القلم العلمي

 

بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة "النسبية"

جواد البشيتي



 

 

بعضٌ من جوانب صورة الكون في مرآة "النسبية"

 

جواد البشيتي

 

 

هل من سرعة "قصوى" في الكون؟ لقد قاد هذا السؤال إلى أحد أهمِّ الاكتشافات الفيزيائية في تاريخ العِلْم، فآينشتاين، مُفَجِّر أهم ثورة فيزيائية في القرن العشرين، هو في صفة من أهم صفاته "مُكْتَشِف وجود السرعة الكونية القصوى (أو العظمى)"، وهي "سرعة الضوء"، التي هي، في الفراغ، 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فالضوء إنَّما هو مادة تسير في الفراغ، أو الفضاء، بسرعة معيَّنة، وليس من مادة يمكنها السير بسرعة أكبر من سرعة الضوء، كما ليس من "مادة لها كتلة" يمكنها السير بسرعة الضوء.

 

قد تقلُّ سرعته قليلاً في أثناء سيره في داخل بعض المواد، كالزجاج والماء، ولكنَّه ما أن يَخْرُج منها إلى الفراغ، أو الفضاء، حتى يستأنف السير بسرعته الطبيعية والعادية، أي بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

 

ولا بدَّ لنا من أن نضيف إلى ذلك أنَّ سرعة الضوء، المٌبْتَعِد عنكَ، أو المُقْتَرِب منكَ، لا تتأثَّر، زيادةً أو نقصاناً، بسرعة "المَصْدَر (نجم مثلاً)" الذي منه انطلق، ولا بسرعة الموضِع الذي منه نقيس سرعته، فسرعته ثابتة لا تتغيَّر، زيادةً أو نقصاناً، مهما كانت سرعة مَصْدَرِه، ومهما كانت سرعة الموضِع الذي منه يقيس المراقِب سرعته.

 

بعضٌ من "المادة"، في الكون، نراه على هيئة جسم (نجم مثلاً) أو جسيم (إلكترون مثلاً). بعضٌ من الجسيمات له "كتلة"، وبعض منها "ليس له كتلة". والجسم (أو الجسيم) نراه في حالٍ من "الحركة"، فهو ينتقل من موضِع إلى موضِع، أو من نقطة إلى نقطة، في الفراغ، أو الفضاء، أو يدور حَوْلَ نفسه، أو محوره، كما يدور كوكب الأرض، أو يهتز، أي يتحرَّك وهو في مكانه. وفي انتقاله من موضِع إلى موضِع، في الفراغ (الفضاء) أو على سطح جسم آخر، نراه منتقِلاً في "خطٍّ مستقيم"، أو في "خطٍّ منحنٍ (دائري مثلاً)".

 

والجسم (أو الجسيم) ينتقل من موضِع إلى موضع بـ "سرعة معيَّنة"، فهو في مقدارٍ معيَّن من الزمن (في ثانية، أو دقيقة، أو ساعة، ..إلخ) يجتاز، أو يَقْطَع مسافةً معيَّنة (نقيسها بـ "المتر" مثلاً). والجسم (أو الجسيم) إنَّما يسير "مُبْتَعِداً" عن شيء معيَّن، أو "مُقْتَرِباً" منه، فهذا الجسم A يسير مُبْتَعِداً عن الشيء B أو مُقْتَرِباً منه. وهذا الشيء B قد يكون ساكناً، ثابتاً في مكانه، أو متحرِّكاً في اتِّجاه ما.

 

ولا بدَّ لسرعة الجسم A من أن تتأثَّر، زيادةً أو نقصاناً، بسرعة الشيء B الذي منه نقيس سرعة الجسم A. وقياس سرعته إنَّما يعني أن يقيس المراقِب الموجود في الشيء B المسافة التي يقطعها الجسم A (في ابتعاده عنه، أو في اقترابه منه) في ثانية واحدة، أو دقيقة واحدة، ..إلخ، بحسب ساعته هو.

 

و"الانتقال" ليس بانتقالٍ في المكان فحسب؛ ليس بانتقال من موضِع إلى موضِع فحسب. إنَّه، أيضاً، انتقال في الزمان، فأنتَ لا تستطيع أن تمشي مجتازاً مسافة 100 متر مثلاً من غير أن تنتقل، في الوقت نفسه، في الزمان، فانتقالكَ المكاني هذا لا بدَّ له من أن يستغرِق مقداراً معيَّناً من الزمن. على أنَّ ذلك لا يعني أنَّكَ لا تستطيع الانتقال في الزمان من غير أن تنتقل، في الوقت نفسه، في المكان، فأنتَ الجالِس في مكانكَ إنَّما تنتقل في الزمان من غير أن تنتقل في المكان. إنَّ كل انتقال في المكان يجب أن يقترن بانتقال في الزمان؛ ولكن ليس كل انتقال في الزمان يجب أن يقترن بانتقال في المكان.

 

ونحن نرى، في حياتنا العادية على سطح الأرض، أنَّ انتقالنا في الزمان، المقترِن بانتقالنا في المكان، ليس بالثابت القيمة أو المقدار، فإذا أنتَ أسْرَعْتَ أكثر في مشيكَ فإنَّكَ تجتاز المسافة ذاتها في مقدارٍ زمني أقل. إنَّكَ، وبحسب "سرعتكَ" تستطيع اجتياز المسافة ذاتها في زمن مقداره 10 دقائق أو 5 دقائق.

