خاطرة

 

رصاصات في جبين الورد

الياس القرقوري



الإهداء أجدني عاجزا على أن أهدي هذه الرصاصات لمن تستحق...
لذلك سأهديها لنفـسي لهذا القلب.. ويكفيني أنّي كلما رأيته
ينـــزف.. ذكّرني بمن أحببت.


الرصاصة الأولى

ماذا تريدين منّي..؟

أن أعترف بأنّك أذكى منّي

أعترفُ..

بأنّك أقوى منّي

أعترفُ..

بأنّك أقسى من حزني

أعترفُ..

ماذا تريدين منّي

أن أعترف بأنّي رجل لا يفهم مشاعر إمرأة مثلكِ

أعترفُ..

بأنّي أجهل معنى الحب

في عصر كعصركِ

أعترفُ..

أعترف لكِ

بكلّ ما يكره أن يعترف به رجل مثلي

بكلّ ما يستطيع أن يجعل منكِ إمرأة

تنظر للناس من قمم الجبالِ

أعترف لك ولا أطلب منك

إلاّ أن تبعدي حنانكِ عنّي

ألاّ تعذّبيني باقترابك منّي

وأن تساعديني حتى أحرّرك من سجني

كوني قاسية معي كوني..

إقطعي جذورك من أعماقي

وستذبل عندها كلّ الأغصانِ

ولا تقولي لي كلاما جميلا

يزيد من لوعتي و يعيد إليّ أشجاني..

أسألكِ

ألمْ تقولي مرّة بأنّك تكرهين شرب القهوة

فلما إذن يا سيّدتي

تُـمرّرين أصابعك على شفاه الفنجانِ

***

الرصاصة الثانية

من مثل هذه اللّحظة خافت قلوبنَا

من لحظة غضب قد ينفرط لها عقدنا

من أحكام قاسية قد تقطع كالسّيف ودّنا

من إنطفاء جذوة كانت تملؤنا بالحياة وإليها تشدّنا..

لذلك كان علينا أن نفهم وفهمنا

بأنّ إنهيار الجدار لا يعني سقوط المبنى..

وبأنّ موت أجمل الورود

لا يُعطينا الحقّ في إغلاق الجنَّة..

كان علينا أن نفهم وفهمنا..

بأنّه ليس بالحب وحده تلتقي القلوبْ..

وبأنّه على المسيرة أن تكتملَ

وإن إختلفت الدّروبْ..

وبأنّ الشمس تظلّ شمسا

سواءً أكانت في نهد السماء

أو في سُرّة الغروبْ..

كان علينا أن نفهم وفهمنا

وكان علينا أيضا أن نتفق

وكعادتنا أيضا إتفقنا..

فمدّ لنا القمر راحتيه ودخلنا..

وفتحنا شراع القلب على مصراعيه وأبحرنا..

وضمّنا الصدق بين جناحيه وأخلصنا..

كان علينا أن نتفق وإتفقنا

وبكل الرقة والمحبّة والدّفء

قال كلانا كلّ مالديه

أو هكذا إعتقدنا..

***

الرصاصة الثالثة

كان إتفاقنا أن تبقى صداقتنا

وأنّ الحبّ وإنْ لم يجمع بيننا

فتكفينا المحبة خيمة تلمّ شتاتنا..

كان إتفاقنا أن لا نخسر بعضنا

وأن نكون أكبر

من مرارة الخيبةِ وآلام الصدمةِ

ومن ضغط مشاعرنا

أن أنسى كلّ كلمة قلتها لكِ

وأشطب من ذاكرتي لحظة حبكِ

وأن نشرب معا نخب تحضّرنا..

كان إتفاقا

أوقد من مشاعرنا شمعة للحياةْ

وأغلق في نفوسنا

كلّ بحث عن الحقائق والغاياتْ

ومع أننا لم نفهم كيف

إلاّ أنّه أقنعنا في النهاية

بأنّ أقسى اللّحظاتْ

هي وحدها من تخيط في الرّوح أجملَ الذكرياتْ

***

الرصاصة الرابعة

لم ينكر كلانا بأنه ربما كان هناك خطأ ما

أنا...

عندما كنت أُعدُّ لك أرضا

حسبتها يوما ستجمعنا..

وأنتِ عندماكنتِ من علياءكِ

تَرينَ رجلا يذوب في الشعور ويفنى

وهو يسقي بعمره أرضًا

تجمعُ رؤيتها دموع العين حسنًا وفنًّـا

دون أن تُخبريهِ بأنّه ينتظر عبثا إمرأةً

لا تحمل نحوه شيئا ممّا يتمنّى..

