قصة

 

قيلولة ميؤوس منها

رشيد ايت عبد الرحمان



 

يصير ميؤوسا من الهدوء، من الطمأنينة.القلق الدائم الدائب خلك الجميل..خلك الرائع.القلق في البيت..في العمل..لأجل البيت ولأجل العمل..هو القلق، ظلك الأطول منك و الأعتى.

خذ لك قسطا من الراحة واسترق لك هنيهة من الهدوء واطمئن في آخر المطاف ثم انس...

وأنت مستلق تلتمس الهدوء..الهدوء الذي لا يرضي خلك الذي اعتاد مثل طفل أن يداعب وجهك ويستفز دواخلك..هذا الذي يحبك ببراءة..يحب أن ينبش في أحشائك وأن يقتلعها..

تبحث بحثك الحثيث عن لحظة قيلولة بداخلك وأنت المسكون بالطفل المشاغب.

لعل صمتا يندلع من جناح «طائر البقر» في رحلته الخريفية بحثا عن حب في أرض محروثة أو من قائد سرب غربان محلقة تنعق فوق هذا الصمت المندلع..موقنا أنك لن تجد ضالتك سوى في هذا الجني المسمى «الكتابة»..الجني المارق دوما..هذا الجني المفتتن والمتفنن في المروق..هذا الزئبقي المنفلت من بين أصابعك المرتجفة.أصابعك المدهونة بزيت زيتونة نفضت أوراقها عنوة بداخل معصرة التفكير الأبدي المؤرق، الموغل في تفاصيل الأشياء والأشخاص لتبث مرارتها عنوة.هذا الذي يكاد يصير فضولا غير أنه إيجابي بالنظر إلى أنه نابع من إحساس عميق بالوطن.

لماذا..وكيف وأين ومتى..كل أدوات الاستفهام ومطارقه وسنادينه..كل أشياء الاستفهام والاستغراب والتعجب والعجب..

أنت أم أنت لا على أحسن ما يرام ؟أنت أم الناس لا على أحسن ما يرام؟ أنت أم البيت أم جدرانه أم أثاثه؟ أنت أم الجيران أم المارة أم طريق المرور أم حذاؤك أم رقم حذائك؟ أنت أم الزملاء أم وسائل العمل أم أسلوبه أم رؤساؤك المباشرون أم القوانين التي تحكم العلاقة بينك وبينهم؟ لا على أحسن ما يرام..(il y'a qqch. qui cloche dedans).

في غرفتك الحجرية الموصدة تستمع لقرع النعال على رأسك المتعب..وأنت موغل باحث عن قيلولة بداخلك ، عن قيلولة هادئة..صامتة..عن مغارة أو ملجإ داخل غرفتك الحجرية..لكي تشتم عبق الحبر وهو يخط مساربه على أديم وريقة عطشى..

لا ملجأ لا مغارة ولا مدخلا تلوذ به.قدرك ذلك الطفل المشاغب..

لا لحظة هدوء..لا قيلولة..لا لحظة للهذيان..لا لحظة للشرود..فكلما استقللت الشرود وجعلك على متن جناحه الأسيل..وكلما شرعت في هذيانك غارت الأجواء الخارجية.علاش؟

تهز صمتك سيارة طائشة أو دراجة ناعقة..

الذاكرة فردية وليست جماعية وكل محاولة لجعلها جماعية تبوء بالسخرية..عليك أن تأخذها كما قيلت..فردية..لأنك وحدك تختزن مجبرا أن تكون عيون غربال ذاكرتك أضيق من أن تسقط سفاسف الأمور.

لكن ستكون مدينا لأولئك الذين يزجون بذلك الطفل في أحضانك، مدينا لهم على الأقل بكونهم يقضون مضجعك.ستشكرهم بدلا من أن تخرج إليهم في ثياب النوم تنهرهم.تنهر من؟

أنت مدين لهم، لأنهم على الأقل، يستفزونك لاستحضار ذلك الجني المارق عبر.

أنت مدين لهم لأنهم يحرمونك من لحظة هادئة أو حتى أقل صخبا..تستمع فيها لطقطقة أضلاعك وهي تعود سيرتها الأولى..لأنفاسك تتصعد حتى الانكتام..

