام 1960م انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعوب الأفريقية، وعضواً في قيادة منظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا.


وخلال الأشهر الستة التي أمضاها في الجزائر عام 1964م، عمل بن بركة على رسم توجّه أُمميّ لنضالات التحرّر الوطني المتلاقية. لم يكن هذا السعي مستوحًى فقط من غضبة (فرانز فانون)، بل جاء من أبعد منها، من "خطاب في الاستعمار" (لايميه سيزير) ومن كتاب (أليسو ميمي)، "صورة المستعمَر تسبقها صورة المستعمِر". وقد تغذّى من المبادلات مع الفكر المناهض للإمبريالية البريطانية في إفريقيا والمتمثّل بـ (جومو كنياتا) و(كوامه نكروما) و(جوليوس نيريره).
وإذا كانت العاصمة الجزائرية في تلك الأثناء قد تحوّلت مرتعاً فكرياً للمعارضة الثورية الدولية. فقد كان يؤمّها زعماء حركات التحرير، وفي طليعتهم المنفيّون من المستعمرات البرتغالية بعد الاضطرابات التي شهدتها أنجولا، وغينيا بيساو، وموزمبيق. وكان (الخلاسيّون) والاقلّيات كالمثقّفين من الرأس الأخضر، لا سيما (أميلكار كابرال)، يحملون إليها أصداء التيارات التحرّرية القادمة من القارة الأميركية، وفي عام 1964م، نزل في الجزائر العاصمة (مالكولم أكس) أحد أبرز وجوه حركة السود في الولايات المتحدة. كذلك مرّ فيها، ربيع 1965، (أرنست تشي جيفارا) قبل ذهابه للتواصل مع متمرّدي الكونغو.
لقد كان كسر حلقة التخلّف ليس مشروعاً وطنياً، بل عمل منسّق ضدّ التبعية للنظام الرأسمالي المتنوّع الأقطاب لكن المرتبط بالهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأميركية، وكان بن بركة يكرّر القول: "إنّ إفريقيا هي بالنسبة لأوروبا كما أميركا اللاتينية للولايات المتحدة". فيأخذ العمل على توحيد المغرب بعداً مناهضاً للإمبريالية، نخرج هكذا من التنمية الكيانيّة التي تُحْجَر على اليسار، ضمن إطار الدول الجديدة، وتربطه في خدمتها من باب الشعور الوطني أو النخبوية التكنوقراطية. لا تنتمي حركة القارات الثلاث إلى المسار السوفيتي، ممّا يتسبّب باحتكاكات مع الأحزاب الشيوعية، كما أنها لا تدين بالولاء للماويّة".
و كان في نية المهدي بن بركة إطلاق دينامية مستقلّة، يكون إنجازه تأمين التعاون والتوازن بين الاتحاد السوفيتي والصّين.
وفي الجزائر، أراد بن بركة إصدار مجلة للإعلام والتعبئة والنقاش، ناطقة باسم لجنة مناهضة الاستعمار التابعة لمنظمة التضامن الأفرو آسيوي، وهي بعنوان "المجلة الإفريقية"، ثم اتّسعت الرؤية لتشمل الثورة الكوبية وأميركا اللاتينية. وكان ما أثار حماسته للثورة الكوبية هو نجاح حملة محو الأمية التي كان يحلم بها بالنسبة للمغرب، فسعى لتأسيس مركز للدراسات والتوثيق حول حركات التحرّر الوطني، كما راهن على الإمكانات الثورية لشبيبة العالم الثالث، ليرسم مشروع جامعة القارات الثلاث.
• الاختيار الثوري والنقد الذاتي:
كان انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وتقديم بن بركة لتقريره، الذي حمل في صيف 1965 ، اسم (الاختيار الثوري)، علامة فارقة في تاريخ الفكر السياسي عند بن بركة؛ فقد كان يريد بن بركة في طرحه ربط قضايا التنظيم بالمعارك السياسية الكبرى، وحركات التحرير العالمية آنذاك، ويتجلى هذا المنظور في الخطاب الذي ألقاه في اجتماع لمؤتمري إقليم الرباط/سلا.