إمرأة لاترضى بغير السّماء عرشًا

ولا بغير النجوم وطنَا..

هل كان عليك أن ترحميه قليلاً

حتّى ولو لم يكن يستحق شيئا من الرّحمةِ..

هل كان عليك أن تُخرجيه من دائرة الوهمِ

وأن تخرجي أنت من دائرةِ الصّمتِ..

هل كان عليك أن تُخبريهِ

بأنّ لا وجود له عندكِ

وبأنّه يُعدُّ الأرض لإمرأة لن تأتي..

ربما كان هناك خطأ ما... ربّما..

ولكننا إتفقنا على أن تبقى صداقتنا

 وأنّ الحبّ وإنْ لم يجمع بيننا

فتكفينا المحبة خيمة تلمّ شتاتنا..

كان إتفاقنا أن لا نخسر بعضنا

وأن نكون أكبر

من مرارة الخيبةِ وآلام الصدمةِ

ومن ضغط مشاعرنا

أن أنسى كلّ كلمة قلتها لكِ

وأشطب من ذاكرتي لحظة حبكِ

وأن نشرب معا نخب تحضّرنا..

فنسينا.. وشطبنا.. وشربنا..

وبكلّ الرقّة والمحبّة والدّفء

تحقّق نصرنا أخيرا..

أوهكذا إعتقدنا..

***

الرصاصة الخامسة

أو هكذا إعتقدنا..

بكلّ هذا الحزن والوجع العميق أكرّرها..

لأنّك حتما إكتشفتِ مثلي

بأنّ أحدا منّا لم يحترم إتفاقنا..

وبأنّ ما حسبناه في لحظة ما نصرا ساحقا

لم يكن في الحقيقة سوى وهمًا بيّـنَا

وإسمحي لي أن أسألك..

هل كان إتفاقنا أن أصمتَ

فيسمع الناس إسمكِ..

وأن أُغمض عيناي

فلا أُبصر إلاّ حسنكِ..

وأن أكتب عن الحب

فلا أرسم سواكِ..

هل كان إتفاقنا

أن تُحيي ميلاد كل لحظة عشناها

وكأنّك لم تعرفي طعما للحبِّ إلاّ فيها

وأن تلومينني كلما رأيتني مع أخرى

لوم الحبيبة لحبيبها..

وأن تنساب أفكاري من بين شفاهك دائما

قبل أن أحكيها..

هل كان إتفاقنا

أن تظلّ صورتك مصقولة في أحداقي..

وأن تشتاق العيون كلّما غابت للحظة التلاقي..

وأن لايزيدنا البعد إلاّ ضمأً

لتعانق الأشواق..

كلاّ.. كلاّ يا سيّدتي

لم يكن هذا في يوم ما إتفاقنا

وعلينا أن نعترف بأنّنا فشلنا

فيما حسبناه حلاًّ أرضى كلينا..

فيما إعتقدناه عدلاً أنصف بيننا..

فيما وثقنا به بدرا أضاء ليلنا..

لذا صار لزاما علينا أن نغيّر إتفاقنا

وما أراه اليوم قراري

عليه أن يكون منذ الغد قرارنا

***

الرصاصة السادسة

علينا أن نلغي حتّى صداقتنا..

أعرف مرارة القرار ووطأتَهُ

ولكن مهما بلغ من ظلمه لكِ

فظلمته عليّ لا تُدرَكُ شدّتهُ..

ثمّ إنّك لن تخسري فيّ إلاّ الصديق

وأصدقاءك كثرُ..

أمّا أنا فلم يكن لقلبي إلاّكِ حبيبتهُ

وإنّ الشمسَ لن يُضيرها أن تخسر إحدى خيوطها

ولكنْ ما أتعس القمر حينما يفقد أحبّتَهُ..

فسلامي إليكِ ياإمرأةً

سلام الوداع فيك أُسكِنُهُ..

وأرجو أن لاتقسَيْ

على قلب عرفتِ اليوم قسوتَهُ..

وسلامي عليكَ ياقلبي

سلام الطّيبِ إليكَ أبعثهُ

ولا تحزنْ فستُهديكَ الحياة

من تذيبُ الجبالَ نظرتهُ..

وإغفرْ كما تغفرُ دائما

جماح رجل يسابقُ الحزنَ فيسبقهُ..

ويطرد الحبَّ فيسكنهُ..

ويغتال الحقَّ فينصرهُ..