 

"المسافة"، على ما ترى في تجربتكَ، لا تتغيَّر.. لا تزيد ولا تنقص، إنْ قلَّت أو زادت "سرعتكَ". ما يتغيَّر فحسب (زيادةً أو نقصاناً) إنَّما هو مقدار الزمن الذي فيه تجتاز تلك المسافة (الثابتة).

 

هذه الحقيقة، التي تظنها "مُطْلَقة"، تغدو "نسبية" ما أن تسير بسرعة قريبة من سرعة الضوء، كأنْ تسير بسرعة 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. في هذه الحال، لن تظل "المسافة" التي تجتازها "ثابتةً"، فهي "تُخْتَصَر" و"تتقلَّص".

 

لو كانت "المسافة" التي تريد اجتيازها 10 ملايين كيلومتر فإنَّك تجتازها في زمن مقداره (بحسب ساعتكَ) 100 ألف ثانية إذا كانت سرعتكَ 100 كيلومتر في الثانية الواحدة.

 

وأنتَ كلَّما أسْرَعْتَ أكثر قلَّ مقدار الزمن الذي فيه تجتاز المسافة ذاتها. ولكن، يكفي أن تسير بسرعة قريبة من سرعة الضوء حتى تتحوَّل هذه "القاعدة السليمة" إلى "قاعدة خاطئة".

 

افْتَرِض أنَّ سرعتكَ قد أصبحت 280 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، فما هو مقدار الزمن الذي فيه تجتاز تلك المسافة؟ عن خطأ، ستُجيب قائلاً: "إنَّه 35.7 ثانية".

 

وعن صواب، أي إذا ما أجَبْتَ بحسب القوانين الفيزيائية التي اكتشفها آينشتاين، ستُجيب قائلاً: "إنَّه 5 ثوانٍ مثلاً"؛ ذلكَ لأنَّ تلك المسافة (التي توهَّمْتَ أنَّها تظلُّ ثابتة في كل الأحوال) قد اخْتُصِرَت وتقلَّصت، فغدت 1.4 مليون كيلومتر.

 

وهذا إنَّما يعني، نظرياً، أنَّكَ تستطيع السفر إلى كوكب يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية مثلاً، والعودة منه، في زمن مقداره، بحسب ساعتكَ، دقيقة واحدة.

 

لقد زاد عُمْركَ دقيقة واحدة فحسب إذ قُمْتَ بهذه الرحلة الفضائية، بهذه السرعة "شبه الضوئية". وعندما تعود إلى كوكب الأرض تَكْتَشِف أنَّ رحلتكَ تلك قد استغرقت، بحسب الساعة في الأرض، زمناً مقداره يزيد عن 200 مليون سنة.

 

الجسم (أو الجسيم) إنَّما يشبه، في "حركته"، كُرَة تَنْتَقِل من مَوْضِع (محل) إلى مَوْضِع على سَطْح شيء ما.. على سطح طاولة مثلاً، فـ "الانتقال" لا يُمْكِن أن يكون في "فراغٍ مُطْلَق"، أو في "حَيِّزٍ لا وجود فيه للمادة".

 

إنَّكَ ترى "الانتقال" على سَطْحٍ مستوٍ من اليابسة، وعلى صفحة الماء، وفي داخل الماء، وفي الهواء، أو الغلاف الجوِّي للأرض؛ وتراه، أيضاً، في "الفضاء"، الذي ينبغي لكَ أن تفهمه على أنَّه "سَطْح"؛ و"السطح الفضائي" ليس بمستوٍ، أو منبسط. إنَّه سطح منحنٍ، يتفاوت انحناؤه (أو تقوُّسه) شِدَّةً من موضع إلى موضع، بحسب كتلة الجسم (النجم مثلاً) الذي يَشْغُل الحيِّز الفضائي. وسَيْرُكَ على سطح الفضاء المنحني في خطِّ مستقيم (على ما ترى أنتَ وتَعْتَقِد) إنَّما يشبه سيركَ في خطِّ مستقيم على خطِّ الاستواء. أنتَ تراه سيراً في خطِّ مستقيم؛ أمَّا الذي يراقبكَ من سطح القمر مثلاً فيراه سيراً في خطٍّ دائري.

 

ونرى "الانتقال" في غير شكل، فبعضه إلى الأمام، وبعضه إلى الوراء، بعضه إلى اليمين، وبعضه إلى اليسار، بعضه إلى أعلى، وبعضه إلى أسفل، بعضه في خطٍّ مستقيم، وبعضه في خطٍّ مُنْحَنٍ (بعضه دائري أو دوراني). وهذا "الانتقال"، بأشكاله المختلفة، نراه على "سَطْحٍ مستوٍ"، أو على "سَطْح جسم كروي".

 

ونحن، على سَطْح كوكب الأرض، أي على سَطْح هذا الجسم الكروي، نَعْرِف أشكال "الانتقال" تلك جميعاً. ونَعْرِف، أيضاً، أنَّ السَيْر في خطٍّ مستقيم، أو على "سَطْحٍ مستوٍ"، كَسَيْرِنا في خطٍّ مستقيم على خطِّ الاستواء، هو، شئنا أم أبَيْنا، سَيْرٌ في خطٍّ مُنْحَنٍ، أو دائري؛ لأنَّ الأرض جسم كروي.