فقد قال بن بركة في مقدمة الاختيار الثوري الذي كان ينوي نشره في بيروت وباريس 1965، عن ظروف كتابة تقريره هذا:
" لقد كنا في شهر مايو 1962م - عندما قدمت هذا التقرير للكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية - على وشك عقد المؤتمر الثاني للحزب ( 25-27 مايو 1962م)، وكنت بعد عودتي من إقامة اضطرارية في الخارج، أرى من الواجب أن أبدي لرفاقي خلاصة نقد ذاتي للمراحل التي قطعتها حركتنا من قبل، مع بعض الخطوط الرئيسة لمهامنا في المستقبل. إن أي حركة سياسية تطمح في أن تكون حركة ثورية لا يمكنها أن تعيش وتنمو إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية، وأن تتنبأ إلى حد بعيد بأحداث المستقبل، وقد كنا في حاجة إلى مثل هذا التحليل، ليس فقط لمناسبة شكلية هي انعقاد المؤتمر، ولكن على الأخص لأننا كنا على أبواب تحول كبير في سير حركتنا التحريرية. والواقع أن مثل هذا التحليل هو ما يطالب به مناضلو الحزب عندما يلحون على قادته بالإفصاح عن برنامج، وليس البرنامج هنا هو مجموعة التدابير التي يلتزم الحزب باتخاذها عندما يصل إلى الحكم، بل هو الخط السياسي الذي يوضح معارك الماضي، وما انطوت عليه من مظاهر النصر والفشل ويرسم ملامح المستقبل. لقد كانت تعترضني وأنا أكتب هذا التقرير عدة أسئلة حرصت على الإجابة عليها، فكنت أتساءل: كيف يمكننا أن نعد مناضلي الحزب لمعارك المستقبل إذا لم نمكنهم من فهم التيارات التي وجهت الأحداث المعاصرة في بلادنا، وإذا لم نشرح لهم المعنى الحقيقي للاستقلال، والظروف التي تحقق فيها، والأخطاء التي جعلت الحركة التحررية تحرم من مكاسب نضالها؟ كيف نجعلهم يفهمون التردد الذي طبعت به خطواتنا الأولى بعد إعلان الاستقلال، إذا لم نكشف لهم النقاب عن المعارك المريرة التي كنا نخوضها لتحقيق أتفه الإصلاحات في الحكومات التي كنا نساهم فيها؟ وقد اقتنعت بأن العرض الموضوعي لأخطائنا ونقصنا في الماضي هو السبيل الوحيد لإعدادهم لمعارك المستقبل. ولم يكن من المتيسر في حدود هذا التقرير أن أقوم بتحليل نقدي شامل لحركة التحرر الوطني في المغرب، ولا بعرض دقيق لنشاط الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال، لكن كان المهم - بالنسبة للغرض من التقرير - الاعتماد على بعض الوقائع أو الأحداث الخاصة لإلقاء بعض الضوء ،مثلا على موقفنا من نقطة تحول هامة في تاريخنا، مثل  تسوية  (إكس لي بان) أو لشرح الأسباب الموضوعية والذاتية التي جعلت القيادة السياسية تفلت من أيدينا بينما كنا الأغلبية الساحقة في البلاد حتى نستخلص من كل ذلك العبرة لسلوكنا في المستقبل...".
• أمال وطموحات تقدمية:
كان ذكاء المهدي بن بركة وقدراته التنظيمية ومعرفته بالرجال، من العوامل التي ساعدته على تجنيد المناضلين وتعبئتهم وكان الاستقلال عنده مرادفا للتقدم والعدالة الاجتماعية وتدارك التأخر الذي تراكم بالمغرب بسبب عزلته عن العالم حينما كان العالم يعرف تحولات وتطورات علمية، وبناء مؤسسات الدولة، وبسبب التخلف أصبح المغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هدفا لأطماع الاستعمار، ولهذا فرض الفرنسيون عليه وصايتهم.
