قصة

 

النهاية

م. علي أحمد ناصر



          لاحظت من طرف عينها شدة توتره الزائدة ، فتوجست خيفة، و بدأت أسوأ الظنون تغزو هواجسها .

" ربما تعرَّض للتوبيخ مرة أخرى بسبب انصرافه المبكر جداً من عمله كي يحضرني من هذه المدرسة البعيدة !! "

 "يا لهم من بشر غير متفهمين!!"

" لو كانت زوجة مديره تعمل مدرِّسة مثلي لحنَّ قلبه عليهما ، و لكن لابد من إيجاد حل للمشكلة، لابد.."

      

همَّت بالحديث معه ، لكنها آثرت الصمت فسرعته الزائدة و توتر أعصابه قد يتسببان بحادث لا تحمد عقباه ، على الأقل قد يتهور أكثر بالقيادة فينحرف عن الطريق ، ثم يقف فجأة ليبدأ المحاضرة اليومية الذاخرة بالشتائم ، على التعليم و من حفَّز المرأة على العمل ، لكنه سيهدأ عندما يتذكر أنه من اختارها معلمة بل و برغبة جامحة، فمن يتزوج معلمة براتب لا يقل كثيراً عن مرتبة له حظ كبير في رغد العيش في ظل بطالة تزداد يوماً بعد يوم للشباب أنفسهم!

تململت ثانية في مقعدها قربه و سيارة الصالون الحديثة تشق الغبار في هذه الطريق الصحراوية الطويلة ، حاولت العثور بنظرها على الشجرة البرية الوحيدة ، التي تنصف السبعين ميلاً بين البلدة التي تعلِّم بها و الطريق السريع الموصل إلى المدينة ، لكنها لم تر شيئاً يدل على الحياة بل صحراء متناهية الآفاق و آثار سيارات ، فآثرت عدم الخوض في حديث قد يجلب المتاعب مع الزوج العابس في مرآة السيارة العاكسة ، و كأنه يهرب من سيارة تطارده او يشاكس أخرى فلا يترك لها ممراً لتتجاوزه...

ضحكت في سرها عندما تذكرت جنون قيادته على الطرق السريعة في الصيف الفائت وخلال شهر العسل الذي تحول بسرعة إلى شهر بصل بسبب تعيينها في هذه البلدة البعيدة جداً و التي قد تسبب بفصل أحدهما من العمل لتكرار الغياب ، خاصة بعد فشل جميع الوساطات لتقريب مكان عمل أحدهما للآخر.

 

       لم يكن الزوج الصامت أقلَّ حرجاً منها ، فالسيارة التي تتبعهما مُذ خرجا من البلدة مازالت بعيدة ، لكن خطرها باق خاصة أن أحد ركابها الثلاثة كان يخرج رأسه من النافذة ملوحاً بيده بإشارات لا أخلاقية بين الحين و الآخر ، والجميع يضحكون و ربما يصرخون ، لكن اتجاه الهواء المعاكس لسيرهم منع وصول الأصوات ، مما أدى لبعض طمأنينة الزوج الخائف من اطلاع زوجته على واقع المطاردة فتبدأ الولولة والإرباك الذي قد يزيد الطين بللاً.

       عشرات الهواجس المزعجة تصارعت لاحتلال هدوء لم يعتده ، لو كان ترخيص المسدس جاهزاً لما تردَّد في وضعه أمامه ، أوفي حقيبتها ، حتى المسدس القديم غير المرخص نسيه في البيت على بعد أكثر من مئة ميل  ، لم ينسه فعلا بل كان تأخره في الانطلاق من مكتب مديره بعد مشاحناتهما بسبب خروجه الاضطراري سبباً في تسرعه ، و التوجه فوراً خارج المدينة دون العروج للبيت ، و اصطحاب المسدس .

 

 " ماذا لو كان هؤلاء الفتية يحملون سلاحاً ؟! "

 

تساؤل وجيه!...

 

 " لا..لا..لا ... لو كانوا يحملون سلاحاً لما اضطروا أنفسهم لقطع عشرين ميلاً على الأقل حتى الآن دون إطلاق رصاصة واحدة ،بل مشطاً من الرصاص للترهيب ! "

 

 و لنالوا من شرفه ما يرغبون...

" أعوذ باللـه من سيء الظنون"

 

 انتبه لنفسه و تململ بعصبية زائدة شاتماً المسؤولية الفادحة التي ركّبها على عاتقيه الطريين مبكراً بالزواج..

 

ماذا يفعل لو استطاعوا تجاوزه أو حتى الوصول لسيارته و صدمها و تعطيلها!!

لا.. لا يمكن تصور ما قد يحدث ، واحد ضد ثلاثة شبان من أهل هذه الرمال ، سيمسكه إثنان ويفعل الثالث مراده!

لا..لا.. لا ... يفضل الموت ، نعم الموت ، دون ذلك!! و لكن هل يرحموه بقتله قبل ذلك ، الشك موجود خاصة نحو شبان يبدو أن الأخلاق و الدين بمنأى عنهم..

السلاح الوحيد هو قضيب الحديد الذي يستخدمه لرفع السيارة عتد تغيير إطار مثقوب ، و هذا عمل لم يقم به سابقاً لعدم الاضطرار فالسيارة حديثة و هذا ما جعلها تفوز بهذا السباق و لله الحمد..

 

" انتبه، انتبه، البعير أمامك ألا تراها؟!!"

