شخصية العدد

 

د. أمين مجج رائد طب الأطفال والبحث العلمي في فلسطين





أمين مجج رائد طب الأطفال والبحث العلمي في فلسطين/.ذاكرة للمستقبل.

بقلم: د. أنور دودين: عميد كلية الطب البشري
في جامعة النجاح الوطنية بنابلس

لقد عرفته قبل أن أراه من خلال بحث لأحد المستشرقين المهتمين بالأردن الحديث ، وتطور الصحة فيه حيث يحتل د. أمين مجج النصيب الأكبر من الحديث .
كان لقاؤنا الأول في الخامس من شباط عام 1985 حيث بدأت بالعمل معه في قسم الأطفال في مستشفى المقاصد بالقدس ، وبمرور الزمن والعودة للذكريات أستطيع رؤية عدد من الأخطاء الدبلوماسية التي ارتكبها القادم الجديد مع ذلك الديبلوماسي العظيم والمرهف الذوق والذي أثار هذه الأخطاء ليعلمني الجديد.
مع مرور الوقت..إتضح لي أن هذه الصفة وهي الذوق الرفيع في إدارة أخطاء مساعديه بتحويلها إلى عبرة عمل وعلم وحياة صفة ملازمة ورئيسية فيه... حقا إنه قائد الفريق وبجدارة .
كان العمل اليومي يأخذ جانيا مهما من الوقت الذي يمضيه أمين معنا ومن خلاله يقدم لنا خبرته الضخمة في التعامل مع المشاكل المعقدة وتحويلها إلى مسائل بسيطة وواضحة.ولكن قدرته على تبسيط الأمور للأمهات مهما كان مستواهن الثقافي بكلمات قليلة واضحة ومقنعة كانت أجمل ما حاولنا تعلمه منه ولكنها ملكة بقيت في كثير من الأحيان صعبة التقليد . كان العمل اليومي مدرسة تضع الطفل في مكانها المحترم ينادى باسمه ويسعى لمشاركته ما أمكن في الحديث الدائر حوله، وتعلمنا أن نعطي لحديث الأم أقصى الأهمية مهما بدت ملاحظتها غريبة عن منطق العلم المجرد ،والمنطق الصوري الذي يستخدمه الطبيب في مقتبل ممارساته العلمية. الشعور بالوقت والتقيد به واحترام الآخر من خلال احترام وقته كان صفة – غير محلية- يتمتع بها أمين مع إشعاره لكل معاونيه أنه دائما تحت تصرفهم كما كانت العودة إلى المصادر العلمية وبطريقة منفتحة نحو آراء الجميع تشعرك دائما أنه يتعلم منك في الوقت الذي يقدم لك فيه المعرفة، صفة نادرة في ذلك المعلم العظيم .
بمرور الوقت ، وبعد عدة محاولات فاشلة أفلحت في مرافقة أبي صالح إلى مستشفى المطلع لكي أشاهد مختبر أبحاثه الذي طالما سمعت عنه . من مكتبه الصغير هناك أخذ بعض المفاتيح وصعد معي إلى الطابق العلوي ، لحظات من الصمت يتخللها صرير المفتاح القديم في الباب الصغير لأجد نفسي أمام أمين جديد أعرفه لأول مرة، أشرقت عيناه بإشعاع دافئ كطفل وبدا كأنه عاد ثلاثين عاما إلى الوراء وبدأ يتحدث بكل وجدانه عن المختبر، بداياته وتطوره ومن عمل معه وكيف أصبح بعضهم علماء في جامعات المهجر ، وعن الأطباء والعلماء الذين زاروه وما تبادل معهم من آراء وم ينس أحدا من معاونيه الصغار ، وأخذ يرسم صورا حية للجميع ، وكأنهم بيننا في أماكنهم منكبين على العمل ،كانت الكلمات تعيد المكان إلى عظمته وتضفي إلى حزنه جلال ملحمة إغريقية هي لحظة من لحظات القدس ومأساتها.
كنت أستمع مشدوها وأنا أنظر إلى أكوام الأوراق والكتب والأجهزة التي بدت وكأنها توقفت فجأة بموتٍ مباغت وقد علاها الغبار وأثار المطر المتسرب من السطح.
هناك أيضا آثار حريق وتحطيم لسطح المبنى نتيجة لقصف المستشفى من قبل قوات الاحتلال خلال حرب 1967 .
صوت أمين ما زال هناك ، وبدأت بمسيرة السنين التي يسردها تطفو على وجهه إشارات الحزن لتحقق ذلك المزيج الغريب من تواتر الفرحة في الحديث عن الماضي لتلاميذه والألم من واقع اللحظة.
تنتهي الزيارة ويتجه بي أمين إلى حيث موقع الأورغ في كنيسة المستشفى ويبدأ بالعزف للحظات تكفي لإعادتنا إلى الحاضر والعمل بعد التسلل إلى الماضي المشرق والمؤلم.
دار الحديث بيننا بعد ذلك حول رغبتي في الكتابة عن هذه الحقبة وإنجازاتها كضرورة للمستقبل فهي ملك للأجيال القادمة لكن أمين أجابني بدعابة أن ذلك أصبح من الماضي وأن الحياة كالأطفال تنظر إلى الأمام فقط .وقد شعرت يومها بمأساة أمين وهذا الانفصام المؤمن الذي أصابته به الحرب والاحتلال في معقل روحه واهتماماته، في ولعه بالبحث وحبه لمهنته وللقدس . وعانى أمين من ذلك طيلة أيامه حتى آخر لحظاته. لقد كان الاحتلال ألما شخصيا خاصا له فوق كونه معاناة يومية جماعية لم تنقطع.

