القلم النقدي

 

علاء الأسواني وروايته التي أثارت ضجة

أحمد الخميسي



 

 

علاء الأسواني وروايته التي أثارت ضجة   

 

أحمد الخميسي

 

حين صدرت رواية " عمارة يعقوبيان " لعلاء الأسواني ، لم أكن قد تعرفت به شخصيا . لكن الرواية أثارت في نفسي ما أثارته في نفوس الكثيرين من ذهول وإعجاب بقدرة الكاتب الفنية ، وعودته بالرواية المصرية إلي اتجاهها الاجتماعي الذي ازدهرت بفضله . وقد كتبت عن الرواية عند صدورها ، إلا أن إعادة طبع الرواية للمرة الثامنة ( وهي حالة نادرة ) ، ثم ذلك النقاش الذي ما زال يدور بشأنها هنا وهناك يوحي بضرورة الكتابة من جديد ، ليس بسبب الرواج الذي لاقته ولكن لأن الأسئلة التي طرحت عند ظهور الرواية ، سرعان ما اختلفت وتغيرت ، بحيث وجدنا أنفسنا في مواجهة قضايا أخرى في أمس الحاجة للنقاش . في البداية كان السؤال: ما هي هذه الرواية ؟ وحين صادفت الرواية ذلك النجاح أصبح السؤال : لماذا هذه الرواية ؟ في البداية كان السؤال يتعلق بماهية الطبيعة الفنية للعمل ، والهموم الاجتماعية والإنسانية التي يحملها ، وشكله الأدبي ، ولغته ، ثم أصبح : ما هي الأسباب التي جعلت الكثيرين – من مختلف مستويات التلقي والتذوق- يتلقفون هذا العمل تحديدا بكل ذلك الإعجاب والحماس ؟ . هل أقول إن رائحة الغيرة الأدبية كانت تنبعث هنا وهناك من هذا السؤال ؟ ربما ، لكننا إذا تجاوزنا هذه الغيرة التي لا يخلو منها تاريخ الأدب أوروبيا أو شرقيا ، سنجد أن المسألة تنطوي على سؤال أشمل : ما الذي يجعل العمل الأدبي ناجحا ؟ ولماذا ينجح عمل ويفشل آخر ؟ وبالتالي فإن الموضوع يمس في واقع الأمر شروط العمل الإبداعي وعلاقته بالمجتمع بشكل مباشر .  

  وكان أسخف ما تردد في تفسير نجاح " عمارة يعقوبيان " القول بأن كاتبها علاء الأسواني يتقن فن الترويج لعمله بفضل علاقاته العامة الطيبة ! لكن أليس هذا هو علاء الأسواني نفسه الذي نشر من قبل مجموعتين قصصيتين فلم تحدثا أية ضجة ؟ أم أن قدرات الأسواني وتأثير علاقاته العامة لا يتجلى إلا في عالم الرواية ؟! ولنقل أيضا إن هناك عشرات الكتاب ممن يشغلون مواقع هامة في هيئات ثقافية رسمية ولهم جميعا قدرات مذهلة على نسج العلاقات من الهواء ، لكن أعمالهم لم تثر تلك الضجة ؟ بل إن الأسواني – خلافا لأولئك – ينتمي بقلمه إلي معسكر المعارضة الثقافية والسياسية التي تضيق الدولة الخناق عليها ؟ وقد قفز الأسواني بروايته - بالرغم من وضعه وليس بفضله - إلي أوسع دائرة من الضوء والقراء . 

علينا إذن أن نبحث عن أسباب نجاح الرواية في منطقة أخرى تتصل بطبيعة العمل الأدبي ، وإمكانيات الكاتب الإبداعية ، والظروف الاجتماعية التي صدر فيها العمل ، وموضوع " العلاقة بين الأدب والمجتمع " عامة .