 

نظر في المرآة العاكسة ، المطاردون يرفعون راية حمراء و يلوحون بها ، راية الدم ، و قطيع البعير يتجاوز بخيلاء الأفق أمامهم.

 

" البعير أمامكم و العدو  من ورائكم .."

 

- اربطي الحزام..قلت لك ألف مرة أن تتعودي ربط الحزام.....

و مال بسيارته دون إبطاء نحو اليسار لتجاوز مقدمة طابور البعير التي انتشرت هنا و هناك مما جعل فرصة الموت تحت أحدها شبه محتمة عند أي اصطدام.

 

" إنها ميتةٌ شريفةٌ "

 

 فكّر قليلاً قبل أن يتجه نحو بعير ضخم الجثة عال و يبدو عليه كرامة الأصل و السن.

 

- ما بك ! انتبه ستقتلنا بتهورك ؟

- أليس أفضل من قتلك بفاحشة؟

 

عندها فقط تأكدت من صدق هواجسها و نظرت للخلف لترى شابين قد خرجا من كبين السائق نحو الخلف حيث صندوق البيك آب المطارِدة و هما يلوحان بثوبيهما و قد صارا شبه عاريين.

 

-  ولكن.. ما ذنب ابننا؟

-  ابننا ؟!!!

 

 و جنح بسيارته ثانية نحو اليسار مبتعداً عن خط سير القطيع و هو يتمتم :

 - هل أنت حامل حقاً ؟

 - نعم .. أخبرتني أمي يوم أمس أن سبب توعك صحتي و الشعور المستمر بالغثيان هو الحمل..

 - ليذهبوا إلى الجحيم إذن و سأوقف السيارة وأقتلهم بأسناني...

  - لا ، أرجوك لا تتهور.. لا تنس العودة إلى الطريق قبل فقد آثارها ..

أين هي الطريق ، فقد صارت السيارة في مجرى سيل اجباري و لا طريقة للعودة للخلف ، والسيارة المطاردة قد أصبحت أقرب و أقرب وصراخ آدمييها بدا مسموعاً ، و ليت كلماتهم النابية لم تسمع .

 و لكن هيهات!!

الخطر صار أكبر ، فالطريق تضيق و الصخور تتوزع جانبي شِعب المسيل و بعض التلال بدأت تظهر ، أما الاتجاه ، فلا أحد غير الله يعرفه ، أما هؤلاء  فلا بد أنهم خبراء المنطقة لذلك يسرعون و يكثر وعيدهم و تهديدهم بفعل كذا و كذا بهذا الجبان و الحورية التي تقبع قربه.

حتى إنهم تمادوا بحبك مؤامرة معها ضده ، ليفسدوا ما بينهما  فتسهل مهمتهم ، لكنه آثر التعقل فلا مكان للتهور كما نصحته!!

الطريق النهرية تضيق و زعيق الشبان يتسع ، رمال النهر تحولت إلى حصى و بدأ تشغيل الدفع الرباعي، و كذا فعلوا ، نزل واحد منهم ، لابد إذن أن النهاية اقتربت، أليسوا خبراء المكان!

منعطف حاد خلف تل صخري حجب السيارتين لدقيقة لم يسعفه الزمن لاتخاذ مخبأٍ ، في حين أتاحت الرؤية و استقامة مجرى النهر سرعة أكبر عوضت عن التفكير بالتوقف و الاختباء.

 

- حسناً فعلت بعدم التوقف ، ها هم ثانية خلفنا..

- ماذا لو......

- لا تكملي....

 

خلف المنعطف التالي كانت المفاجأة القاتلة، إنه سد عظيم يغلق مجرى النهر الجاف

 

" السد المنيع من أمامكم و الأعداء وراءكم"

 

-  لا تخف ، إثنان فقط ، لاشك أن الثالث تعقل وتركهما .

-  و هل من العقل البقاء في مكان لا حياة فيه بدون وسيلة نقل سريعة ، في هذا الاتساع غير المحدود!! لا بل راح يختصر الطريق من جهة ما و سنقابله بأية لحظة ، ربما مع سلاح مخبأ في مكان ما هذه المرة.

 

" السد يقترب و السيارة في الخلف تقترب و مقذع الكلام يعلو كما هامة السد.

الموت ارتطاما حادث و ليس انتحاراً ، و موت الثلاثة محتوم  فالسرعة و صلابة السد و ارتطام السيارة الخلفية..كومة من الحديد و الدم و طفل يتكون بأيامه الأولى، مجزرة زرعتها الوظيفة والتعليم البعيد و الحاجة و الحضارة و الشبق و..و..و.. و السد صار جداراً  اسمنتيا شاهقاً يقترب بسرعة البرق فالأرض صلبة و عزيمة الموت بشرف صلبة و القرار لا تراجع عنه. "

 

-  تلفظي بالشهادتين يا حبيبتي..

-  حبيبي ، كدنا ننسى هذه الكلمات منذ تعينت في هذه البلدة المشؤومة ليتنا ما قبلناها و عشنا بحب نربي ولدنا عبد اللـه..

- أغمضي عينيك و اشهدي معي.....

- انتبه..انتبه ..حاذر.. انظر هناك طريق إلى اليمين...

 

 و انعطفت السيارة بأعجوبة في الطريق المحاذية لجسم السد الصاعدة للأعلى ، حيث الطريق السريع إلى المدينة!.

 

                                                       




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home