دراسات هامة

 

نظرية الإغماء - فكرة قاديانية بين المسلمين (3)

فؤاد العطار



 

الشبهة الأولى: ((إسناد الفعل (شُبِّهَ) إلى الرجل الشبيه المصلوب غير جائز) الجواب: هذا الإعتراض صحيح، لكننا لا نقول بأن نائب الفاعل هو الرجل المصلوب أو (الشبيه)، فنائب الفاعل محذوف في الجملة و يمكن تقديره بعدة تقديرات. و أرجح تقديره كالآتي (شبه لهم الأمر). فالأمر هو نائب الفاعل. و هذه الجملة تشمل كل نظريات نجاة المسيح عليه السلام. و يمكن تقدير نائب الفاعل بالجملة المحذوفة (أنهم قتلوه و صلبوه هو). فتكون الجملة (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه هو و صلبوه هو). و يمكن أيضاً تقدير نائب الفاعل بالكثير من الجمل المحذوفة. أذكر منها ما يلي: - (و ليس المقتول و المصلوب هو المسيح و لكن شبه لهم أنه المقتول و المصلوب) أو - (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنه هو الشخص المقتول و المصلوب) أو - (و ما قتلوا المسيح و ما صلبوا المسيح و لكن شبه لهم أنهم قتلوا المسيح و صلبوا المسيح نفسه) أو - (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه و صلبوه هو). لاحظ أن الضمير (هو) هنا تكرار يمكن حذفه بدون أن يتغير المعنى. فتصبح الجملة (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه و صلبوه). فالجمل أعلاه هي تكرار لمعنى الآية و هي تنفي أن يكونوا قد علـقوه هو على الصليب. كما و يمكن تقدير جملة (و لكن شبه لهم) كالتالي: (و لكن شبه لهم أنه هو المصلوب) والمعنى من الجملة هو أن اليهود ظنوا المسيح هو المصلوب و المقـتول بينما هم قد صلبوا و قتلوا غيره في الواقع. و أرجو التدبر أكثر في قصة ابن حزم التي أوردتها في موضوعي الأصلي. فابن حزم ظن أنهم صلوا على الحاكم و دفنوه بينما الواقع كان أنهم (ما صلوا عليه و ما دفنوه و لكن شبه لهم الأمر) حيث صلوا على غيره و دفنوه ظناً منهم أنه هو. فهم إذاً (ما صلوا عليه و ما دفنوه و لكن شبه لهم أنهم صلوا عليه هو و دفنوه هو) أو (ما صلوا عليه و ما دفنوه و لكن خيل لهم أنه هو من صلوا عليه و دفنوه). و كذلك أهل الكتاب فهم (ما قتلوا المسيح و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنهم قتلوه هو و صلبوه هو) أو (ما قتلوا المسيح و ما صلبوه و لكن شبه لهم أنه هو من قتلوا و صلبوا). الشبهة الثانية: (يقول القاديانيون بأنه يمكن أن يأتي الفعل "صَـلـَبَ" بمعنى "قتل على الصليب" بدليل ورود هذا الفعل في القرآن في جمل يفهم منها موت المصلوب) الجواب: الفعل "صَـلـَبَ" يعني "علّـق على الصليب"، و هذا المعنى اتفق عليه علماء اللغة و الفقهاء في القديم و الحديث، و لم يخالفه إلا الهندي ميرزا غلام أحمد القادياني و من قلده من بعده. و أنا أورد هنا معنى الفعل "صَـلـَبَ" في بعض المعاجم و القواميس العربية القديمة و الحديثة: المحيط(تأليف أديب اللجمـي-شحادة الخوري -البشير بن سلامة-عبد اللطيف عب- نبيلة الرزاز ) صَلَبَ يَصْلُبُ صَلْبًا:- تِ الحُمَّى: اشتدَّتْ وطالت؛ صلبته الشمس/ صلبه الحَرُّ. - اللَّحمَ: شواهَ واستخرج دسمه. - الجانيَ: علَّقه ممدودَ اليـدين مشدودَ الرِّجْلين. الوسيط (مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية) صَلَبَ - [ص ل ب) . صَلَبْتُ، أَصْلِبُ، اِصْلِبْ (أَصْلُبُ، اُصْلُبْ)، مص. صَلْبٌ. "صَلَبَهُ عَلَى لَوْحٍ" : شَدَّهُ، أَيْ أَوْثَقَ يَدَيْهِ مَمْدُودَتَيْنِ وَرِجْلَيْهِ مَشْدُودَتَيْنِ لسان العرب (لابن منظور محمد بن مُكرَّم بن عليّ بن أحمد بن حبقة الأنصاري الإفريقي) صلب: جعله مصلوباً المصلوب : المعلَّق على الصليب و هذا المعنى هو الذي ورد على لسان رسول الله صلى الله عليه و سلم في حديث "قصة أصحاب الأخدود" الذي رواه مسلم في صحيحه، و هو نفسه المعنى الذي ورد في جميع الأناجيل كما هو موضح في مشاركتي أعلاه. ووسائل القتل في اللغة لا تعني الموت بحد ذاته أبداً، و هذا ينطبق على الأفعال: غرق، حرق، ألقى من فوق الجبل، صعق بالكهرباء، صلب، إلخ. لذلك يمكننا أن نقول: - كل من أُنزل قسراً تحت الماء يمكن وصفه بأنه قد أغرق (سواءاً كان شخصاً