وبداية لابد من الإشارة إلي أن " عمارة يعقوبيان " ظهرت في مواجهة تيار أدبي وفكري واسع الانتشار ، يعتمد على منظومة فكرية وفلسفية متكاملة تعتبر أولا أن حرية الإنسان هي حرية فردية لا تشتبك في مصيرها بحرية الآخرين ، وأن دور الأديب هو التعبير عن " الذات " ، وأن الشكل هو في أغلب الأحوال حالة منشودة بحد ذاتها ، وأن تحويل الأدب والفن إلي وسيلة لبلوغ أهداف أخرى امتهان للإبداع وأن عصر " القضايا الكبرى " قد ولى وغرب سواء أكانت تلك القضايا هي حرية الوطن ، أو هموم الجموع الغفيرة من أبنائه ، أما الشخصية الإنسانية والواقع فإنه مجرد حالة من التشظى لا يجمعها قانون عام ، وخلال ذلك لم يعد الواقع الاجتماعي موضوعا مغريا بالمعالجة الروائية . وقد أدى هذا كما يقول الكاتب الأمريكي فيليب روث إلي : " خسارة أو فقدان الموضوع ، وبمعنى آخر الانسحاب التطوعي للروائي من الاهتمام بالظواهر الاجتماعية والسياسية الكبرى في عصرنا " ، وبلغ الأمر مداه حينما أصبح الشكل والأسلوب في أحيان كثيرة مجرد محاولة لبلبلة القارئ ، ووضعه عند حده في مواجهة كاتب لا يجد غضاضة في التصريح بأنه يكتب للقلة المختارة ! وخلال ذلك ، ظهرت فجأة عمارة يعقوبيان ، في لحظة كانت الرواية المصرية فيها قد تشبعت بالشخصيات التي تنجرف دون أية مقاومة إلي تيار الحياة دون مشروع اجتماعي أو فكري ، وأحيانا من دون حتى مجرد الاحتجاج الباطني ، أو الغضب ، أو الأمل في تفسير الواقع وتجاوزه . شخصيات معزولة ، وهامشية ، فاعليتها الوحيدة – على أكثر تقدير –هي الرصد السلبي لما يدور حولها بنظرة مستسلمة ، من دون اشتباك مع الواقع ، اللهم إلا بالخيال فحسب . ظهرت رواية الأسواني بعد أن غابت عن الرواية الشخصيات التي تكثف عمليات الصراع الاجتماعي ، كما هي الحال في شخصية " محجوب عبد الدايم " في رائعة نجيب محفوظ " القاهرة الجديدة " ، أو في شخصية " إسماعيل " في قنديل أم هاشم ليحيي حقي ، وغيرها . ظهرت " يعقوبيان " بعد أن اعتبرت غالبية الروائيين أن مهمتهم الأولى هي " تجديد الشكل الفني " واستخدام أقصى ما لديهم من وسائل لإدهاش القارئ ، ونسخ مختلف حيل الرواية الفنية الحديثة ، دون أن ينتبهوا إلي أن الحقيقة هي أكثر الأشياء قدرة على الإبهار ، الحقيقة بمختلف جوانبها الاجتماعية والسياسية والإنسانية ، ولا إلي أن البحث عن أشكال جديدة لابد أن يكون استجابة لظهور مواضيع جديدة وعلاقات جديدة ، وليس مجرد نسخ للحيل الفنية في روايات ظهرت في مجتمعات وظروف مختلفة . وأصبح اللهاث وراء الشكل ، والتركيز على الشكل ، تعبيرا عن تنافر عميق مع البيئة الاجتماعية  وليس تعبيرا عن حقيقة تمس حياة الناس بشكل جوهري . ظهرت عمارة يعقوبيان لتعيد طرح حياة صغار الناس في العمارة التي أصبحت رمزا للحراك الاجتماعي في مصر منذ الملك مرورا بعبد الناصر وانتهاء بعصرنا من منظور العلاقة بين قمم جبال الثروة وسفوح البؤس الاجتماعي ، هناك العلاقة المتوحشة بين الحاج عزام المليونير وبين سعاد جابر التي يتم إجبارها على الإجهاض ، وهناك بثينة الفقيرة التي تبيع نفسها بعشرة جنيهات ، وهناك زكي الدسوقي الذي يجد نفسه في مواجهة جشع أخته الوحيدة ، وهناك أيضا عذاب طه الشاذلي الذي لم يمنحه المجتمع فرصة لاستكمال تعليمه ، وهناك إدانة واضحة لكل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي والظلم الاجتماعي ، وثمة شوق مستمر إلي العدل بين أشجار تلك الغابة المتوحشة وظلمتها . وبكل ذلك أيقظت الرواية الرابطة الحية بين الأدب والمجتمع ، الرابطة التي كان لها الفضل دائما في حياة الأدب الطويلة . لكن البعض اعتبر أن الرواية " كتبت بشكل كلاسيكي ، وبأسلوب بسيط ". وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة قضية " الاهتمام بالشكل " ، علما بأن الأشكال الروائية متعددة ، وعلما بأن : " الوقائع المختلفة التي تعالجها الروايات تستلزم أشكالا مختلفة من السرد الروائي " على حد قول الروائي الفرنسي ميشيل بوتور . وقد استلزم موضوع الرواية ذلك الشكل ، ولم يكن لها أن تكتب بشكل آخر . السؤال هنا هو : هل نجحت الرواية بشكلها ذلك في الكشف عن الواقع أم لا ؟ هل قامت بشكلها ذلك بدورها المعرفي والجمالي أم لا ؟ . فالصراع هنا يدور في واقع الأمر بين نظرتين مختلفتين للفن والأدب ، نظرة تعتبر أن دور الأدب هو التقاط الطرائف والغرائب وعرضها بشكل غير تقليدي ، أو الغوص في العوالم الذاتية ، ونظرة تعتبر أن دور الأدب هو عرض حياة الناس وكشف الواقع والوصول إلي الناس ، والانطلاق من العالم الموضوعي . إن الذين تحدثوا عن الرواية باعتبارها رواية كتبت " بشكل كلاسيكي " ، و " بأسلوب بسيط " كانوا يقصدون التهوين من شأن الرواية فنيا ، دون أن يدركوا أن الأشكال التي تستجيب لاحتياجات واقعنا قد تكون مختلفة ، وأحيانا كلاسيكية ، أما عن " الأسلوب البسيط " فلست أفهم المقصود من تلك العبارة ، إلا إن كان نقيضها هو " الأسلوب المعقد " ! .

السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو : هل يمكن أن يروج عمل فني من دون أن يكون عملا فنيا في المقام الأول ؟ أي : هل يمكن أن يروج عمل لمجرد أنه يتبنى هموم الناس ؟ . الإجابة : كلا . فهناك في الأدب المصري عشرات ، إن لم يكن مئات الأعمال المكتوبة بنية حسنة ، لكنها ليست فنية ، ومن ثم طواها النسيان . لقد شغلت رواية " عمارة يعقوبيان " مكانها بفضل المقدرة الأدبية لعلاء الأسواني كاتبا ومبدعا ، وبفضل قدرة الأسواني على رصد الحياة الاجتماعية ، وتتبعها ، ورسم الشخصيات ، والوصف ، وأولا وقبل كل شئ : إدراك جوهر ما يجري في الواقع بشكل صحيح . لقد عاد الأسواني بالرواية إلي مجالها الحقيقي ، أي الحياة الاجتماعية ، وذكر بأن للأدب رسالة ، وقام بذلك معتمدا على موهبته الأدبية التي تعتز بها الرواية المصرية .

لم يكن ذلك كله دفاعا عن الأسواني ، لكنه على الأرجح دفاع عن حاجتنا إلي علاء الأسواني ، وإلي أكثر من علاء أسواني واحد ، يكتب وعينه على حياة الناس أولا وقبل كل شئ ، فإذا فعل كتب بحيث يفهمه الناس ، فيتلقفون رواياته بحماس وتقدير .

    




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home