 

و"الفضاء"، على وجه العموم، إنَّما يشبه "سَطْح الكرة الأرضية"، فالسَيْر فيه في خطٍّ مستقيم، على ما ترى أنتَ السائر، إنَّما هو سَيْرٌ في خطٍّ مُنْحَنٍ، أو دائري. والسَيْر في الفضاء إنَّما هو سَيْرٌ في حَيِّز له ثلاثة أبعاد، فأنتَ تسير فيه، أيضاً، صعوداً وهبوطاً، إلى أعلى وإلى أسفل.

 

إنَّ "الفضاء"، أو "النسيج الفضائي"، أو "السطح الفضائي"، يشبه "مُلاءة مطَّاطيَّة واسعة"، تتموْضَع فيها كُتَلاً لأجسام كروية، كالمجرَّات والنجوم، على أنْ نَفْهَم هذا "التموْضُع" على أنَّه اتِّحادٌ لا انفصام فيه بين تلك "المُلاءة (الفضائية)" والجسم المتموْضِع فيها، فـ "الفضاء" هو جزء لا يتجزأ من "الجسم"، و"الجسم" هو جزء لا يتجزأ من "الفضاء"، فليس من فضاء بلا أجسام وجسيمات، وليس من جسم، أو جسيم، لا ينطوي على فضاء، ولا يحيط به فضاء، في الوقت نفسه. أُنْظُر إلى "الذرَّة" مثلاً، ترى الفضاء في داخلها، وتراه يحيط به من كل جهاتها وجوانبها.

 

"المادة"، في بعضٍ من معانيها الكونية والكوزمولوجية والفيزيائية، هي "الجسم" في اتِّحاده الذي لا انفصام فيه مع "الفضاء"، فـ "المادة"، في هيئة أو شكل وجودها، بعضها "فضاء"، وبعضها "جسم"، أو "جسيم"؛ و"الجسيمات"، بعضها كـ "الأجسام" له "كتلة"، وبعضها (الفوتون مثلاً) ليس له "كتلة".

 

وفي "الحجم النسبي"، تَعْدِل "المادة الجسمية والجسيمية" قطرة في بحر "المادة الأخرى"، أي "الفضاء"، الذي هو، وعلى وجه العموم، في تمدُّدٍ مستمرٍ ومتزايدٍ. و"الجاذبية" نراها، فِعْلاً وتأثيراً، في الفضاء كله.. في كل فضاء، مهما عَظُمَ أو صَغُرَ حجماً؛ ولكن تأثيرها يَعْظُم ويشتد حيث تتجمَّع "المادة الجسمية والجسيمية"، كالمادة في داخل النجم مثلاً. ويقلُّ تأثيرها ويَضْعُف حيث تتفرَّق وتتبعثَر تلك المادة، أي في الفضاء بين ما يُمْكِن تسميته "الجُزُر الكونية". و"الجزيرة الكونية" هي "التجمُّع الأكبر" لـ "المادة الجسمية والجسيمية"، وهي التجمُّع الذي فيه نرى تلك المادة كثيفة مكثَّفة. بين تلك "الجُزُر" نرى الفضاء المتمدِّد وكأنَّه منطوٍ على "قوَّة" مضادة في فِعْلٍِها وتأثيرها لـ "الجاذبية الكونية"، التي ضَعْفُها هنا إنَّما يُذَكِّرنا بضعفها في داخل نواة الذرَّة مثلاً، فهذه النواة ليست متَّحِدة متماسكة بفضل "جاذبيتها"، وإنَّما بفضل قوَّة تسمَّى "القوَّة النووية الشديدة".

 

نظرياً، يُمْكِن أن تنهار "المادة" في نواة الذرَّة على نفسها، فتتحوَّل تلك "النواة" إلى "ثقب أسود". ولكن ما هي "القوَّة" التي يُمْكِن أن تُسَبِّب هذا الانهيار إذا ما كانت "الجاذبية" في داخل نواة الذرة من الضعف بمكان، ولا تَقْدِر، بالتالي، أن تتسبَّب بانهيار كهذا؟!

 

"الجاذبية" إنَّما تَصْلُح تفسيراً لانهيار المادة على نفسها في داخل نجم ما، فيتحوَّل، بالتالي، إلى "ثقب أسود".

 

"المادة" قد تتحوَّل، بحسب بعض النظريات والتصوُّرات الكوزمولوجية، إلى ذلك "المتناهي في الصِغَر" المسمَّى Singularity.

 

في هذا "الجسيم"، تغدو المقادير والكمِّيَّات الفيزيائية جميعا في منتهى الضآلة.. "تتصفَّر"، أي تصبح "صِفْراً". الطول صِفْر، والعرض صِفْر، والارتفاع صِفْر، والحجم صِفْر، والزمان صِفْر، .. إلخ.

 

"الفضاء الخارجي"، بالنسبة إلى كتلة جسم كروي، كالنجم، إنَّما يشبه "غِلاف (أو غشاء)" يُغَلِّف هذا الجسم الكروي، ويعلوه غلاف، يعلوه غلاف، ..إلخ؛ وكأنَّ كتلة الجسم الكروي تشبه "مَرْكَزاً" لدائرة لها غير محيط. والمحيط الأقرب إلى المَرْكَز هو الخطُّ الأكثر انحناء؛ أمَّا المحيط الأبْعَد عن المَرْكَز فهو الخطُّ الأقل انحناء. إنَّ الفضاء الأقرب إلى النجم عظيم الكتلة هو الأشد انحناء.