وأنهم في كل لحظة تكاد تمسك بالهدوء، تجد نفسك تمسك الماء..تمسك الهواء..«البرد»..آمولاي..البرد..والله لا ذقته...

يهز مضجعك هذا المتعفن المتدلي..المرتخي مثل حبال غسيل نشرت عليه الجلود..

فالحبر الذي كان ليسيل نثرا أو شعرا سال أرقاما. وكلما فتح عالم الكتابة الفسيح ذراعيه لمعانقتك معانقة الحبيب، امتدت أيادي الأرقام تشيد أسوارها الحائلة دونك ودون لحظة خلوة.اتحاد وتحد.اتحاد الأشخاص والأشياء..ستهزم لا محالة..وتلقي القلم جانبا..ستقاوم..بل ستهزم ستقاوم حتى الفناء..ستنتهي منتصرا أو تنتصر منتهيا..

مهما تضافر المتضافرون لأجل قطع ذلك الحبل الصري الذي يربطك بالكتابة..الأشخاص والأشياء على حد سواء فإنك ستتنفس. ستحيى تشق بجذورك قلب الأرض مثل الصنوبر..ستمتح من دم الأرض..ستنبت لك شعيرات وشرايين وعروق جديدة..سيفور دمك براكين عندما يمتزج بدم الأرض..

وستظل ذلك القلق المعذب، ذلك المصارع طواحين الهواء بيدين فارغتين سوى من قلم وحبر..وصبر.هذه المعاول التي لا تنكسر مهما اشتدت الرياح ومهما قوي دوران دواليب الطواحين.هو القلم.. تلك العصا السحرية التي تلقف إفك السحرة..وتمخر عباب البحر في غمرة الهيجان.والصبر فلك النجاة.

تجد نفسك تشيح عن الآلام المتراكبة في الجسد والروح إلى البحث الدائب عن تلك اللحظة الهادئة عن قيلولة بداخلك.البحث يضنيك والأرقام تزعزع سريرك لتفتح مذكرة الديون مرغما:

- فلان: ............ درهم

- فلان: ............ درهم

- المؤسسة الفلانية: ............ درهم

- البنك الفلاني: ............ درهم

أرقام وعمليات جمع وطرح..أرقام متحركة تنتفخ مثل الضربان لتغرز أشواكها المسمومة في لحظتك وأخرى ثابتة أو تكاد تتحين الفرص لتنقض عليك.في أحسن الأحوال تحصل على توازن في ميزانيتك.تنهي العملية بأدق تفاصيلها.والحل في آخر المطاف بين أن تتأفف مخرجا الهواء المحتقن بداخل صدرك.وأن تعيد جدولة الديون.تقدم الضروري وترجئ ما ليس مفروضا.

تعيش حصارك وصراعك مع الأرقام.

كم مرة تعبر ذات الألم وتذرع بلا توقف المسافة الفاصلة بين الديون والمحاولة اليائسة في تحصيل التوازن مع دخلك وبين بحثك الحثيث عن خلوة بذلك الجني..عن قيلولة هادئة بداخلك.ومن أين للقيلولة والخلوة والهدوء أن تعرفك في كل هذا الصخب الهائل..أن تلج زنزانتك المحاصرة بكل هذه الأرقام والأصوات بكل هذا الصهد إلى حد انصهار خلايا القيلولة على ظهر وسادتك المتقدة بالسؤال..فعندما تحط أول حرف يبدو متقطعا باهتا..تخور قوى قلمك كأقدام سيارة سارت مسافة طويلة..ولما حمل الجسد، الذي كانت تطيقه، على الأكتاف..صارت مجرجرة تخط مسارب متقطعة على رمل شاطئ مزبد لفظ فيه البحر «كشكوشته» ملتمسا من ريح الشرق أن تبدد فقاقيع الحيرة والألم وتكنس غثاء القلق اللازب من على منضدة هذا الذي اختار أو اختير ليصاحب شغب الطفل الجني في غيهب الصخب اليومي المعيش والمفروض عليك فرضا...

رشيد ايت عبد الرحمان

ميدلت/المغرب




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home