خاطرة

 

ربما نلتقي غدا

رائد الشيوخي



ربما نلتقي غدا

 

 

     ودعتني بكسل وقالت: "ربما نلتقي غدا"  ... ربما؟!   آه يا غدا كم أنت بعيد ، أبعد غد صادفني في حياتي ، آه لو كانت كل الأيام اليوم ، الأمس اليوم ، واليوم اليوم، وغدا اليوم وكلّ يوم ....

     أنا وقهوتي وحبيبتي روائح ثلاث امتزجت في واحدة ، فرائحة القهوة توقظني ورائحة الحبيبة تسعدني وانا بين هذه وتلك محاصر ، فقهوتي  أشربها وحبيبتي تشربني، حبيبتي تلتهمني ، تتسلل الى كل ركن من جسدي ، الى كل زاوية من روحي ، تملكني ، تحكمني ، تتحكمني دون رادع ودونما وازع من ضمير.

     يا ملهمتي ، يا بصمة العشق على شفتي ، يا معركتي ، أنا المحارب الذي اعتاد غزو النساء منذ عصور ، ألحبّ والعشق أسلحتي ، والقدّ المائس وشَعر الحوريات أشرعتي ، وحرفان هما كلمة السرّ التي كانت تتفتح أمامها كل ضمائر التأنيث .  قد كانت تتفتح أمامها أزهارا خجلة من ندى الحب حين يتساقط  رذاذا على الخد العطش قبلا وخجلا ...

     ورأيتني وأنا أحترق’ منتظرا ، ماذا جرى؟  أمعقول هذا الذي يحدث لي؟  هل اليوم غدا؟!  أم هو الأمس لا زال منتظرا على أعتاب غدي؟  ما الذي يجري؟ هل أضعت’ في غمار الحب بوصلتي ؟  هل فقدت’ أسلحتي ، هل أسقطت’ أشرعتي ؟  يا أشرعتي لبّي ندائي ، فالوقت يمضي وانا أذوي على مقعدي وحدي ، كفراشة أضاعت في درب الهوى شعلتها تحلم بالنور القادم من المجهول ، تحلم بالوعد الآتي من بعيد ، كيوم عيد ...

     وأتت ... أقسم بالذي ثبّت هذا القلب بين الضلوع أتت ، أتت وكلّ شيء توقف إلا غدا، كان يهرول نحوي مشرقا مشبعا بالحنين ، أتت ... أقسم بالتي انخلع لإشراقتها فؤادي أتت وكانت تهرول نحو أمسي ترسم على جسدي خارطة السنين .  أتت ، ولا زلت غير مصدق أنها أتت حتى غنّت أناملي من كفها الرقيق ، حفرت بعينيها بين عينيّ طريق ... وملكتني ، ثم أعتقتني ثم تملكتني ثم أعدمتني على أعواد أهدابها ، أعدمتني وأنا المذنب والبريء ...

     يا رب ، ما أجمل الموت في حضرة النساء ! ، ما أبلغ الصمت حين تتكلم’ العيون، فأجمل الكلمات هي تلك التي نقولها من غير كلام ، وأجمل التحيات تحية الإبتسام.

     ... وجلسنا ، ومشينا ، وضحكنا وبكينا ، وأسبغ اللـه علينا نعمة الكلام من غير كلام ونعمة النصر لحظة الإستسلام ... مسكين يا من لم تذق طعم العشق يوما وحلاوة الموت في مقابر العاشقين.  ... ومضى الوقت ، ولعنة اللـه على الوقت حين يمضي ونحن نستجديه أن يمكث بيننا وقتا آخر .  لكنه مضى ، وانقضى وافترق الذي نحن فيه ملتقيان .  وعادت لتودعني بكسل: "ربما نلتقي غدا" ...،  وعدت إلى مقعدي أحترق من جديد ، آه يا غدا كم أنت بعيد ،  فأبعد غد صادفني في حياتي غدا .

 

 

 

                                         رائـــد الشـــيوخي

                                        20/10/2005




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home