دراسات هامة

 

الإسلام ، وحوار الاديان

منير مزيد



الأسلام ، وحوار الاديان الجزء الأول تناصية الموت مع المعرفة والحياة بقلم : منير مزيد سأفتح لك يا جلجامش سرا خفيا أجل سأبوح لك بسر من أسرار الآلهة ملحمة جلجامش لم يلهب خيال الإنسان شيء كما ألهبته فكرة الموت، هذا السر العجيب واللغز المحير، والحدث الحتم، شغل الفكر البشري منذ وجوده، لأنه أدرك أنه حيث توجد حياة يوجد موت، ولم يثر عقله من أفكار كفكرة انعدام العقل ذاته . فما الذي ستكون عليه الحال عندما يمضي إلى النوم ولا يفيق أبدا ؟! يتألف "قلق الموت" من ثلاثة أبعاد، هي: الخوف من الاحتضار، والخوف مما سيحدث بعد الموت، والخوف من توقف الحياة. كما يمكن تمييز أربعة جوانب فيه، هي: الخوف من موت الذات، ومن احتضار الذات، ومن موت الآخرين، ومن احتضار الآخرين. وبرؤية مقاربة، أمكن استخراج أربعة عوامل مستقلة لقلق الموت، هي: الخوف من المجهول، ومن المعاناة، ومن الوحدة، ومن التلاشي الشخصي. منذ بدء التاريخ الواعي للبشرية حتى عصرنا الحاضر وقف الإنسان أمام الموت حائراً مندهشاً، لإنه لم يستطيع فهم كنهه ولا التغلب عليه . فالعقل البشري عجز عن فهم سر حقيقة الموت، فهو لغز محير لا يدركه إنسان حي، لأن الإنسان بعد الموت لا يستطيع إخبارنا عنه.. فالموت هو ذاك المكان القصي البعيد الذي تتصارع فيه قوى امكانية الرعب للاوجود وقوى الرعب في الوجود حيث يسقط الوجود الإنساني متجها نحو مجهول غير محدد الأطر، يتأرجح بين السكينة اللامتناهية أو الهيام الأبدي. ناقشت الفلسفات الإنسانية والديانات القديمة والتوحيدية اشكالية الموت واعتبرته مشكلة من عدة نواح ويبدو أن إشكالية الموت هي أكثر تعقيدا وغموضا من اشكالية أي قضية انسانية أخرى، فقد تناولت الفلسفات والديانات مفاهيم الموت وماهيته وعلاقته بالحرية والمسؤولية وفي إطار ذلك علاقة الذاتي بالموضوعي والأنا الفردية بالأنا الكلية وصولا للمعرفة الإنسانية وكل ذلك في إطار فلسفة الحياة والموت وتأثيرها على النواميس والعلاقات الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية في المجتمع. ففي العصور البدائية لم يكن الموت بعد لازمة ضرورية للوضع البشري، إذ كان يُعتقد أن الانسان ولد خالداً، لكن الآلهة هي التي بعثت بالموت بعد أن أخذتها الغيرة من الانسان الذي طردها من الأرض. أما المصريون القدماء فاتخذوا من التحنيط وسيلة للتخليد وانكار الفناء. فالموت لديهم تغيير للشكل فحسب، وهو وسيلة لإعادة الحياة من جديد ، إلا أن الفلسفة اليونانية نظرت الى الموت باعتباره المصير الطبيعي للبشر، وإن الموت، من ناحية، موضوع ينطوي على كثير من المفارقات والمتناقضات، وهو من ناحية ثانية، موضوع كريه، مزعج لا يشجع على التفكير أو الحديث... مرتبط بالذبول .. والسقوط فهوميروس يجعل ظل "أخيل" يعبر عن وجهة النظر السائدة:- " أناشدك يا أوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت ، فأن تعيش على الأرض، عبد الآخر... خير من أن تحكم كملك لا ينازعه السلطان أحد في مملكة الأشباح اللاجسدية." أما أنه ينطوي على كثير من المفارقات، فهذا واضح من مجرد النظرة العابرة إلى طبيعته، فطبيعة الموت في الكلية المطلقة، فجميع البشر فانون لا محالة قال تعالى: " كل نفس ذائقة الموت" إن طبيعة الموت هي الحجة الأخيرة لسقراط على نحو ما يروي أكزيفوفون: " ألم تعلموا جميعا أن الطبيعة حكمت علي بالموت منذ لحظة ولادتي؟" فالموت عند سقراط هو حكمة (الله) في كونه. فلا بد للأشياء بعد أن تكون أن لا تكون. فالموت (واجب) وهو من الله . وعلينا أن لا نخشاه. وعندما أعلن الحكم على سقراط بالموت. قال سقراط: فليس لأحد أن يخاف الموت، لأنه إما أن يكون نوماً بلا أحلام, وإما أن يكون حياة في عالم آخر". إذاً. ماذا بعد الموت؟ يرى سقراط: "أني لما كنت لا أمتلك أية معرفة عما هو آتٍ بعد الموت.. فإني لا أشعر أبداً بالكراهية والخوف من شيء. كل ما أعرفه أنه قد يكون خيراً أو بركة". ومن هنا يقدم لنا سقراط على طبق من ذهب قضية الثواب والعقاب فيما بعد الموت.‏ ويرى أفلاطون أن الموت نعمة ما دام هو خلاص النفس من آثامها، لأن النفس ستعود إلى موضعها في العالم العلوي، عالم المثل.‏ في حين آمن "ارسطو" بخلود العقل الذي يأتي الى الانسان من الخارج. إنه العنصر الالهي في الانسان، وهو وحده الذي لا يفنى عند الموت. أي أن الحياة ليست غريبة عن الله. لأنه هو الحياة التي هي أكثر كمالاً. وحياته هي حياة العقل. فيؤكد أرسطو على العلاقة بين الله والإنسان كعلاقة صورية بحتة. فالإنسان يستطيع أن يعرف الله ويكون منه بمنزلة الجزء من الكل عن طريق العقل. والنفس هي "كمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة". وهي مستقلة عن الجسم. وهي التي تحفظ وحدة الجسم. والكائن الحي هو جدل العلاقة بين النفس والجسد.‏ أما الموت بالنسبة لأبيقور ليس أكثر من حركة هذه الذرات: "حين يحل الموت تفقد ذرات النفس تماسكها مع الجسم وتتبعثر، فاقدة الإحساس بنفسها". وعلى هذا النحو يثبت أبيقور: "أن الخوف من الموت أمر يتنافى مع العقل، لأن الموت نفسه ليس شيئاً يمكننا أن نجربه". في الوقت نظر (أنطستانس ) إلى الموت نظرة تجريدية إذ لم يعتبر الموت شراً, لأن الشر سوء والموت ليس بسوء. فالإنسان عندما يموت لا يشعر بشيء. لم ينازعوا في وجود الآلهة. فالإله واحد لا مرئي لا يجسم ولا يشبه. وعبادة الآلهة فضيلة.‏ وقد بشرت البوذية أن الموت ليس شراً بحد ذاته، بل وسيلة للتحرر من مظاهر الحياة الخداعة، عبر فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة (النيرفانا). أما في الاسلام فلم يعد الموت ذلك الكائن المجهول الذي يبث الخوف والرهبة في النفوس، ولكنه قضاء الله وحكمته في أن يعيش الانسان عمراً زائلاً في الدنيا، ثم يعيش عمراً خالداً في الآخرة. قال تعالى : ((وإنا لنحنُ نحيي ونميتُ ونحن الوارثون)) ، (سورة الحـِجر- الآية 23 ) .‏ وفي الفلسفة الحديثة، يقول هدغر:" لقد وصلنا إلى الاكتشاف المربك القائل بأن الإنسان منذ البداية ذاتها محتضر، وهذه المعرفة تسود وتخصب فلسفتنا بأسرها".‏ فبينما أن الوجود الإنساني هو كائن فإنه يبقى بالفعل ممثلا لما لم يكتمل بعد ( أي يمثل نهايته هو ذاته) والنهاية برأي هدغر لا تعني الوصول إلى العدم الوجودي، وإنما إلى الوجود نحو النهاية، فالموت هو وجودي يحمله الوجود على كاهله بمجرد كينونته . نظر "هيغل" الى الموت بوصفه مرحلة من مراحل تجلي "الحقيقة المطلقة"، يتوحد فيه ما هو إلهي مع ما هو إنساني. ورفضت الوجودية الموت كونه عبثاً مفروضاً على الانسان، إذ رأى فيه "سارتر" نقيضاً للحرية: "الموت ليس امكانيتي.. إنما هو الاحباط المحتمل دائماً لما هو ممكن بالنسبة لي، والذي يقع خارج نطاق امكانيتي... ولأن الموت لا يضرب جذوره