 

إذا سار جسم ما في "الغلاف الفضائي" الأقرب إلى النجم فسوف "يَشْعُر" بأنَّ النجم يشده إليه بقوَّة أعظم؛ ولا بدَّ له، بالتالي، من أنْ يبدي "مقاوَمة" تقيه شرَّ السقوط في "فم" النجم. هذا الجسم ينبغي له السَيْر في خطٍّ دائري حَوْل النجم (في هذا "الغلاف الفضائي" الأقرب إلى النجم). وينبغي له أن يسير بسرعة أعظم، ففي هذه الحال تتولَّد فيه، وتَعْظُم، قوَّة تشده في اتِّجاه معاكِس، فتتوازَن هذه القوَّة وتلك، فيستمر هذا الجسم في الدوران (بسرعته الكبيرة المنتظَمة) حَوْلَ هذا النجم. وبهذا الدوران المُنْتَظَم السرعة يَظْهَر ويتأكَّد تأثير قانون "القصور الذاتي" في هذا الجسم.

 

والجاذبية يمكن فهمها وتفسيرها على أنَّها "موجات" Gravitational Waves. خُذْ حَجَرَاً، وارمهِ في مياه بِرْكة، فترى موجات تَنْتَشِر من حوله على وجه الماء. "الحَجَر" هو "الجسم الذي له كتلة" كـ "الشمس". و"مياه البِرْكة" هي "الفضاء". و"الموجات" هي ما تُحْدِثُه كتلة الجسم من انحناء في الفضاء. وكل انحناء إنَّما يشبه موجة من تلك الموجات. إنَّنا نرى ما يشبه "الحُفْرَة"، أو "الأخدود"، أو "الوادي"، بين موجة وموجة. نرى ما يشبه "سلسلتين جبليتين متقابلتين بينهما وادٍ أو غَوْر". و"الموجات" تنتشر على سطح "الماء الفضائي" بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.

 

الأجسام والجسيمات في الفضاء تسير (مُكْرَهةً غير مختارة) في تلك "الوديان" أو "الأغوار". إذا جاء أحدها بسرعة فإنَّه يجتاز تلك "السلاسل" و"الوديان"، وصولاً إلى قَلْب أو سطح الشمس مثلاً، وإلاَّ ظلَّ يسير (أو يدور) في وادٍ من تلك الوديان. وعقارب الساعة في ذلك الجسم تسير في بطءٍ أعظم في "الوادي الدائري" الأقرب إلى الشمس؛ أمَّا هو، أي الجسم ذاته، فينبغي له الدوران في سرعة أعظم. إنَّه يظل يسير في هذا "الوادي الدائري" إلى الأبد بفضل "قصوره الذاتي".. إلاَّ إذا خضع لتأثير "قوَّة" تُخْرِجه عن خطِّ سَيْره هذا، فـ "يَصْعَد" ما يشبه "مرتفعاً"، لـ "يهبط"، من ثمَّ، سائراً في "وادٍ آخر"، أقرب إلى الشمس، أو أبعد عنها. وقد نرى هذا الجسم يدور حَوْل الشمس، ثمَّ يسقط فيها.

 

وكل "غِلاف فضائي" يُغَلِّف النجم إنَّما يشبه "تَمَوُّجاً" من تَمَوُّجات كثيرة حَوْل حَجَرٍ ألْقَيْناه في مياه بِرْكة، فهذا التموُّج له "قِمَّة" وله "حضيض. و"المدار" الذي فيه يدور الجسم حَوْلَ النجم إنَّما يشبه هذا "الأُخْدود" الدائري بين تَمَوُّجين (أو موجتين).

 

إنَّ ذاك الحَجَر يَنْشُرُ من حَوْلِه في الماء تَمَوُّجات كثيرة، فيَخْتَلِف كل تَموُّج عن سائر التموُّجات لجهة طول نصف قطره؛ وإنَّ كتلة الجسم الكروي (النجم مثلا) تَنْشُرُ من حَوْلِها في بحر الفضاء تموُّجات مشابهة. وكل "أُخْدود" دائري يقع بين تموُّجين (أو موجتين) إنَّما هو "مدار" يدور فيه الجسم حَوْل النجم.

 

إذا سار جسم في الفضاء في خطٍّ مستقيم حتى أصبح على مقربة من الشمس فإننا نرى خطَّ سيره هذا وقد انحنى، فنقول في تفسير هذا الانحناء إنَّ قوَّة الجاذبية الشمسية هي التي أثَّرت فيه على هذا النحو. هذا التفسير أبطلته نظرية "النسبية العامَّة" لآينشتاين، إذ قالت ليس من شيء يدعى "قوَّة الجاذبية" التي، عن بُعْد، تشد جسماً إلى جسم.

 

الجسم أو الجسيم الذي يسير في مساره الفضائي إنَّما يتأثَّر، في أثناء سيره، بما يشبه قوَّة سَحْبٍ أو جَرٍّ، تسحبه أو تجره (إذا لم يُبْدِ ما يكفي من المقاومة) من مساره لِتُدْخِله في مسارٍ فضائي آخر أكثر انحناءً.

 

ويكفي أن يسير في مساره الجديد الأكثر انحناءً حتى يتباطأ سير الزمن فيه، فكلَّما اشتد انحناء المسار الفضائي لجسم ما  زاد تباطؤ الزمن في هذا الجسم. أمَّا إذا سقط هذا الجسم في "فم" الشمس، مثلا، فهذا إنَّما يعني أنَّه قد سار في مسار يشبه دائرة صغيرة جدا، فتدوير خطَّ سيره المنحني، أي جعله دائرة، لا يُسْتَكْمَل إلاَّ في داخل كتلة الشمس.

