شخصية العدد

 

ناجي العلي



ناجي العلي

ولد ناجي سليم حسين العلي عام 1936 في قرية الشجرة شمال فلسطين، وبعد نكبة 1948 دُمرت قريته تماماً، وهجّر مع عائلته الى جنوب لبنان، أقاموا في خيمة ثم انتقلوا إلى مخيم عين الحلوة بجوار صيدا، عاش حياة المخيمات المريرة مع إخوته، وسافر إلى طرابلس ليدرس فيها وينال الشهادة في الميكانيك، مما منحه فرصة العمل في الورشات الصناعية. بعد إقامة لمدة سنتين في السعودية عاد عام 1957 إلى لبنان وقد بدأ يتفتح وعيه، وتتحدد خياراته السياسية، وبسبب المد القومي في تلك الحقبة وجد نفسه ينتمي إلى حركة القوميين العرب، حياة التهجير والتشرد وذل المخيمات ستترك بصماتها التي لن تُنسى على حياته وفنه.
درس لمدة ستة أشهر في الأكاديمية اللبنانية، وتركها بسبب حاجته للعمل، وانشغاله بالعمل السياسي، مقرراً أنه : "سيكرس نفسه للفن التشكيلي .. بعد تحرير فلسطين " !!! .. درس فيما بعد في الكلية الجعفرية ثلاث سنوات في صيدا، غير أنه كان دائم التردد على السجون بحكم نشاطه السياسي.
لقاء عابر في أول الستينيات مع الكاتب غسان كنفاني غيّر مجرى حياته. فلقد أطلعه على عدد من رسومه. فتلمس كنفاني موهبته وحماسته فنشر له رسماً في مجلة "الحرية" يمثل خيمة على شكل بركان، ستشكل له تلك اللحظة النقلة الأهم في حياته وتعاطيه مع قصة الرسم.
بعد عامين من ذاك الحادث يسافر إلى الكويت ويعمل في مجلة "الطليعة" رساماً ومخرجاً وكاتباً، كان ذلك بداية عمله رساما محترفا، راح ينشر رسومه بتواتر متزايد إلى أن انتقل عام 1968 إلى جريدة "السياسة" الكويتية، وبقي فيها رسام كاريكاتير حتى عام 1975 عندما عرض عليه العمل في جريدة "السفير" اللبنانية في وقت كان الانقسام السياسي في لبنان قد بلغ مبلغه، وراحت رهانات القوى اللبنانية تفرز بحد السكين القوى السياسية والاجتماعية، وتترك ظلالها القوية على كل وسائل الإعلام، في هذه التربة يجد ناجي منبره المثالي حيث لا حسابات وسطية، فالعالم السياسي حوله مقسوم إلى أبيض وأسود.
عام 1977 أصبح يعمل لصحيفة "السياسة" الكويتية إضافة إلى "السفير" حتى عام 1982 في هذه الحقبة كانت رسومه تمس كل الأطراف، من الأعداء المعلنين: إسرائيل وأمريكا، إلى قائمة دول الاستبداد العربية إلى كل أعداء العرب وفلسطين، فرسم عن الديموقراطية، والبترول، والمخيمات، والفقر، والمعتقلين السياسيين، والخلافات العربية، والخلافات الفلسطينية، والتنازلات المعلنة والمضمرة، وكانت في كل ذلك نجمة الصبح لها اسم واحد: فلسطين.
بعد أن مرّر فترة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وهو ينتقل في ظل الخطر الدائم بين بيروت وصيدا حيث تسكن عائلته. بين عامي 1982 و 1985 يغادر إلى الكويت ويعمل مع صحيفة "القبس" حيث ينشر فيها مجموعة من أقسى الرسوم النقدية عن القيادات الفلسطينية الأمر الذي أجبره مجدداً على مغادرة الكويت بسبب الضغوط الفلسطينية إلى لندن ليعمل في "القبس الدولي" خلال ذلك بقي وفياً بصرامة نادرة لخطه السياسي النقدي الذي لا يقبل المساومة ولا المناورة. ظلّ يهاجم كل من يبتعد خطوة عن فلسطين الوطن والمعاناة والحلم، من الأنظمة العربية إلى القوى الفلسطينية نفسها.
بين عام 1985 و1987 لم تعد خارطة فلسطين السياسية هي نفسها خارطة الخمسينيات والستينيات، ولم تعد خارطة لبنان الحرب الأهلية هي نفسها. تغيّر العالم، انتصر أعداء فلسطين، أبعدت منظمة التحرير إلى تونس، انتصرت الأنظمة على المجتمعات. هُزمت القوى والأفكار التي سادت جيل ناجي، غير أنه هو نفسه لم يهزم، بقي يقاوم متمترساً خلف النقاء السياسي السابق نفسه. وهذا وسّع خارطة خصومه، فالأعداء بالنسبة له هم أيضاً أولئك الذين يعيدون الحسابات أو يميلون الى المساومات من أهل البيت الفلسطيني .. هكذا وجد نفسه في السنوات العشر الأخيرة من حياته يتناول بالنقد المفرط وأصحاب الكروش والموسومين بأرقام القرارات الدولية (242-238) حول فلسطين وتقاسمها. والحقيقة أنه في ذلك كان متجاوباً مع الإحساس العربي العام بالظلم والغضب لما آلت إليه القضية الفلسطينية، بل إن تراكم الهزائم رفع – أكثر من السابق – إرادة التحدي والمقاومة. رسوم ناجي أضحت مليئة بكشف تنازلات القادة الفلسطينيين، بل أصبحوا موضوع رسومه الأساس ومحط استنفار موهبته إلى أن جاءته رصاصة لندن في 22 يوليو 1987 ليدخل بعدها في غيبوبة طويلة إلى أن فارق الحياة في 29 أغسطس من العام نفسه

 




 

اطبع الموضوع  
Home