في حريتنا، فليس بمقدوره إلا أن يحرم الحياة من كل معنى". فالموت عنده يكشف النقاب عن حريتنا,وهذه هي وظيفته الأولى,بل إن المرء قد يتجاوز ذلك فيذهب إلى القول بان الموت لا يحقق فحسب الكشف عن الحرية بل يحرر الإنسان بالفعل من عبء الوجود . وكتب "البير كامو" في "أسطورة سيزيف": " الموت هو المشكلة الحقيقية الفلسفية الجادة الوحيدة في الحياة" . ومن الطبيعة المتناقضة للموت أيضا أنه يجمع بين "اليقين" "واللايقين" فأنا أعرف بالضرورة أنني سأموت، ولكنني لا أعرف مطلقاً متى سيكون ذلك. أو كما قال "باسكال": " إن كل ما أعرفه هو أنه لا بد لي أن أموت عما قريب، ولكنني لا أجهل شيئا قدر ما أجهل هذا الموت الذي ليس لي عليه يدان." فالموت اذن " حدّية" تتضارب بين النهائية والوسطية. وهذه بالطبع تلقي بنا بالضرورة إلى ما وراء هذا الحد. فقدر كبير من دراسة الموت طوال التاريخ كان موجهاً في الحقيقة لدراسة ما بعد الموت. وقد ربطت الديانات بين مفهوم الموت كحد وسطي وبين اعتماد بعدية الموت بأسبقيته، فتحولت دراسات الموت نتاج ذلك إلى دراسة مدركة الخلود. يرتبط الموت بالحرية معتمدا على التفسيرات الدينية في الوقت الذي لا توجد فيه الحرية، إلا إذا كانت هناك حياة ووجود. فينطلق الكون إلى ثلاثة محاور رئيسة تميزه كظاهرة لمجموعة ليحول ذاته إلى مدركة فالمحور الأول إن الموت هو إمكانية بالغة الخصوصية، والثاني أنه لا يرتبط بشيء والمحور الأخير أنه- الموت- امكانية لا يمكن للمرء أن يتخطاها .. فأصبح هذا المفهوم المدرك حتمياً موجها إلى حرية غير مدركة ... فمن أين جاء هذا الارتباط بين مفهومي الموت والحرية؟؟ يقال أن الموت دخل العالم بسبب خطيئة آدم التي أدت إلى طرده من عالم الخلد وأصبح لأول مرة قابلاًَ للفناء والموت.. ولما كانت الخطيئة الأولى تعبيرا عن ممارسة الإنسان لحريته لأول مرة فقد كان هناك ارتباط وثيق بين الموت والحرية. فالله نهاه أن يأكل من الشجرة التي في الجنة وكان الخطاب موجها إلى الزوجين الأولين آدم وحواء حيث خاطبهما الخالق عزوجل بقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة" واختار آدم وحواء بإغواء إبليس لهما حيث يقول النص القرآني أن الشيطان وسوس لهما أن يأكلا من هذه الشجرة المحرمة، وهنا تحدث المفاجأة التي لم يتوقعاها، حيث بدت لهم سوآتهما، فأخذا يخصفان من ورق الجنة، ويغطيان عورتيهما وبذا يكون الحياء من اظهار العورة هو من اشد ضروريات الفطرة الإنسانية. الموت يُعرف على نحو حدسي ، فالموت أمر قبلي ، خلقت الحياة وخلق الضد معها. يقول ماكس شلر: " حيث أن الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة أو بإخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك وإنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة وفي قلب تجربة الاستهلاك المستمر لهذه الحياة، في خلال الحياة المعايشة التي يدعوها " التجربة الداخلية المتجهة نحو الموت ". وهكذا فإن الموت ليس مجرد أحد المكونات التجريبية لخبراتنا، وإنما هو ينتمي إلى جوهر معايشة كافة الحيوانات الأخرى، وحياتنا كذلك، وعلى هذا النحو فإن حياتنا تمضي نحو الموت، إنه ليس إطارا ثبت بالصدفة المحضة حول صورة عمليات فيزيائية وفسيولوجية عديدة، وإنما هو اطار ينتمي إلى الصورة ذاتها. فالموت ليس جدار ترتطم به في الظلام وليس سحقاً للكائن الحي على يد قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت يحدث بتأثير تلك القوى، لكنه متضمن في عملية الحياة ذاتها، إن ملاقاة الموت هي، على نحو ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار بقدر ما يتعين علينا أن نعزو لكل حياة شكلا من أشكال الوعي، ينبغي علينا أن نعزو إليها أيضا ضرباً من اليقين الحدسي بالموت . فالموت يأتي ويتحكم في الطفل الذي يرقد بين ذراعي أمه كما يتحكم في الرجل الذي بلغ من الكبر عتيّا نص مصري قديم ويرتبط الموت أيضا " بالخلق من العدم" ومن هنا كانت الحياة بسبب أنها مخلوقة مرتبطة بالموت وكان الوجود لإنه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه ومن ثم، فكل الوجود يميل بطبعه إلى الفناء وكل حياة يكمن الموت في جوفها. وترتبط مشكلة الموت من حيث ادراكها بالشخصية مع أن الموت اساسا هو قضاء على الشخصية، فكلما كانت الشعوب انضج وأقوى شخصية، كان الإنسان أقدر على إدراك الموت ومن هنا، نجد أن الإنسان البدائي والإنسان الساذج لا يمثل الموت عنده مشكلة وهذه السذاجة هي الاتجاه الذي يدعو إليه بعض الفلاسفة المحدثين فيكتب " بردياييف" رداً عليهم: " إنني لا أميل إلى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل " تولستوي" على سبيل المثال، لكنني شعرت بألم حاد إزاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في إعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الأساسية للحياة، فالموت حدث أكثر أهمية وحيوية للحياة من الميلاد. بينما يحتج كونفوشيوس بعدم دراسته للموت: " إننا لا نعرف أي شيء عن الحياة، فكيف نستطيع أن نعرف شيئا عن الموت؟ " بينما يذهب أبيقور للقول:" إن مهمة الفلسفة أن تداوي جراح القلب ". والفلسفة ما تزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح سببها الموت فمن يهمل فكرة الموت يفصل نفسه عن ينابيع المعرفة الأساسية التي تنشط البحث الفلسفي بقوة تضاهي الفضول العقلي والدهشة. إذن كان الموت الشغل الشاغل للبشرية طوال تاريخها ولعل هذا ما عناه أفلاطون بقوله:" الفلسفة تأمل الموت وهو نفسه الذي أغرى الفيلسوف الألماني شوبنهاور لكي يقول: "الموت هو الموضوع الرئيسي للفلسفة والملهم الأكبر للتفكير الفلسفي، بل إن بعض الفلاسفة والمؤرخين ذهبوا بعيداُ في إعطاء الموت دوراً استثنائيا في التاريخ البشري مثل المؤرخ المشهور (وول ديورانت) صاحب كتاب "قصة الحضارة" الذي قال: "الموت أصل الديانات كلها" أي أن الديانات كانت استجابة لقلق الإنسان تجاه الموت ومن خلال معالجتها لهذه الظاهرة وضعت إطار الفلسفة للحياة والوجود". إن أشكالية الموت متعددة الجوانب ، متداخلة المفاهيم ، فهناك الموت البيولوجي والموت الإنساني وعلاقة الروح بالجسد ، وارتباط الموت بما قبله وما بعده وغير ذلك ، مما جعلها الأكثر تعقيدا من أية قضية إنسانية أخرى ، ومن هنا فأن دورة الحياة والموت والبعث هي الفكرة الاساسية التي يتمركز حولها لا شعور الفرد في الماضي والحاضر . الذبول ، الارتخاء ، غرفة صغيرة ، ما يختصر الموت في أطر تجريدية ، ولكن أليس الموت هو الطريق الأقرب إلى الله ، من الشك إلى اليقين ؟ " وبصرك اليوم حديد" . فلغز الموت يقود بجملته إلى البحث في أعماق الروح وأسرارها ، هل هي عرض ، ارتباطها بالنفس ، فناؤها ، خلودها ، بعثها ، أزليتها ، مقرها ، عمرها ؟ فالروح بالضرورة هي الخيط الذي يقود إلى الخلود ـ الطموح والحلم الإنساني الأمثل ـ وهي بحد ذاتها السعي في عالم المثل وأطر الأكتمال . فالايمان بالروح وخلودها يقود إلى عالم المثل والفضيلة اللاقياسية بمحدودية المعرفة . بينما ظلت الروح عالقة في شباك أسئلة الموت ظل الخلود واقعا في شباك ثنائية الجسد والروح . آمنت الديانات الرافدية بوجود عالم آخر بل وحددوا مفاهيم حول هذا العالم الآخر أكثر من تحديدهم لماهية الموت والروح، فهو عالم غريب تسكنه الأطياف التعسة ويهوي إليه الموتى دون تمييز بينهم ، مطلقين عليه( دار الظلمة)، بينما احتكرت الآلهة الجنة لها وتركت الرطوبة والعفن والظلمة مأوى لبني البشر . وبهذا عجزت حضارة ما بين الرافدين عن ادراك ماهية الموت ، تاركة ذلك الفهم في تصاريف الآلهة ، لذلك لم تحاول التعمق كثيرا في ظاهرة الموت، ولم تبلغ ثقافة أبناء الرافدين درجة من التطور تؤهلها للتوصل إلى ابداء الرأي في ماهية الروح . ومع ذلك ، ففي بعض أساطيرهم ونصوصهم اللاحقة ما يوحي بجود فكرة غامضة تقترب من فكرة الروح المتزاوجة مع البدن . " لقد بدل هيئتي فصارت يداي مثل جناحي طائر مكسوتين بالريش ." وقد غلب على تصورهم ، في مرحلة من المراحل ، أن أرواح الموتى تكون على شكل طيور وهو نفس التصور الذي نجدة عند الفراعنة وفي الأدب العربي الجاهلي قبل ظهور الإسلام. وكما أنهم لم يتوصلوا إلى فكرة البعث والحساب ، الثواب والعقاب ، اللتين تعودان إلى الخلود في عالم آخر سواء في الجنة (النعيم) أو في النار ( الجحيم ) . بينما أكدت الديانة المصرية القديمة على فكرة الخلود من خلال البعث بعد الموت ، فقد رأوا أن الموت هو الباب لحياة خالدة ، والطقوس الدينية الممر والطريق إلى الآخرة . لهذا لم يهتموا يايجاد طريقة لاطالة الحياة أو البحث عن أكسير الحياة ، كما فعل جلجامش ، وبنفس الوقت لم يستطيعوا حل لغز الموت .فالميت عندهم يبعث حيا ، وروحه ستتألم أن لم تقدم لها القرابين من طعام وشراب. لقد قاد الكهنة هذا الاعتقاد ، لذلك ظل المصري الساذج يقدم هذة القرابين للألهة . مع ذلك ، لم تكن لديهم فكرة عن الطريقة أو المكان الذي يحيا فيه الميت ، فاعتقدوا نها مثل حياة الدنيا ، لا تختلف معاييرها ، ولكن في مكان آخر ، آمنوا بالحساب وبوجود النعيم والجحيم في الآخرة، بحيث يجلس أثنان وأربعون مارد غريب ، رؤوسهم كهيئة الثعابين أو الصقور أو العقبان أو الأكباش وفي يد كل منهم مدية ، وعلى المتوفي أن يعترف ببراءته ، فأن استطاع أن يثبت أنه لم يرتكب أية خطيئة من الخطايا الاثنين والاربعين ، وأظهر الميزان الذي يوزن فيه قلبه بأنه بريء ، عندئذ يأخذه كاتب الآلهة بيده . أن هذه المحكمة تتشكل برئاسة ( أوزاريس) ليزن قلبه ، وبعد المحاسبة يمر على الصراط وهو طريق ممدود فوق الجحيم ، فأذا اجتازه ، فقد نجا وارتقى إلى مرتبة الآلهة ، وإذا سقط من فوقه ، انتهى إلى واد سحيق فيه الأفاعي التي ستتولى عقابه . أما الديانة الزرادشتية فقد أشارت إلى وجود الروح ولم تحدد ماهيتها ولا علاقتها بالجسد ، واعتقدت أن الروح خلقت قبل الجسد ولم تحدد هل العقاب للجسد والروح معا ، أم للروح وحدها ، إلا أنها أكدت على أن الروح تتعرض للحساب في كل الحالات . فأرواح الموتى تجتاز قنطرة تصفى فيها تلك الأرواح ، فالأرواح الطيبة تستقبلها فتاة عذراء في غاية الجمال والبهاء وهناك تعيش مع ( أهورا مزدا) سعيدة منعمة إلى الأبد. فيما تقع الأرواح