 

"سَطْح الفضاء" إنَّما هو "سَطْح كروي"، أي يشبه "محيط دائرة". و"محيط الدائرة"، طويلاً كان أم قصيرا، لا بدَّ له من أن يشتمل على "الخطِّ المستقيم" في الجزء الأصغر منه (أي في الجزء الأصغر من محيط الدائرة) فـ "المُطْلَق الخالِص" من "المنحني" و"المستقيم" لا وجود له؛ وكلَّما عَظُمَ انحناء الخطِّ تضاءلت استقامته، وكلَّما عَظُمَت استقامة الخطِّ تضاءل انحناؤه؛ ولكن من غير أن نَبْلُغ "المُطْلَق الخالِص" من الانحناء، أو الاستقامة.

 

"الجسم"، أو "الجسيم"، الذي له "كتلة" يجب أن يشتمل، في وجوده الواقعي الحقيقي، على مقدار من "الطاقة". وهذا الجسم يجب أن يكون بـ "حجم مُعَيَّن"؛ ومادته يجب أن تكون بـ "كثافة مُعَيَّنة".

 

تَصَوَّر جسما كرويا له كتلة مُعَيَّنة وقد زاد مخزونه من الطاقة. في هذه الحال، لا بدَّ لِمَا نسمِّيه "جاذبيته" من أن تشتد. وسوف تشتد، أيضاً، إذا ما زادت كتلته، أو إذا ما تقلَّص حجمه (وزادت، بالتالي، كثافة مادته). إنَّ انكماش حجم نجم له كتلة مُعَيَّنة، يُقَلِّص طول نصف قطره، ويزيد كثافة المادة فيه، فنرى الجاذبية عند سطحه تشتد وتَعْظُم، فالفضاء الذي "يُغَلِّفه" ينحني، ويتقوَّس، من حَوْلِه، أكثر.

 

الضوء (وهو مادة جسيمية ليس من كتلة لها على ما يُقال حتى الآن) يَنْطِلقُ من النجم إلى الفضاء (الخارجي) سائراً دائماً (في هذا الفضاء) بسرعة ثابتة منتظَمة، مقدارها 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة، مهما اختلفت سرعة مَصْدَر (النجم مثلاً) هذا الضوء، أو سرعة المَوْضِع الذي منه نقيس سرعة هذا الضوء.

 

هذا الضوء المُنْطَلِق من النجم لا بدَّ له من أن يسير في مسارٍ فضائي مُنْحَنٍ، أو دائري. نظرياً، وإذا لم يمتَّصه جسم ما في الفضاء، لا بدَّ لهذا الضوء من أن يُقْفِل، في آخر المطاف، الدائرة، أي لا بدَّ له من أن يعود إلى حيث انطلق، أي إلى نقطة الانطلاق. متى يعود؟ ليس من جوابٍ عن هذا السؤال قَبْل أنْ نَعْرِف طول محيط الدائرة الفضائية التي يسير فيها. إذا كانت تلك الدائرة في منتهى الصِغَر فإنَّ هذا الضوء المُنْطَلِق من النجم قد يعود إلى حيث انطلق بَعْد رحلة فضائية استغرقت مقداراً من الزمن في منتهى الضآلة (بَعْد جزء من الثانية من انطلاقه). وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا الضوء لم يتمكَّن من مغادرة سطح النجم إلى الفضاء الخارجي، فلا يرى "المراقِب الخارجي" هذا النجم.

 

لو تقلَّص حجم الشمس كثيراً (مع بقائها محتفظة بالكتلة ذاتها) لتضاءل كثيرا طول محيط الدائرة (الفضائية) التي سيسير فيها الضوء المُنْطَلِق منها. ولو تضاءل أكثر لعاد الضوء إلى حيث انطلق من غير أن يتمكَّن من المضي قُدُماً في رحلته الفضائية، فنرى الشمس وقد أظْلَمَت؛ لأنَّ نورها لَمْ يصل إلى عيوننا.

 

إنَّ الشمس بكتلتها ذاتها، ومن الوجهة النظرية الصرف، قد يتقلَّص حجمها، ويستمر في التقلُّص، فتتحوَّل، في آخر المطاف، إلى "ثقب أسود"، فإذا انطلق منه ضوء فإنَّه يعود، على الفور، إلى نقطة انطلاقه، مُقْفِلاً الدائرة قبل أن يتمكَّن من مغادرة محيط، أو سطح، "الثقب الأسود".

 

ولكنَّ الشمس المتحوِّلة إلى "ثقب أسود" لم يختلف تأثير "جاذبيتها" في كوكب الأرض مثلا، فهذا الكوكب ظلَّ يدور حَوْل هذه الشمس، في المدار ذاته، وبالسرعة ذاتها، وكأنَّه لا يتأثَّر إلا بـ "كتلة" الشمس ذاتها، إذا ما زادت، أو نقصت، فتضاؤل "حجم" الشمس، المحتفظة بكتلتها ذاتها، مع ما يُنْتِجُهُ هذا التضاؤل من تقلُّص في طول نصف قطرها، وتَعاظُمٍ في كثافة مادتها، إنَّما يؤثِّر فحسب في "المادة (أو الضوء)" التي تحاوِل الإفلات منها إلى الفضاء الخارجي، وفي كل جسم، أو جسيم، يَدْخُل إليها من "بوَّابتها" التي تسمَّى "أُفْق الحدث"، أو يقترب من هذه "البوَّابة"، دخولاً، أو خروجاً.

