شخصية العدد

 

مي زيادة



مي زيادة
مولدها ونشأتها:
هي ماري إلياس زيادة، ولدت في مدينة (الناصرة) سنة 1886م، ونشأت في أسرة ذات علم وثقافة، فوالدها اللبناني الأصل، كان مدرساً في أحد المعاهد الحكومية، أما والدتها، فكانت هادئة ومحبة للقراءة، وهي التي اقترحت عليها أن تنحت من اسمها "ماري" توقيعاً جديداً منحوتاً من أول حرف وآخر حرف فيه، وهما الحرفان: م، ي، فأصبحت تعرف بهذا الاسم العربي الصميم "مي".
كانت وحيدة الأبوين، ولهذا، فقد بذل الاثنان معاً كل ما بوسعهما لتثقيفها، وتفجير مكامن مواهبها. تلقت تعليمها الأول في مدرسة الراهبات اليوسفيات في الناصرة، وفي هذه المدرسة تعلمت اللغتين العربية والفرنسية، ثم انتقلت مع أسرتها، وهي في سن الرابعة عشرة، إلى لبنان، حيث دخلت مدرسة الراهبات الأجنبيات في دير عين طورة، وهناك تمكنت من إتقان اللغة العربية، وعدد آخر من اللغات الأجنبية، مثل اللاتينية، والفرنسية، والإنجليزية، فضلاً عن إتقانها الموسيقى والغناء.
وبعد ذلك، انتقلت مع أسرتها سنة 1904م إلى (مصر)، حيث تولى والدها إدارة مجلة "المحروسة"، وفي أرض الكنانة، واصلت الدراسة والإطلاع، والتحقت بالجامعة المصرية، واتصلت بكبار أهل العلم والاستشراق، وعكفت على دراسة التاريخ والفلسفة، وعلم الأخلاق، وغيرها من العلوم العصرية، وتمكنت، في هذه الفترة، من إتقان اللغة الأسبانية، واللغة الإيطالية، واللغة الألمانية، بالإضافة إلى اللغات الأجنبية السابقة.
أنشأت، وهي في مصر، منتدى أدبياً كانت مجالسه تعقد كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع. وكان الأدباء، والمفكرون، والشعراء، ورجال السياسة يترددون على هذا المنتدى، للاستماع والاستمتاع بما كان يجري فيه من مناقشات، وحورات فكرية، وثقافية متنوعة، من أعلام من كان يحضر هذا المنتدى، أحمد لطفي السيد، وطه حسين، وخليل مطران، ويعقوب صروف، وإسماعيل صبري، ومصطفى صادق الرافعي، وولي الدين يكن، وأنطون الجميل، وغيرهم.
أحدثت كتاباتها الصحفية، والأدبية، وخطبها التي كانت تلقيها في المناسبات المتعددة، وترجماتها المختلفة، ولا سيما عن اللغة الفرنسية - أحدثت دوياً كبيراً في جميع الأوساط الفكرية والثقافية في لبنان ومصر، بل وفي العالم العربي، فلمع نجمها في سماء الغرب، ودنيا الأدب، وبدأت مقالاتها، وكتبها، وترجماتها تنشر بسرعة في كل مكان، وأصبح اسمها يتردد على كل شفة تعشق العربية وتقرأ بها.
ولكن الزمان، على ما يبدو، لا يعطي المرء كل ما يتمنى، فإلى جانب المجد والشهرة، التي حققتها لنفسها في العالم العربي، بفضل كتاباتها، فقد حرمت من نعمة السعادة وراحة البال التي ينشدها الإنسان في رحلة عمره، لقد توالت عليها المحن والمصائب من غير توقف، دون أن تدري تلك المحن والمصائب أنها تحل بنفس مرهفة حساسة لا تحتمل ما قدِّر لها أن تواجهه.
لقد توفي والدها سنة 1929م، وبعد ذلك بسنة، أي سنة 1930م، توفيت أمها، ثم كانت الفاجعة الكبرى عندما توفي جبران خليل جبران سنة 1931م، وهو الأديب الذي كانت ترتبط به، عن بعد، بعاطفة روحية سامية دفاقة، ثم تعاقبت عليها، بعد ذلك، الصدمات النفسية، فمن موت إلى موت، ومن ظلم الأقارب إلى تخلي الأصدقاء.
لقد حاولت معالجة وضعها المتدهور، ومداواة نفسها الحزينة، بالأسفار إلى أقطار أوربا المختلفة تارة، ومطالعة الكتب القديمة، ومناجاة الأرواح تارة أخرى، وعبثاً حاولت، فعادت، في نهاية المطاف إلى مصر هزيلة الجسم، والروح، والنفس، وقضت ما تبقى لها من أيام وحيدة، منعزلة، غارقة في بحار الألم والحزن.

ثقافتها وإبداعها الأدبي:
أتقنت إلى جانب اللغة العربية، عدداً كبيراً من اللغات الأجنبية، ولقد مكنها ذلك من الإطلاع على ثقافات أجنبية متعددة، مما أدى إلى صقل موهبتها، وتعميق تجربتها الفكرية والقافية. كما أن "الصالون الأدبي" أو "المنتدى الأدبي" الذي أنشأته في مصر، أتاح لها متابعة أحداث ما كان يصدر عن أدباء عصرها ومفكريهم من مؤلفات وإبداعات.
وإلى جانب ذلك، فقد كانت ذات موهبة أدبية فريدة، نمتها بالمطالعة، وشحذتها بالتحليل والمقارنة، وساعدها في ذلك، ذكاء حاد، وحيوية دفاقة، ونشاط لا يعرف الحد. وقد وهبها الله سبحانه وتعالى، ذوقاً فنياً مرهفاً، وعمقاً تفكيرياً ملحوظاًن وإحساساً أدبياً فياضاً.
وإن شئت فاطلع على ذل كالفيض الغامر من المؤلفات والرسائل، التي كتبتها، وتركتها، للأجيال خلفها، والتي تعد شاهد صدق على ثراء موهبتها، وحدة ذكائها، ورسوخ قدمها:

أولاً: التأليف:
لقد كتبت في أثناء رحلة عمرها، عدداً غير قليل من المؤلفات، منها:
- أزهار حلم: وهو ديوان شعر باللغة الفرنسية
- باحثة البادية: ألفته سنة 1920م، وفيه درست شخصية ملك حفني ناصف ونظريتها الاجتماعية، ولقد علّقت على تلك النظرية تعليقات جرئية وصريحة، كان لها أبعد الأصداء في العالم العربي، وفي تطوير حالة المرأة العربية.
- كلمات وإشارات: وهي مجموعة من الخطب الاجتماعية طبعت سنة 1922م، وفيها عالجت حالة البؤس والشقاء التي يعيش فيها اليتيم والفقير، ودعوات إلى مساعدتهما مساعدة فعالة.
- سوائح فتاة: جمعت في هذا الكتاب، الذي نشر سنة 1922م، بعض النظريات والآراء التي اقترحها عليها الأديب ولي الدين يكن.
- المساواة: وهو كتاب فريد من نوعه في اللغة العربية، درست فيه قضية الطبقية الاجتماعية وكيفية نشوئها، ثم عرضت الكثير من الحلول العملية.
- الصحائف: ظهر هذا الكتاب سنة 1924م، وهو يشتمل على مقدمة قيمة في النقد الأدبي، ثم على قسمين، خصصت أحدهما لصحائف بعض الأشخاص، وخصصت الآخر لرحلات السندباد البحري.
- بين الجزر والمد.
- ظلمة وأشعة.
ويشتمل هذا الكتابان الأخيران على مقالات أدبية، وفنية، وشعرية.

ثانياً الترجمة:
لقد قامت بترجمة عدد من المؤلفات الأجنبية إلى اللغة العربية، منها:
- ابتسامات ودموع: وهو مترجم عن اللغة الألمانية سنة 1911م.
- الحب في العذاب: وهو مترجم عن اللغة الإنجليزية سنة 1925م.
- رجوع الموجة: وهو مترجم عن اللغة الفرنسية سنة 1925م.

ثالثاً: المحاضرات والمقالات:
وهي تشمل عدداً كبيراً مما كتبت في الصحف والمجلات العربية المختلفة مثل "المحروسة" ، و"الزهور"، و"المقتطف"، و"الهلال"، وغيرها.

مكانتها الأدبية:
لعلها كانت من السيدات القلائل، بل الرجال القلائل، الذين استطاعوا أن يلفتوا، بأدبهم، وفنهم، وغزارة انتاجهم، أنظار الادباء والمفكرين على امتداد الساحة الثقافية العربية، فقد انشغل الناس بأدبها، وتزاحم الأدباء على باب صالونها الثقافي، وانتشرت مقالاتها وخطبها وكتبها في كل مكان. وشهد على ذلك كل من كان معاصراً لها، أو قارئاً لأدبها.

نهاية رحلة العمر:
لقد قطعت رحلة عمرها القصيرة وزعة بين القراءة والدرس، والتحصيل العلمي، والكتابة، والتأليف، كما أنها أمضت شوطاً من حياتها في التنقل والأسفار بين دول الشرق والغرب، ولكن مصر كانت عندها الوطن بعد الوطن الأولن والحب بعد كل حب، ففيها قضت ربيع العمر، وفيها وصلت إلى خريفه، وفيها تعلمت، وفيها علمت، التقت فيها بأهرامات الفراعنة، وفيها عاشت مع أهرامات العروبة النابضة، مع أحمد لطفي السيد، ومصطفى عبد الرازق، وطه حسين، والعقاد، والرافعي، والمازني، وغيرهم.
ولكن هذا النشاط الذي كان زادها وسلاحها، تعرض في كثير من الحالات إلى ضربات موجعة من غدر الزمان وأهله، ففقدت الصواب، واندفعت إلى العزلة والاعتزال، حتى أصيبت بالوساوس والهواجس، وقضت شطاً من أيامها الأخيرة في بعض المصحات العقلية، التي اعترفت بسلامة عقلها ونصاعته، ولكنها ظلت غارقة في الوحدة التي ألبستها الأحزان إلى أن لقيت أجلها المحتوم في مستشفى المعادي بالقاهرة، ودفنت حيث تحب، على ضفاف النيل في القاهرة.
لقد فجع العالم العربي وهزه المصاب بفقدها، فانطلق أقلام الكتاب والمفكرين للحديث عنها، عن مي زيادة الأديبة، والكاتبة، والصحفية، والخطيبة، وانطلقت حناجر الشعراء تؤبنها، وتذكر ما وجدته فيها من محاسن وما أنسته من خصال، حيث قال الشاعر خليل مطران في الحفل الذي أقيم لتأبينها:
نعمةٌ ماسخاً بها الدهــرُ حتى آب كالعهدِ سالباً وضَنيــنا
أيُّـهذا الثرى ظَفِرْتَ بحسـنٍ كان بالطُّهْرِ والعفافِ مصونا
لَهْفَ نفسي على حجىً عبقري كان ذُخْراً فصارَ كَنزاً دفيـناً
فعليكِ السلامُ ذكراكِ تحــيا وبرغمِ البِعـادِ لا تبعــدينا




 

اطبع الموضوع  
Home