الخيثة في جحيم الهاوية حيث الظلمة المرعبة، ويتناسب العمق حسب حجم الذنوب. في حين اهتمت البراهمية ( الديانة الهندوسية ) بالموت والروح ، وفصلت عقائدها بين الجسد الذي أهملته وبين الروح التي هي جوهر يسعى للاتحاد مع الروح الكبرى ، انطلاقا من وحدة الوجود . فالجسد البراهيمي هو الذي يموت فقط ويفنى ، أما الروح خالدة . فالروح الطيبة تعيش في السماء مع ملك الموتى ، حياة مليئة بالمسرت ، لهذا قال ( باسيدو) محرضا (آرجن) على القتال : " أن كنت بالقضاء السابق مؤمنا ، فاعلم أنهم ليسوا ولا نحن معاً بموتى ولا ذاهبين ذهاباً لا رجوع معه، فإن الأرواح غير مائتة ولا متغيرة، وإنما تتردد في الأبدان على تغاير الإنسان من الطفولة إلى الشباب والكهولة ثم الشيخوخة، التي عقباها موت البدن ثم العود. وقال له: وكيف يذكر الموت والقتل من عرف أن النفس أبدية الوجود، لا عن ولادة، ولا إلى تلف وعدم، بل هي ثابتة قائمة، لا سيف يقطعها، ولا نار تحرقها، ولا ماء يغصها، ولا ريح تيبسها، لكنها تنتقل من بدنها إذا عتق (أي أصبح قديماً لا يصلح لاحتمال الروح ) نحو آخر ليس كذلك، كما يستبدل البدن اللباس إذا خلق (أي بلى)، فماذا غمك لنفس لا تبيد؟ " . فالبراهمية تقوم على اتجاهين رئيسيي من الثوابت الفلسفية الهندية على مر العصور :- الأول هو الذات البراهمية ، أي تقمص الروح الفردية في الروح الأزلية تقمصا يعتبر خلاصة الروحانية البراهمية . والثاني هو التناسخ ، أي تنقل الروح بأستمرار. إلا أن النصوص الدينية القديمة للديانة البرهمية لم تشر إلى ما يسمى بـ (تناسخ الأرواح)، بقدر تركيزها على البعث بعد الموت ، فلو نظرنا إلى تلك النصوص، ولوجدنا كيف قام رجال الدين في تلك الديانة بتحريف هذا المعنى الواضح كل الوضوح والذي يدل على البعث بعد الموت، قد حرفوه إلى ما يسمى بـ (تناسخ الأرواح)، بل إن من العجيب والغريب في الوقت ذاته أن جميع الباحثين الذين تناولوا هذه الديانة بالبحث والدراسة، قد أقروا بهذا التحريف ، مع ذلك ، يجمع الكثير من الباحثين على أن الديانة البراهمية (الهندوسية) الإيمان فيها بتناسخ الأرواح من صلب عقيدتها، وقد اعتمد هؤلاء الباحثون والدارسون في إقرارهم بذلك على ما جاء من تفسيرات وشروحات وفهم لرجال الدين القدماء الذين هم من ابتدعوا خرافة تناسخ الأرواح، ولم يكلف هؤلاء الباحثون أنفسهم عناء النظر في النصوص الأولى وتدبرها وفقهها بعيدا عن تفسيرات وفقه رجال الدين البراهمة، مما جعل هؤلاء الباحثون يقطعون بأن عقيدة تناسخ الأرواح هي عقيدة أصلية ثابتة لهذه الديانة . بينما الروح عند ( بوذا ) هي رغبة وسلوك وتتحد بللانهاية اللاوعية ، لأن الإنسان مركب جسدي ، يملك قوى يتحرك بها ، والآت يشعر بها ، وهو بحواسه ومشاعره يتصل بالعالم الخارجي ، أما طبعه فيشتمل على النزعات والكفاءات المنتجه من الماضي وهي إرث له من الحياة التي عاشها في الماضي ، وتكيف شخصيته التي يبدأ بها حياة جديدة ، لأن الحياة الداخلية للشخص ليست إلا سلسلة من الخيالات والرغبات والعواطف . فالروح عنده ليست إلا ميل نحو سلوك معين أو هوى لاتجاه بذاته كونته الوراثة والخبرة العابرة من تجارب الحياة ، فمن المستحيل أن يطبق على هذه النفس أو الذات معنى الخلود فهذا يعني أن الروح (النفس) تنتقل من جسم إلى جسم آخر ، لأن الروح لا تفنى ولا تبيد ، وقد أخذ البوذيون هذا المبدأ الإعتقادي من الديانة