 

"الثقب الأسود" إنَّما يَنْتُج من ضَغْطِ "الكتلة"، فإذا ضُغِطَ "مقدارٌ كافٍ" من "الكتلة" في "حيِّزٍ كافٍ"، أي في حيِّزٍ تضاءل إلى حدٍّ مُعَيَّن، نشأ "ثقب أسود".

 

في النجم نرى أنَّ "ضغطه الداخلي (الذاتي)" هو القوَّة التي تَدْفَع مادته خارِجاً، فيتمدَّد النجم، أي يزداد حجماً. أمَّا جاذبيته فتشد مادته إلى الداخل، فإذا تغلَّبت على تلك القوَّة (بسبب انطفاء هذا الحريق النجمي، أي بسبب نفاد طاقة النجم) تحوَّل النجم (إذا كانت كتلته في مقدار يسمح له بالتحوُّل) إلى "ثقب أسود". تلك القوَّة تقاوِم في استمرار الجاذبية حتى تَسْتَنْفِد قدرتها على المقاومة. النجم، كشمسنا، ما أن يوشِك أن يستنفد وقوده النووي حتى يتمدَّد (يَعْظُم حجماً) متحوِّلاً إلى ما يسمَّى "العملاق الأحمر".. "طور العملاق الأحمر".

 

النجم الأعظم كتلةً، هو الأسرع في استنفاده وقوده النووي الذي معظمه من الهيدروجين، وهو، بالتالي، الأقصر عُمْراً. هذا النجم، وفي نهاية حياته القصيرة، ينفجر، مُخَلِّفاً وراءه "جسماً كثيفاً" على هيئة "نجم نيوتروني"، أو "ثقب أسود". وإنَّ بعضاً من كتلة هذا النجم المنفجر (Supernova) قد يُقْذَف بعيداً في الفضاء على هيئة مواد مُرَكَّبة، مُعَقَّدة، غير بسيطة، فيغتني ويتنوَّع تركيب الكون الذي معظمه من غاز الهيدروجين.

 

هل الشمس "ثقب أسود"؟ كلا، ليست بـ "ثقب أسود". حتى يتحوَّل هذا الجسم الكروي، أي الشمس، إلى "ثقب أسود" لا بدَّ لـ "نصف قطره" من أن يتقلَّص، فيغدو 3 كيلومترات. هذا الطول (3 كيلومترات) لـ "نصف قطر" الشمس هو ما يتناسب مع "كتلتها" عند تحوُّلها، إذا ما تحوَّلت، إلى "ثقب أسود". هل الكون "ثقب أسود"؟ لإجابة هذا السؤال ينبغي لنا معرفة أمرين: "كتلة" الكون، و"نصف قطره". إذا كان طول "نصف قطره" متناسباً مع كتلة "ثقب أسود" تَعْدِل كتلة الكون فلا بدَّ له، عندئذٍ، من أن يكون على هيئة "ثقب أسود". وهنالك من علماء الكون من حسب كتلة الكون، ونصف قطره، فتوصَّل إلى أنَّ كوننا "ثقب أسود" ضخم، وليس من مادة فيه يمكنها الإفلات من قبضته، أي من محيطه المسمَّى "أُفْق الحدث".

 

الجسم، أو الجسيم، إنَّما يشبه وعاءً، يمتلأ من "المادة"، بهيئتيها: "الكتلة" و"الطاقة". وليس من فَرْقٍ بين أن تزيد فيه "الكتلة"، أو تزيد فيه "الطاقة"، فكلتا الزيادتين تؤثِّر في "غلافه الفضائي" التأثير ذاته.

 

"الثقب الأسود" هو، أيضاً، "وعاء"؛ ولكنَّه "مطَّاطي"، على سبيل التشبيه، فإذا أنتَ أضَفْتَ إليه "مادة"، على هيئة "كتلة"، أو على هيئة "طاقة"، فإنَّ هذا "الوعاء" يَعْظُم "حجماً"، وإذا أنتَ أخَذْتَ منه بعضاً من مادته فإنَّ هذا "الوعاء" يَصْغُر "حجماً". و حجم "الثقب الأسود" إنَّما يعني، على وجه الخصوص، طول نصف قطره، أي طول المسافة بين "مَرْكَزِه" و"سطحه (أو محيطه)". المهمُّ في أمْر "الثقب الأسود" ليس مقدار ما يشتمل عليه من مادة، وإنَّما "درجة تَرَكُّزِها"، فمادته (كتلته وطاقته) يجب أن تكون في حجم دائرة، تكفي ضآلة نصف قطرها لاحتجاز كل مادة في داخلها.

 

و"ضآلة نصف القطر" Schwarzschild Radius إنَّما هي "نسبية المعنى"، فـ "الثقب الأسود" عظيم الكتلة له نصف قطر أكبر من نصف قطر "الثقب الأسود" صغير الكتلة. والشمس إذا ما تحوَّلت إلى "ثقب أسود" فإنَّ طول نصف قطره لن يزيد عن 3000 متر. بحسب مقدار المادة في الجسم، يتحدَّد طول نصف قطر "الثقب الأسود" الذي يُمْكِن أن يتحوَّل إليه هذا الجسم، فمقدار المادة في الشمس، مثلاً، يُخْبِرنا أنَّ تحوُّلها إلى "ثقب أسود" يَسْتَلْزِم تركيز مادة "الكرة الشمسية" حتى يبلغ طول نصف قطرها 3000 متر.