ملاحظات أولية حول الإنجازات العلمية للدكتور أمين مجج.
يعتبر أمين مجج من بين أولئك الأطباء الذين تعاملوا مع الطب كمهنة وكحياة ومصدر إلهام دائم بالإضافة إلى اهتماماته الاجتماعية والموسيقية والسياسية . كان شخصية متميزة تملأ مكانها الاجتماعي والوطني والمهني. وفي ممارسته للطب تمكن من العمل بشكل يجعل الممارسة اليومية متصلة بالبحث وهي صفة عالمية لهذا العلم والفن الرفيع، فليس هنالك حدود بين العمل اليومي الجاد بكل صفاته الإنسانية من رفع للمعاناة والبحث العلمي الرصين والتعلم الدائم لنقل المعرفة للآخرين ويمكن تلخيص أهم منجزاته في المجال العلمي بالنقاط التالية:
أولا: تأسيس مدرسة طب الأطفال في فلسطين:
بدأ اهتمام أمين مجج بهذا الفرع من الطب منذ الخمسينيات أي في وقتٍ ليس ببعيد عن بدايات مدارس طب الأطفال في المنطقة. وكرس نفسه لهذا التخصص في وقتٍ كان الكثيرون يعتبرونه فرعا صغيرا وغير متميز عن الطب العام . ولا يعتبر أمين مجج رائدا فقط لكونه أول طبيب أطفال في البلاد ولكن لإضافاته المنهجية في ممارسة هذا التخصص نفسه.فقد عمل على تأسيس معظم أقسام الأطفال في حينه ووضع معايير علمية وعملية متفقة مع الواقع المحلي من خلال عمله. ولم يكن مجرد اختصاصي قادم من الخارج بل مساهما في وضع اللبنات الأساسية في إيجاد الممارسة المحلية وإنتاج المعرفة وتداولها محليا.
استطاع أمين مجج تنظيم مؤتمر طب الأطفال لدول البحر الأبيض المتوسط في القدس في أواسط الستينيات ويعد ذلك تقديرا واعترافا من الهيئات الشبيهة في العالم بدوره الرائد .
ثانياً : الأبحاث العلمية والدراسات:
بدأ أمين مجج نشر الأبحاث السريرية والمتعلقة بطب الأطفال منذ أواسط الخمسينيات في دوريات الجمعيات المصرية واللبنانية وقام بنشر العديد من الأبحاث مع فريقه وبعضها بمشاركات دولية في الدوريات العالمية ، وكان آخر بحثٍ نشر له في عام 1968 .
وبالنظر إلى هذه الأبحاث يمكن الخروج بالملاحظات التالية:
1- ارتبطت هذه الأبحاث بالظروف الموضوعية لجمهور الأطفال الفلسطينيين ، والذي كان يعاني في سنوات الخمسين بعد النكبة وخاصة في المخيمات من سوء التغذية وأمراض فقر الدم، مما يعبر عن الارتباط الشديد لهذا الباحث بظروف مجتمعه ، ويضفي عليه صفة المؤسس في طريقته ومدرسته.
2- قادت هذه الأبحاث إلى متابعة البحث العلمي الأساسي في مجالات غير مطروقة في حينه أهمها دور فيتامين هاء في فقر الدم مما كان له تداعيات متتالية حول دور هذه المادة في مختلف أفرع الطب، وما زالت مجال بحث حتى الآن.
كما كان له مساهمة في دور مادة الكرومين في التمثيل الغذائي للسكر وسوء التغذية .
3- أدت هذه الأبحاث وبطرق منهجي منظم مترافقة برغبة شديدة لدى الباحث في الدقة والبعد عن التقريب إلى إدخال تقنيات مخبرية متطورة جدا في حينه إلى البلاد من بينها أولى الاستخدامات للنظائر المشعة في التشخيص والعلاج.
ومن هنا نرى تلك الصفات الفذة لهذا العالم الذي استطاع في ظروف صعبة وإمكانيات قليلة الإسهام في الإنتاج العلمي والمعرفي على مستوى مشهود من خلال ربط الطب بواقعه المحلي وهمومه والوصول بالبحث إلى آفاقه الرحبة والأساسية.