وأذكرْ كما تَذكُرُ دائما

بأنّ منْ يضُمُّكَ صدرهُ

إنّما هو رجل لا يملك في الدّنيا

إلاّ عزّتكَ وكرامتَهُ...

***

الرصاصة القاتلة.. والأخيرة

كدتُ أُطلقها

لولا صيحة منكِ هزّتني..

قلتِ لا تفعلْ أرجوكْ

قبل أن تسمع منّي..

وإنهالت دموعك تغمر صفحة عينيكِ

وكأنّها أمواج تُغرق بين طيّاتها

جوانب السّفنِ..

ثمّ قلتِ بصوت يكاد لا يُسمع

من وطأة الحزنِ..

أريدكَ أنْ تعلمْ

قبل أن تغتال كلّ الّذي بيننا وتمضي

بأنّني..

بأنّني..

بأنّني أحببتكَ حبّا

أُقسم لو أنّني أفردتُهُ جناحاً

لَلامس مشارف الكونِ..

فصحتُ مذهولا.. ماذا تقولين..؟

فقلتِ ما سمعتَ وما لم تسمع

ولكن أرجوك أن ترحمني

وأن ترحم لحظة ضعفي هذه

وأن تُخفّفَ عنّي..

فقاطعتك صائحا..

إذَا كنتِ تحبينني حقا

فلِما فرّقتِ بينك وبيني

ولما أنكرتِ عليّ وعلى نفسك حبّا

كان يحلم دائما بأن يجمعنا للآخر الزّمنِ..

فقلتِ وأنا أرى ما تبقّى منك

وهو ينهار أمام عيوني

لأنّني لا أستحقك أيّها الرّجل

لا أستحقك..

فحاول أن تفهم ما أعني..

إنّني إمرأة تاريخها موَشّح بالسّوادِ

وليس كما تظنّ أنتَ عنّي..

وصفحات أخطائي بلا حساب

وليس كما كنتُ أراكَ تراني..

وقد عجزتُ عن قول الحقيقة

خوفا من أن تتركني..

ولكَ أنْ تتصوّرَ

عذابي وألمي وحزني

عندما كنتُ أسمعُ بَوْحكَ

وأنا لاأستطيع أن أبوح لكَ

بمكامن وجداني...

كان تاريخي يقف دائما

كالسّيف النّافذ في خاصرتي..

يخزني.. يهزّني.. ويذكّرني بحقيقتي..

عندها كنتُ أنتفض كفراشة هاربة

من جنّة النيرانِ..

فأُنكرُ حُبّكَ.. وأرضك الّتي كنتَ تبني..

ومشاعركَ الّتي كانت تحتويني

إحتواءَ العيونِ لنور الجنينِ..

كنتُ أهرب منكَ.. وأقسو عليكَ

وقلبي يكاد يمزّقني ويفرُّ إليكَ

حبّا فيكَ وهربا من ظلمي له وجنوني..

ويشهد الله

كم أمضت عيوني اللّياليَ باكية

على ما ضاع منّي بالأمسِ

وعلى ما هو الآن ضائع منّي..

فهل فهمتَ الآن مَنْ كان يعيش بالعلياءِ

ومَنْ كان يعيش في العفنِ..

إنّني يا سيّد قلبي وتاج جبيني

إمرأة محكومة بالهوانِ والحزنِ..

حطّمني الآخرون بخداعهم

أمّا أنتَ فبصدقكَ قد حطّمتَني..

وليت رصاصاتك الّتي إخترقَتْ حبّكَ لي

كانت قد إخترقتني..

وأراحتني من عذاب

سيظلّ إلى الأبد يلاحقني..

وأرجو أن تغفر لي إن كانت الحقيقة قاسية عليكَ

قسوة الزّمنِ

قسوة الصّدق في زمن الجبنِ

قسوة أخطاء

يشاركنا آخرون في إرتكابها باسم الحبِّ

ولكن وحدنا في النّهاية من يدفع باهظ الثمنِ

أمّا الآن فبإمكانك أن ترحل وتتركني..

فإرحل... إرحل أيّها الرّجل

فمثلك لم يُخلَق لهذا الزّمنِ

ولا تأسف على أيّ شيء مضى

فمن كان بمكارم الفرسانِ

لا يستحق أن يضمّ إلى صدره إمرأةً

أحقر من حذوة الحصانِ

إرحل..

فالرّجال همُ الطّلقاء دائما..

والمرأة هي المحكومة بالأسر أبدا

في زنازين الشرف...

وسجون الماضي...

ومحاكم الطغيان...




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home