 

"الثقب الأسود" يمكن اعتباره "جسماً أبدياً (تقريباً)". وهو يشبه، لجهة حجمه، "وعاءً مطَّاطياً يمكن مطِّه وتوسيعه إلى ما لا نهاية". في هذا "الوعاء"، الذي لن يمتلأ أبداً، تستقر كل مادة اجتازت سطح "الثقب الأسود" متَّجِهةً إلى عمقه، فيتَّسِع "الوعاء" حجماً، أي أنَّ طول نصف قطر "الثقب الأسود" يزداد، فـ "ينمو" هذا الجسم ("الثقب الأسود"). وهذا لا يتعارض مع "تبخُّرِه"، فهو كماءٍ في قدر تغلي، كلَّما "تبخَّر" جزء منه أُضيف إليه جزء أكبر. وكل مادة تسقط في فم "الثقب الأسود" تصبح في منتهى السخونة. وكل مادة تقترب (في أثناء سقوطها فيه) من سطحه "تستطيل"، أي "تُمَط"، وتزداد طولاً، ونحولاً بالتالي، وكأنَّ فيه قوى للمد، تشدُّ الجسم إلى عمقه، فيستطيل، عموماً، وفي جزئه السفلي على وجه الخصوص. تلك القوى تؤثِّر في ذلك الجسم كما يؤثِّر القمر (أو كما تؤثِّر جاذبية القمر) في مياه المحيطات.

 

إذا تحوَّلت الشمس إلى "ثقب أسود" فإنَّ كل كوكب من كواكبها يظل يدور حَوْلها في المدار ذاته، وبالسرعة ذاتها. وهذا إنَّما يعني أنَّ "الثقب الأسود" يُمْكِن أن يكون "مَرْكَزاً" لِمَا يشبه "النظام الشمسي"، فإنَّ أجساماً كونية يُمْكِن أن تدور حَوْل "ثقب أسود"، على أن تكون بعيدة بما يكفي عن "محيطه"، أي "أُفْق الحدث"، فكل جسم يقترب إلى حدٍّ مُعَيَّن من محيط، أو سطح، "الثقب الأسود" لا يُمْكِنه أن يتَّخِذ مداراً له حَوْله، ولسوف يَسْقُط، بالتالي، في فم "الثقب الأسود"، أو في عُمْق (Singularity) هذا "البئر الكوني". دوران الأجسام حَوْل "الثقب الأسود" لن يكون إلاَّ في مدارات بعيدة بما يكفي عن محيطه.

 

إنَّ مقدار المادة (الكتلة والطاقة) في "الثقب الأسود" يُمْكِن أن يزيد، وأنْ يزيد، بالتالي، طول نصف قطره. ومقدار مادته يُمْكِن أنْ ينقص؛ وليس من تفسير مُقْنِع لهذا النقص سوى أنَّ بعضاً من مادته (من كتلته ومن طاقته) يُمْكِن أن يَفْلَت من "قبضة جاذبيته (غير العادية)" في طريقة ما.

 

وكل "ثقب أسود" في كوننا يُمْكِن النَظَر إليه على أنَّه "كَوْنٌ مُصَغَّر"؛ أمَّا كَوْننا فيُمْكِن النَظَر إليه على أنَّه "ثُقْبٌ أسود مُكَبَّر".

 

و"الثقب الأسود"، في معنى من أهم معانيه، أو في صفة من أهم صفاته، هو الجسم الذي في مقدوره أن يَحْتَجِزَ مادته (كتلته وطاقته) في داخله احتجازاً شبه مُطْلَق. إنَّه يلتهم كل مادة في جواره، أي على مقربة من محيطه؛ ولكنَّه يَمْنَعُ كل مادة في داخله من مغادرته مَنْعاً ليس مُطْلقاً، وإنَّما شبه مُطْلَق.

 

وأحسب أنَّ خير تصوُّر كوزمولوجي هو أنْ نتصوَّر كَوْننا على أنَّه "ثقب أسود ضخم"، يشبه في خواصِّه الجوهرية كل "ثقب أسود" في كَوْننا. وهذا التصوُّر إنَّما يعني، بالتالي، أنَّ كَوْننا هو أحد الأكوان، وأنَّه يتفاعل، ويتبادل التأثير، مع غيره من المادة كما يتفاعل، ويتبادل التأثير، كل "ثقب أسود" في كوننا مع غيره من مادة كَوْننا.

 

ثمَّة من يُعرِّف "الكون" على أنَّه "كل شيء"، مُعْتَبِراً أنَّ الكون واحِدٌ أحَد، فليس من كون ثانٍ، أو آخر. وهذا التصوُّر الكوزمولوجي يَسْتَكْمِلونه بنظرية "النشوء"، فالكون ليس بأزليٍّ، ولا بأبديٍّ بالتالي. ليس بسرمدي. ولقد نشأ بقوَّة يسمُّونها "الانفجار الكبير" Big Bang. ونشوء الكون إنَّما يعني "نشوء كل شيء".. نشوء "الزمان" و"الفضاء"..؛ ونشوء "الجاذبية" Gravity أيضاً؛ لأنَّ "الجاذبية" هي "انحناء الفضاء ـ الزمان"؛ وتأثيرها إنَّما ينتقل من خلال "نسيج الفضاء ـ الزمان".