البراهمية ، التي تُعْتَبر البوذية أرقى صورة من صورها ، وفرعا من فروعها . فإذا تخلصت الروح من الجسم بالموت يكون أمامها عوالم ثلاث : العالم الأول : العالم الأعلى وهو عالم الملائكة ، فتصعد إليه إن كانت تستحق الصعود بعملها فتتحد به. العالم الثاني : عالم الناس وهو عالم معشر الآدميين ، فالروح تدخل إليه وتحل فيه لتكتسب خيرا أو تتجنب شرا ، وذلك إذا كانت أعمالها في الجسم الأول لا ترفعها إلا مراتب القديسين ، ولا تنزل بها إلى العالم الثالث عالم أسفل السافلين . العالم الثالث : عالم جهنم وهذا العالم للأرواح المرتكبة للخطايا والذنوب ، وليست جهنم واحدة ، بل لكل فئة مذنبة بذنب معين جهنمها الخاص بها ، فالسارقون لهم جهنم خاص بهم ، والمهينون للكتب المقدسة لهم جهنم تختص بهم. أما مفهوم الروح عند العرب قبل الأسلام ، فهي قريبة جدا من كلمة ريح مما جعل البعض يعتقد إن مصدر ومعنى كلمة الروح هي "ذَات لَطِيفَة كَالْهَوَاءِ سَارِيَة فِي الْجَسَد كَسَرَيَانِ الْمَاء فِي عُرُوق الشَّجَر" ومما زاد من صحة هذه القناعة لدى البعض إن الروح تنفخ كالريح ولكنها ليست ريحا بمفهوم الريح . لقد أقرت التوراة ( الديانة اليهودية ) بوجود الروح وقد فرقت بين الروح والجسد ، وجعلتهما ثنائية . فالجسد هو المادة أما الروح فهي الحياة المحركة له. "وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة . فصار آدم نفسا حية".( سفر التكوين 7/2 ) لم تتعمق الديانة اليهودية في الحديث عن ماهية الروح أو تركيبها ووظائفها وخلقها ومصيرها بعد الموت ، إلا أن هناك إشارة بأنها تنطلق من الجسم بعد الموت وتذهب إلى خالقها : " فيرجع التراب إلى الأرض كما كان ، وترجع الروح إلى الله الذي أعطاها " (جامعة 7/12 ) . " وبعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله " ( أيوب 6/19 ) . أما القيامة في الديانة اليهودية ، هي تعبير عن غضب الرب على عباده ، وأظهار قدرته التي تفوق قوى الطبيعة والبشر . " لذلك أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها من سخط رب الجنود وفي يوم حمو غضبه، ويكونون كظبي طريد وغنم بلا من يجمعها ، يلتفتون كل واحد إلى شعبه ، ويهربون كل واحد إلى أرضه ." ( أشعيا 13/13 ) . أما المسيحية تعتبر الروح بمثابة الكينونة الخالدة للإنسان وإن الخالق الأعظم بعد وفاة الإنسان إما يكافئ أو يعاقب الروح ويوجد في العهد الجديد من الكتاب المقدس وعلى لسان المسيح ذكر الروح و تشبيهه برداء رائع أروع من كل ما كان يملكه سليمان . هناك إجماع في المسيحية إن الوصول للمعرفة الحقيقية عن ماهية الروح هو أمر مستحيل واستنادا إلى المفكر المسيحي أورليس أوغسطينس (354 - 430) فإن الروح عبارة عن مادة خاصة و فريدة غرضها التحكم في الجسد. أما فكرة البعث عند المسيحية فكرة مهمة لذاتها وبذاتها ، وليست تمهيدا لحساب أو عقاب . فالأساس هو عملية البعث ذاتها ، كمرحلة مقابلة أمام الموت ، وهي التحول من الجسدية إلى الروحانية ، ومن الحيوانية إلى الروحانية. " هكذا أيضا قيامة الاموات، يزرع في فساد ويقام في عدم ، يزرع في هوان ، ويقام في مجد ، يزرع في ضعف ويقام في قوة ، يزرع جسما حيوانيا ، ويقام جسما روحانيا ." ( كورنثوس ) . أما الروح في البهائية هي قيمة عالية لا تتأثر باحوال الجسد من ضعف او مرض و أورد مثالا جاء فيه إن الإنسان الخرائي يشعر بالضعف او