كان المشروع الوطني الذي دافع عنه المهدي بن بركة عند إعلان الاستقلال، يهدف إلى بناء مجتمع جديد في ظل نظام سياسي جديد يضمن الحد الأدنى من الفرص للجميع بدلا من تحويل امتيازات الاستعمار إلى محظوظين مغاربة على حساب الشعب الذي كان يريد أن تكون له في عهد الاستقلال، أوضاع مخالفة لعهد الاستعمار، ولهذا كان للمهدي حضور في واجهات مختلفة لبناء المجتمع الجديد للعهد الجديد، عهد الحرية والاستقلال.
وفي انتظار أن تتوفر البلاد على دستور، وأن تجري انتخابات حرة ونزيهة، شارك المهدي في مبادرة كان الهدف منها العمل على أن تخترق الروح الديموقراطية هياكل الدولة، فترأس المجلس الاستشاري كبرلمان غير منتخب تم تعيين أعضائه من طرف الملك محمد الخامس، ومارس تلك الرئاسة بذكاء ومهارة لإعداد البلاد للهدف الذي كان الملك والوطنيون متفقين عليه؛ وهو: إقامة نظام ملكية دستورية، ودولة حقيقية يكون القانون فيها قاعدة مشتركة بالنسبة للجميع، وديموقراطية يرتكز فيها الحكم على القوى الشعبية الحية والمنظمة تنظيما جيدا.
• اللغة العربية وصراعه ضد فرنسة المغرب:
كانت سيطرة اللغة الفرنسية على المجتمع المغربي بفعل فرضها على المجتمع من قبل قوات الاحتلال الفرنسي أمر يزعج المهدي بن بركة كثيرا، فالاستقلال لن يتأتى إلا عن طريق العودة إلى الأصول الثقافية العربية الأصيلة؛ فكان من أكثر اهتماماته في إطار النضال من أجل الاستقلال تركيزه على تطوير التعليم، والعناية باللغة العربية باعتبارها اللغة الأم، وتوسيع انتشارها بدلا من اللغة الفرنسية، فضلاً عن اهتمامه بإحياء التراث المغربي القديم، وقد جعلته اهتماماته تلك في نظر المستعمرين، لا سيما من المقيم العام في ذلك الحين الجنرال جوان.
• أكثر من محاولة اغتيال:
خرج بن بركة من المغرب بعد تحميله مسؤولية محاولة اغتيال ولي العهد الأمير الحسن، ثم عاد سنة 1962م ليشارك في المؤتمر الثاني لحزبه “الاتحاد الوطني  للقوات الشعبية”، لكنه عاد فخرج إلى أوروبا، باريس وجنيف، للمرة الثانية، في أعقاب القرار الذي اتخذه الحزب بمقاطعة الاستفتاء حول الدستور، وكان الملك محمد الخامس قد توفي وخلفه في المُلك ولي العهد الأمير الحسن؛ إذ تعرض المهدي في تلك الفترة لمحاولة اغتيال بواسطة سيارة تابعة للشرطة.
ففي يوم  14 نوفمبر 1962م، كانت اللجنة المركزية للحزب بالدار البيضاء قد اجتمعت، وأصدرت قرارا بمقاطعة الدستور، بعدما حللت الوضع الذي نشأ عنه قرار الحكم المطلق بالقيام باستفتاء في موضوع دستور مصنوع، طبخ في الخفاء بمساعدة فنيين أجانب في خدمة الاستعمار وأذنابه.
وبعدما درست النتائج التي ستنجم من هذه العملية المزدوجة سواء على الصعيد الوطني أو بالنسبة لمجموع المغرب العربي، تنبهت ( اللجنة المركزية) إلى أن ما يسمى بالاستفتاء في نطاق نظام الحكم الفردي الإقطاعي القائم منذ سنة 1960م، إنما هو عملية منافية للديمقراطية من الأساس، وشكل من أشكال الاختلاس السياسي. فالحكم المطلق الذي استحوذ منذ مايو 1960م على الشؤون المالية والاقتصادية وسيطر على الجيش والشرطة وإدارة الشؤون الخارجية والداخلية جاد في تجنيد كل هذه الوسائل للضغط على الشعب المغربي حتى يتأكد سلفا من نجاح العملية......".