 

وهذا إنَّما يعني أنْ ليس من شيء يشتمل عليه الكون (مُذْ نشأ) كان موجوداً "قَبْلَ" نشوء الكون بـ "الانفجار الكبير". وعليه، يُلْزِمُكَ، أصحاب هذا التصوُّر الكوزمولوجي، أنْ تقول مُسْتَنْتِجاً: لقد نشأ الكون من "لا شيء"، أي من "العدم" Nothingness.

 

"هندسياً"، هُمْ يتصوَّرون الكون على هيئة "سَطْح بالون (يزداد ويتسارع تمدُّداً)". وهذا السطح إنَّما هو "مكان" يتألَّف من ثلاثة أبعاد (طول وعرض وارتفاع). و"الزمان" هو بُعْده الرابع، على أنْ نفهم أبعاده الأربعة على أنَّها متَّحِدة اتِّحاداً لا انفصام فيه، وتؤلِّف "الزمان ـ المكان (الزمكان)" Space – Time. وهذا "السطح" إنَّما هو "الكون كله"؛ هو المجرَّات والنجوم والفضاء والزمان..

 

ويكفي أن تفهم "الفضاء" على أنَّه جزء من هذا "السطح" فحسب حتى لا يبقى لديكَ من داعٍ منطقي للاعتقاد بوجود "فضاء آخر".. في داخل هذا "البالون"، أو في خارجه. ليس من شيء.. ليس من مادة أو فضاء في داخل، وفي خارج، هذا البالون. إنَّ الفضاء، الذي هو جزء من "سطح البالون"، هو الذي يتمدَّد، فيتمدَّد الكون. وتمدُّد الفضاء ليس بتمدُّد "خالِص مُطْلَق"؛ ذلكَ لأنَّ ثمَّة "مواضِع كونية" تَنْكَمِش فيها "الكُتَل" وتتقلَّص.

 

الكون كله إنَّما يقع على "سطح البالون"، على أنْ نفهم هذا البالون على أنَّه بالون ليس كمثله بالون، فالبالون الذي نَعْرِف يَتَضَمَّن "فضاء"، ويتمدَّد، إذا ما تمدَّد، ضِمْن "فضاء". وفي تمدُّده ضِمْنَ "فضاء" يَتَّسِع "فضاؤه الداخلي"؛ أمَّا "البالون الكوني" فليس من فضاء في داخله أو في خارجه.

 

إنَّ كل جسم، أو جسيم، يميل إلى أنْ يحتفظ بمادته في داخله، كما يميل، في الوقت نفسه، إلى أنْ يُطْلقها ويُحرِّرها. وفي ظاهرة "الثقب الأسود"، نرى المَيْل الأوَّل في درجته العليا. وكل جسم، أو جسيم، تميل مادته إلى "التجمُّع" في حيِّزٍ أصغر فأصغر، كما تميل، في الوقت نفسه، إلى "التبعْثُر" في حيِّزٍ أكبر فأكبر.

 

"الثقب الأسود" يلتهم كل مادة تَدْخُل في "فمه"، أي تجتاز حدَّه الخارجي (أُفق الحدث) متَّجِهةً إلى مَرْكَزِه، فيزداد، كتلةً وحجماً (وزيادة حجمه إنَّما تُتَرْجَم بزيادة نصف قطره). على أنَّ هذا لا يعني أنَّ "الثقب الأسود" يُمْكِنه الاستمرار في احتجاز مادته في داخله إلى الأبد، فهو يَفْقِد طاقة (كتلة) فيتقلَّص حجماً، فيتلاشى تماماً في آخر المطاف (يَتَبَخَّر). وهذا إنَّما يعني أنَّ "الثقب الأسود" لا ينشأ ويُوْجَد إلاَّ في بيئة كونية وفضائية، ينبغي له أن يتفاعل معها بما يؤدِّي إلى تَبَعْثُر وانتشار كل مادته (المُحْتَجَزَة في داخله احتجازا لا مثيل له في قوَّته وشِدَّته) في الفضاء الكوني، متحوَّلةً، بالتالي، ولو بَعْد طول احتجاز، من مادة "ثقب أسود" إلى مادة من نمط، أو أنماط، المادة الكونية التي نَعْرِف.

 

وهذا "التفاعُل"، أو "تبادل التأثير"، نراه بين "الثقب الأسود" و"الفضاء الفارغ Empty Space"، في جواره، والذي ثَبُتَ وتأكَّد أنَّه ليس بـ "الفارغ"، أي ليس بالفضاء الذي يخلو خُلُوَّاً مُطْلَقاً من المادة.

 

"الثقب الأسود"، مهما كان نوعه أو حجمه، ليس بالجسم الكروي الذي له نصف قطر "ثابِت"، أي لا يزيد ولا ينقص، لجهة طوله، فهو يستطيل مع كل زيادة في كتلته (وطاقته) وينكمش مع كل "تَبَخُّرٍ" لطاقته (وكتلته). وهذا إنَّما يعني أنَّ هذا الجسم يظلُّ على هيئة "ثقب أسود" مهما طال أو قَصُر نصف قطره، فليس من تطوُّر له سوى أنْ يَتَّسِع (أو يتقلَّص) بوصفه "سجناً" للمادة، أو أنْ يتلاشى نهائياً، ناثراً كل مادته في الفضاء الخارجي.

 

و"جاذبيته العظمى" إنَّما هي قوَّة متناقضة التأثير، فبفضلها يَحْتَجِز، في داخله، مزيداً من المادة (الكونية) و




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home