الضياع نتيجة وجود معوقات تمنع تواصل الروح بالجسد وعليه فإن ضعف الجسد هو نتيجة إنعدام الإرتباط بالروح التي تحافظ على نقاءها و قوتها في جميع الأحوال مثل الغمامة( معوق التواصل ) التي تحجب الشمس (الروح) عن الأرض الجسد. تعتبر البهائية الروح كينونة خالدة وإنها بعد إنفصالها عن الجسد ستستمر بالإرتقاء لحين تصبح مهيئة لملاقاة الخالق ويرى البهائيون إن الجنة و الجحيم هما رمزان لمدى إقتراب او إبتعاد الروح من الخالق . أما مفهوم وماهية الروح في الأسلام فلا يوجد تعريف دقيق لكلمة الروح إلا انها أمر لا ينبغي الخوض به لمحدودية العلم البشري فقد جاء في آخر سورة الإسراء: وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً [الإسراء:85] وقد وصفها الله عز وجلا بالتوفي والامساك والارسال ، كما وصفها بالدخول والخروج والرجوع والتسوية فقد قال تعال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }. فالله يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها‏.‏ ‏لقد اخبرنا النبى محمد صلى الله عليه و سلم أن بصر الميت يتبع نفسه إذا قبضت وأخبر أن الملك يقبضها فتأخذها الملائكة من يده ، فيوجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض أو كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض . أخيرأ تصعد إلى السماء ويصلي عليها كل ملك وتفتح لها أبواب السماء فتصعد من سماء إلى سماء حتى تنتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل ، فتتوقف بين يديه. ويأمر بكتابة أسمه في ديوان أهل عليين أو ديوان أهل سجين ، ومن ثم ترد إلى الأرض . أما روح الكافر تطرح طرحا ، وأنها تدخل مع البدن في القبر للسؤال.. يموت الجسد وتموت الذات بينما تبقى الروح في البرزخ ليوم البعث. الجزء الثاني الدعوة والحوار فالأسلام جاء مكملاً للأديان، ومصححا للانحرافات والخلل الذي طرأ عليهم ، فقد أكمل به الله الدين لأهل الأرض وارتضاه للناس كافة، ولم يقوم على أساس الإلغاء أو الإقصاء ، وانما على الدعوة والحوار : لقوله تعالى : (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل:125 ولقوله تعالى : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {256} البقرة ولقوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ {68} المائدة ولقوله تعالى: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ{30} الرعد الاختلاف في الرؤى والتفكير سنة طبيعية لا يمكن رفعها نهائياً في أي مكان أو أي زمان ، ولا تستحق مهما كانت تلك الاختلافات في الرؤى والأفكار أن يكون ثمنها تصفيه الآخر وإقصاءه. فالاختلافات والاجتهادات الفقيه لها ما يبررها ، أما أن يصل الأمر لحد النزاع أو التكفير ، فهو أمر مرفوض قطعيا .فالأسلام ليس وديعة أو ملك لطرف ما ، لينكره على الطرف الآخر .والله جل وعلا هو الحافظ الوحيد لدينه وكتابه. لقوله تعالى : نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ {9} الحجر و المسلم لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين ربه ، لقوله تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون { 186} البقرة .. فلا رهبنة في الأسلام أو اوصياء على دين الله .. "وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا " {27 } الحديد.. يتبع ....




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home