وقد أصدرت هذه اللجنة بيانا حول مقاطعة الاستفتاء، وجاء الجواب سريعا عليه في شكل محاولة الاغتيال التي تعرض لها بن بركة يوم 16 نوفمبر، بين الصخيرات وبوزنيقة، حينما كان متوجها إلى الدار البيضاء برفقة المهدي العلوي. أصيب بن بركة في عموده الفقري ، ونقل إلى ألمانيا لمواصلة العلاج. وعلى الرغم من مرضه؛ فإنه كتب  مقالا، نشر في التحرير يوم إجراء الاستفتاء، كان بمثابة محاكمة "للنظام"، وكان أيضا من الأجوبة على موقف الاتحاد الوطني من دستور 1962م، تفجير قنبلة في مطبعة جريدة التحرير.
في يوم 18 نوفمبر 1962 ، القي نص الدستور على أمواج الإذاعة، وحدد يوم 7  ديسمبر 1962 لإجرائه، وعلى الرغم من الإصابة في عموده الفقري، سافر بن بركة إلى تنزانيا ليشارك في مؤتمر منظمة التضامن الإفريقي الآسيوي، الذي انعقد في الأسبوع الأول من شهر فبراير 1963.
وإذا كانت تلك المحاولة الشهيرة لاغتياله قد أحدثت عطباً في بعض فقرات رقبته؛ فقد اضطر لاستخدام اللفافة حول عنقه؛ كالتي يستخدمها المصابون بتكلس فقرات الرقبة أو فقرات أعلى الظهر، كما تعرض في منفاه لعدد آخر من محاولات الاغتيال إلى أن جاءت الأخيرة في شكل اختطاف ثم قَتْلٍ في 29أكتوبر1965م، وكان قد انتخب قبيل اختطافه رئيساً لمنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا في المؤتمر الذي عقد في مدينة أكرا في غانا في نفس العام.
• نهاية درامية في باريس:
بدأ المهدي يزعج الدولة بمواقفه ومبادراته وأفكاره، ولهذا بدأ مسلسل إقصائه، حيث تعرض المهدي للعديد من المضايقات وصلت – كما ذكرنا من قبل - إلى حد محاولة اغتياله، وبذلك دفعه خصومه إلى مغادرة وطنه، المرة الأولى 1960م والمرة الثانية 1963م، والابتعاد عن بلده كان مرحلة وضعها خصوم المهدي بن بركة تمهيدا لإقصائه من الحياة الوطنية في انتظار المرحلة الأخيرة وهي تصفيته جسديا.
وفي 29 أكتوبر عام 1965م اختُطف المهدي بن بركة من أمام مقهى (ليب) (سان جيرمان) في العاصمة الفرنسية باريس واختفي بعدها، فلم يعرف له قبر أو جثة أو أثر، وفي ذلك اليوم كان المهدي علي موعد مع عدد من الأشخاص حيث كان حينها رئيسا لمنظمة القارات الثلاث التي تجمع دولا حديثة الاستقلال وحركات تحرر.
وبعد اختطافه وبغية إزالة المهدي من الذاكرة الوطنية شرعت وسائل الإعلام المغربية آنذاك، التي كانت تحت وصاية وزير الأنباء مجيد بن جلون، في تنظيم حملات متواصلة ضد المهدي بن بركة في تعليقات بالفصحى والعامية تدعي بأن الذين اختطفوا المهدي بن بركة ما هم إلا جماعات من أصدقائه المختصين في ترويج المخدرات!!
إلا أن حادث اختطاف المهدي وقتله قد أثار ضجة كبيرة، ووضع أمام العالم كله كل المعطيات عن تاريخ هذا القائد الكبير، وعن المراحل التي مر بها في حياته كطالب ثم كمناضل ثم كمفكر وعالم ثم كقائد سياسي من الطراز الرفيع.
