شخصية العدد

 

إسماعيل شموط



لم يجد في طفولته الا شاطئ غزة كي يرسم عليه بعدما شردته النكبة عام 1948 من مسقط رأسه باللد، وفي القطاع كان يشتري الخبز ويبيعه، قبل ان ينتقل الى مخيم خان يونس عند أحد أصدقاء ابيه. وبعيدا عن مسقط رأسه او مخيمه الاول توفي الفنان الفلسطيني اسماعيل شموط احد اكثر من حمل القضية الفلسطينية بالريشة واللون وتنقل فيها بين عواصم ودول ليقول كلمته في المأساة والعطش والثورة والانتفاضة والنصر. ولد اسماعيل شموط في اللد عام 1930 وفي اللد التي يتذكرها جيدا أثرت فيه الطبيعة الجميلة للبساتين والبيارات، ليبدأ «خربشات» الطفل هناك، حتى بدأ يتلمس تطورات الاحداث فصار يرسم لفلسطين، ورسم الحاج امين الحسيني وقتها وقيادات اخرى.

شردته النكبة عام 1948 الى قطاع غزة، وتوفي اخوه اثناء الهجرة من شدة العطش، وكانت رحلة قال هو انها غيرت في مجرى حياته كلها، وبعد اعوام قليلة رسم لوحة «العطش». في القطاع عمل بائعا للحلوى، وكان يمشي زهاء 40 كم يومياً ويقول «مشيت قطاع غزة كله على رجليّ»، مر عام كامل لم يكن بمقدوري أن اشتري قلماً أو ورقة للرسم أو مجرد التفكير في ذلك. كنت أرسم على الرمل، وأذكر حادثة وقوعي في حقل ألغام مع أخي الصغير والعناية الالهية وحدها التي نجتنا.

في عام 1949 تطوع للعمل في مدارس (الكويكرز) وكان قد أنهى الصف السابع الابتدائي، وأهداه وقت ذاك مدير المدرسة دفتراً (14 ورقة) وقلما رصاصا فرسم.

ويقول «رسمت كل شيء حولي: المخيم، وتسلم الخبز، وحياة الناس، كنت في الصباح معلماً وفي المساء بائع حلاوة. ثم نظمت في عام 1950 معرضاً على طاولة (تنس) رعاه مسؤول التعليم المصري في غزة وكان عسكرياً، والمفتش الفلسطيني. وبعت لوحة بعشرة جنيهات كانت عدتي للسفر إلى القاهرة، والتحقت في القسم الحر بعد اختبار جدارة، لأكون الطالب الفلسطيني الأول الذي يدرس الفن».

عمل في استوديو للاعلانات السينمائية وتلقى بعد ذلك عام 1953 اول اجر يتقاضاه عن الرسم في حياته، وكان 30 جنيها قرر بعدها ان يمتهن الفن لكنه ظل يردد لهم وهو طالب انه «لا يرسم موديلا، انه يرسم اوجاعه».

بعد عام افتتح معرضا حضره الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وياسر عرفات رئيس اتحاد طلبة فلسطين، وفيه تعرف الى شريكة حياته بعد ذلك الفنانة تمام الاكحل وباشر بيع بعض لوحاته ليشتري لها خاتم الارتباط. في ذات العام سافر الى روما وحصل على منحة سنتين لدراسة الفن، وكان يردد «في مصر تعلمت كيف أرسم، وفي روما بدأت أتعرف على مدارس الفن. لم تغرني أية مدرسة، وبقيت مؤمنا أن أسلوبي هو الذي يُمكّنني من التعبير عن حقيقة ما أشعر به».

عاد عام 1956 ليتزوج من تمام التي شاركته كثيرا في معارضه ورسمت معه طيلة حياته الفنية التي يقسمها الراحل الى مراحل متعددة.

المرحلة الأولى في الخمسينات: مرحلة تداعيات المأساة، وهي مرحلة اعتمدت الأسلوب الواقعي البسيط، من لوحاتها: «إلى أين؟»، و«سنعود» و«بداية المأساة». المرحلة الثانية في الستينات: وهي مرحلة انطلاق الفلسطيني من حالة الحزن إلى حالة التحفز، من لوحاتها: «عروسان على الحدود» و«حتى الفجر» و«رقصة النصر» حيث تألقت الألوان في اللوحة، وأصبح الأسلوب تعبيريًّا رمزيًّا، إضافة إلى واقعيتها.

المرحلة الثالثة في أواسط الستينات: وهي مرحلة المقاومة الفلسطينية المسلحة، وما أشاعته من أجواء جديدة مليئة بالأمل والفرح والحركة، ومن لوحاتها: «مغناة فلسطين» و«اليد الخضراء» و«الحياة المستمرة» وفي هذه المرحلة تجلت الحركة والتناغم اللوني والخطي.

المرحلة الرابعة في أواسط السبعينات: وهي التي شهدت مأساة المخيمات «تل الزعتر وجسر الباشا» والعدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في لبنان، ولوحاتي في هذه المرحلة عادت لتتناول موضوع الحزن مرة أخرى، لكن مع بعض العنف، باستعمال الألوان الحادة في مجموعة «تل الزعتر»، والتي رسمتها بالألوان المائية في ظروف صحية معينة، وقد ظهر عنصر جديد في لوحاتي هو عفوية التعبير وغياب بعض عناصر الواقعية.

المرحلة الخامسة: وهي مرحلة غلب عليها الاتجاه الرومانسي ـ وكنت قد انتقلت للعيش في الكويت بعد أكثر من عشرين عاما عشتها في بيروت ـ وحلمت بانتفاضة الحجر، وعبرت عن ذلك بلوحتين أنتجتهما عام 1984 (قبل الانتفاضة الأولى التي تفجرت عام 1987). وطيلة حياته تنقل الفنان اسماعيل شموط بين بلدان عربية واجنبية وتقلد مناصب وجوائز هامة.

في عام 1969 انتخب أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين. 1971 انتخب أول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب. 1957 ـ 1995 اصدر عددا من المؤلفات والكتابات الفنية والثقافية والتراثية. 1953 ـ 1998 أقام معارض شخصية (معظمها بمشاركة زوجته الفنانة تمام الأكحل) في معظم البلاد العربية وفي عدد كبير من بلاد العالم. وكان اول من حصل على درع الثورة للفنون والآداب عام 1973، وعلى وسام القدس وعلى جائزة فلسطين للفنون اضافة الى جوائز عربية ودولية عديدة.

وعام 2000 نظم مع زوجته في عواصم عربية واجنبية عدة معارض ما يمكن ان يلخص مسيرته تحت عنوان «فلسطين السيرة والمسيرة» وفي معرض كتب على لوحاته انها «لا تباع ولا تشترى» وقال انه معرض سيستمر بالتنقل حتى القدس، وعلى لوحته الشهيرة «تحية للشهداء» علق يقول: أين هم الرجال؟

استشهدوا وصاروا في القبور أين هي القبور؟

نبتت عليها الأزهار أين هي الأزهار؟

جاءت الصبايا وقطفن الأزهار

إعداد: كفاح زيون




 

اطبع الموضوع  
Home