ثالثا: الأخلاقيات المهنية:
عاش أمين مجج حياته وعصره طولا وعرضا وشغل في وقت مبكر الكثير من المناصب الرفيعة كوزير وعضو ثم رئيسا لأمانة القدس وقدم الخدمة الاجتماعية والمهنية بشكل نظيف وعالي في كل المناصب التي شغلها. وترفع وبذوقٍ رفيع أن يمد يده لقاهري شعبه في كل الظروف . تعامل مع زملائه بمنتهى الأخلاق العالية . في ظروفنا الصعبة والمعقدة من العسير أن يتعرض الإنسان لمثل هذا الكم من الحياة العامة ويبقى بإجماع من عرفوه مثال الاستقامة.
كانت مهنيته العالية كطبيب نبراسا أخلاقيا دائما في كل تصرفاته ولم يستطع أن يقبل أو لا يقبل ، ولم تكن مهنيته وكونه إنسان شيء قابل للتفاوض .كان يعرف كيف ينسحب بهدوء وحزم عندما لا يروق له شيء ، ولا يستطيع تغييره . وأعطى لنا مثالا رائدا وعظيما في كيفية أن نكون أطباء محترمين.
في سيرته كان يذكرني بالمعلم العالم ابن سينا الذي عاش عصره طبا وعلما وسياسة حتى الرمق الأخير ولكن قيل عنه دائما أنه لم يطأطئ رأسه لأمير .
نستطيع أن نفخر بأن لنا معلم معاصر ومؤسس مدرسة من هذا الطراز العظيم ويمكننا أن نعيد فيه نفس المقولة علها تكون لنا شعارا: خالد أمين مجج في تاريخ الطب الفلسطيني رفع راية المهنية الحقة ولم يطأطئ رأسه لأمير.
د. أنور دودين
أخصائي ورئيس قسم الأطفال في مستشفى المقاصد- القدس (1985-1997).
رئيس قسم الأطفال-مستشفى المطلع- القدس (2000-2004).




 

اطبع الموضوع  
Home