• منظمة العفو الدولية تطالب بإزالة اللثام عن القضية:
كانت منظمة العفو الدولية قد دعت في الذكرى 38 لاختفاء بن بركة الحكومةَ المغربية إلي التحقيق في اختفاءه بباريس عام 1965م، وطلبت المنظمة من السلطات المغربية اتخاذ الخطوة التي طال انتظارها وإجراء تحقيق في هذه القضية معربة عن تضامنها المستمر مع النضال الشجاع والحازم الذي يبديه نشطاء وحقوقيون مغاربة في سبيل الحقيقة والعدالة.
وكان أحد أعضاء المخابرات المغربية - هو أحمد بخاري -، قد أماط اللثام عن المعلومات التي بحوزته حول اختفاء بن بركة في العام 2001م، وزعم أن المهدي بن بركة توفي أثناء استجوابه في فيلا تقع جنوب باريس علي أيدي عملاء المخابرات المغربية، وأن جثته أعيدت بعدها جواً إلي المغرب وأُذيبت بالأسيد.
واعتمادا على هذه التصريحات قالت منظمة العفو الدولية: إنه ليس لدى السلطات المغربية أي عذر في استمرار تجاهل الدعوة لإجراء تحقيق كامل وحيادي ومستقل في تورط الدولة في وفاة هذه الشخصية المعارضة.
ويرى بعض المراقبين أن اختفاء المهدي جاء في سياق حملة قمع شديدة قامت بها السلطات المغربية منتصف الستينات من القرن الماضي بحق المعارضين لنظام الملك الحسن الثاني وشهدت المغرب حينذاك مئات الحالات المشابهة لحادث المهدي بن بركة. في حين يحمل بعض المراقبين – هو المرجع الشيعي السيد محمد حسن فضل الله- الفرنسيين المسئولية كاملة حين يقول:  لقد بحث الجنرال ديغول آنذاك ورأى أن الجيش الفرنسي هو الذي خطف المهدي بن بركة.
ومن الجدير بالذكر أنه قد اتهم (أوفقير) وزير داخلية المغرب آنذاك بأنه المخطط لعملية الاختطاف ومنفذ اغتيال هذا المناضل بيده، وقد حكم القضاء الفرنسي غيابيا بالسجن المؤبد على هذا الجنرال.
واليوم تعود قضية اختفاء المهدي بن بركة مجددا إلى ساحة الضوء بعد مبادرة الحكومة المغربية بعيد وفاة الملك الحسن الثاني إلى فتح ملفات المعتقلين والمختفين والمهجرين والمنفيين والتعويض لهم، حيث تم تشكيل لجنة خاصة بهذا الملف تحت اسم (هيئة الإنصاف والمصالحة) للبت في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب.
إضافة لذلك وافقت اللجنة الاستشارية للسرية المتعلقة بالأمن الوطني الفرنسي على رفع السرية عن المعلومات التي طلبها قاضي التحقيق الفرنسي المكلف بملف اختفاء المعارض المغربي بن بركة، وتبنت اللجنة في اجتماع لها رأيا يؤيد رفع السرية عن المعلومات التي طلبها القاضي (كنود شوكيه) المكلف التحقيق في الملف.
ومن الإنصاف أيضا أن نشير إلى الإسلاميين في المغرب يريدون فتح التحقيق بشكل موسع ليشمل عمليات اغتيال أخرى، حيث يتهمون المهدي بن بركة نفسه وأنصاره من اليساريين بتنفيذها في حق عدد من قيادتها قبيل اغتياله في فرنسا.
• نجل المهدي يشير إلى مصلحة إسرائيلية وراء اغتياله:
كان نشاط المهدي بن بركة يشكل خطرا على العديد من المصالح (النظام المغربي والمصالح الاستعمارية في إفريقيا ومصالح الاستعمار الجديد، ومصالح العنصرية في جنوب إفريقيا، ومصالح الإمبريالية الأمريكية، والمصالح الإسرائيلية، حيث كان أول من فضح التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا.
وقد اعتبر البشير بن بركة نجل المهدي أن جزءاً من الحقيقة موجود في الملفات الفرنسية وأجزاء أخرى في الأرشيف المغربي كما الأرشيف الأمريكي التي اعترف مسئولوها أنها تحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف صفحات عن المهدي بن بركة، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد أعلنت أن لديها 1846 ملفاً يتعلق بالمهدي بن بركة، ولكنها رفضت أن تأذن بنشر هذه الملفات متعللة بأسباب تتعلق بالأمن القومي؛ ومن ثم ظلت الأغلبية العظمى من هذه الملفات سرية منذ ذلك الحين. إضافة إلى الاستخبارات الإسرائيلية، في إشارة إلى تلاقي المصالح الأمريكية والإسرائيلية في التخلص من الزعيم المغربي الذي كان بصدد تشكيل التحالف الافرو ـ آسيوي في مواجهة الولايات المتحدة، والمد الإسرائيلي في القارة الأفريقية.
كما يذهب بعض المحللين أن كثيرا من القوى الدولية أرادت التخلص من المهدي بن بركة، فاشتركوا جميعا في تصفيته حتى يتم تدويل القضية، ولا يفصل فيها برأي قاطع يدين جهة بعينها.
ويؤكد الكاتب الفرنسي رينيه غاليسو أن اغتيال المهدي جاء ضمن مخططات منظمة لتصفية الكوادر السياسية في العالم؛ لتأصيل الرجعية السياسية؛ فيقول: "بات التخلّص من بن بركة مطلباً رئيساً في حملة القمع الدولية ضدّ التمرّد في العالم الثالث، في 19 يونيه 1965م، مع الانقلاب الذي أوصل العقيد هواري بومدين إلى السلطة، حُرم بن بركة ومشروع القارات الثلاث من دعم بن بلاّ.
وكذلك في 30 سبتمبر، خسر الرئيس سوكارنو عملياً سلطته في اندونيسيا، إحدى القواعد الأساسية للحركة. ومن اجل إدراك غائيّة الجريمة، يكفي استعراض سلسلة الاغتيالات السياسية والانقلابات التي هدفت، في المرحلة نفسها، إلى ترسيخ النظام الرجعيّ... في العام 1965م فقط، قُتل رئيس الوزراء الإيراني علي منصور (21 يناير) ومالكولم أكس (21 فبراير) وأحد زعماء المعارضة البرتغالية، مانويل دلجادو (24 أبريل)، ومساعد وزير دفاع غواتيمالا، أرنست مولينا (21 مايو). كما سيتمّ اغتيال غيفارا عام 1967م، ومارتن لوثر كينغ في العام التالي وأميلكار كابرال في العام 1973م.

• المهدي بن بركة في عيون معاصرية:
صدقت نبوءة أحد المحققين الفرنسيين في قضية اختطاف المهدي بن بركة واغتياله حين قال: "إن هذا الميت سيعيش طويلا"، وهو ما حدث بالفعل؛ فأربعون سنة مرت على رحيله لم تنس العالم هذا المناضل الكبير، الذي يقول عنه أحد معاصريه - الأستاذ كريم مروة:" كان بن بركة يدرك أن مهمة الحركات الثورية في هذه البلدان هي في أن تدرك بوعي تلك المخاطر، من خلال قراءة دقيقة ومعمقة لواقع بلدانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وقد رأى في هذا السياق من التحليل لوضع القارة الأفريقية، وللوضع الذي كان سائداً في العالم؛ أن على الحركة الوطنية والتقدمية في المغرب أن يعرفوا كيف يضعون خططهم لمواجهة تلك الأخطار.
أما صديقه محمد اليازغي فيقول عنه: " لم يكن الأخ المهدي فقط مناضلا وطنيا في معركة التحرير ضد الاستعمار، ولم يكن فقط من ألمع قادة الحركة الوطنية في معركة بناء مجتمع جديد يقوم على الديمقراطية والمساواة، ومحاربة التخلف والجهل في ظل دولة الحق والعدل والقانون في بلادنا، بل كان مناضلا وحدويا على مستوى المغرب العربي وعلى صعيد العالم العربي والعالم الثالث•"
أما الكاتب الفرنسي رينيه جاليسو؛ فيقول: "إنّ السبب العميق وراء اختطاف بن بركة واغتياله هو في هذه الانطلاقة الثورية لمؤتمر القارات الثلاث".




 

اطبع الموضوع  
Home