أو قارباً). و إذا أنقذ من تحت الماء فلا يجوز لنا أن نقول بأنهم ما أغرقوه. - و كل من أكلت النار جزءاً من جسده يمكن وصفه بأنه قد حُرق. و إذا عولجت حُروقه و نجى فلا يجوز لنا أن نقول أنهم ما حرقوه. - و كل من ألقي من فوق جبل يمكن وصفه بأنه قد ألقي. و إذا نجى من الموت فلا يجوز لنا أن نقول بأنهم ما ألقوه. - و كل من عرضوه للكهرباء العالية يمكن وصفه بأنه قد صُعق. و إذا نجى من الموت فلا يجوز لنا أن نقول بأنهم ما صعقوه. - و كل من عُلق على الصليب يمكن وصفه بأنه قد صُلب و إذا نزل عن الصليب حياً فلا يجوز لنا أن نقول بأنهم ما صلبوه. و هكذا. أما الفعل "صَـلـَبَ" في الآيات فلم يأت إلا بمعنى "علق على الصليب"، لكن السياق في الآيات أفاد بأن المفعول به قد مات أو أنه يجب أن يموت، و أنا أورد هنا الآيات الأخرى التي ورد فيها الفعل صلب: ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) المائدة 33 الآية فيها تخيير للحاكم المسلم بإقامة إحدى العقوبات المذكورة حسب حال المحارب. و الراجح أن الصلب يكون إذا جمع الشخص جريمة القتل إضافة إلى جريمة الحرابة، و الصلب يكون بعد القتل حتى لا يحال بين المصلوب و بين الصلاة. و الله أعلم. و قد اختلف العلماء في صلب المحارب، فمنهم من رأى القتل ثم الصلب، و منهم من رأى الصلب ثم القتل، و قال بعض أهل الظاهر أن الصلب هنا يكون بدون قتل، و نفوا أن يكون الصلب هو القتل لأن المصلوب برأيهم يموت حتف أنفه، و لا يجوز إنزاله عن الصليب حياً لأن الله لم يذكر مدة محددة للصلب ((و ما كان ربك نسياً))، لكن الواجب دفن الميت في النهاية عملاً بالأوامر الأخرى الواردة في هذا الشأن. و قد روي عن الشافعي أنه أفتى بصلب المحارب لثلاثة أيام بعد قتله ليكون عبرة لغيره. وقَال أَبو يوسف : إِذا أَخذ المال وقتل صُلبَ وَقتِلَ عَلَى الْخشبَة ; قَال اللّيث : يقتل بِالْحربة مصلوبا . وقَال أَبو حنيفة : إِذَا قَتَلَ قُتِلَ ، وإِذا أَخذ الْمال ولَم يَقتل قُطِعَت يَده ورجله من خلاف، وإِذا أَخذ المال وقَتَل فَالسلطَان مخيَّر فيه ، إِن شاء قَطَعَ يده وَرِجله وَإِنْ شَاءَ لَم يقطع وقَتَلَه وَصلَبَهُ. و روي هذا أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه. و قال الإمام الطبري رحمه الله بأنه ليس للحاكم أن يصلب المحارب حياً و يتركه على الخشبة مصلوباً حتى يموت من غير قتله، و ادعى الطبري الإجماع على هذا بينما الحقيقة أن هذا هو رأي الجمهور. فجمهور العلماء لم يقولوا بترك المحارب ليموت على الصليب بل الحاكم مخيربقتله ثم تعليقه على الخشبة أو قتله بدون تعليقه. و هذا هو الأولى و الله أعلم. و لا ينبغي تعليق الشخص على الصليب لفترة ثم إنزاله حياً لأن الصلب و سيلة للقتل، فما دامت مذكورة للعقاب فلا ينبغي صرف الوسيلة إلى التعذيب فقط، خاصة و أن المصلوب ستفوته الصلوات إن بقي حياً على الصليب. قال الشافعي (أَكرَه أَنْ يُقْتل مَصلُوبا لِنَهيِ رَسُول اللَّه صَلّى اللَّه عَلَيه وسَلَّم عن الْمُثلَة). و من ناحية أخرى فإن الصلب يلجأ إليه إن جمع المحارب بين جريمتي القتل و الحرابة، فلا يجوز إسقاط حد القتل عن المحارب القاتل، فيجب قتله قبل أو بعد صلبه. و من العلماء من قال بأنه لا يجوز الجمع بين عقوبتين للحرابة في وقت واحد لأن الآية تعطي الخيار للحاكم باختيار عقوبة واحدة فقط، و هذا القول صحيح، لكن الناظر إلى تطبيقات الفقهاء لا يراهم يجمعون أكثر من عقوبة للحرابة بل هم يجمعون بين عقوبة واحدة للحرابة و عقوبات أخرى للجرائم التي قد يكون المحارب قد اقترفها. فإن جمع المحارب بين جريمتي الحرابة و القتل جاز لنا قتله حداً لجريمة القتل ثم صلبه حداً لجريمة الحرابة. أما قتله على الصليب فجائز و الله أعلم إن كان بطريقة تنفيذ قصاص القتل، أما طعنه بالحربة أو ما شابه ذلك فلا ينبغي لأننا مأمورون بالإحسان في كل شيء. ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تستفتيان)) – سورة يوسف 41 واضح من الآية أن الرجل الذي سوف يصلب لن ينزل عن الصليب حياً، فالطير لا تأكل من رأس الحي على الصليب بل تجرؤ على ذلك بعد موته و تحلل جسده و لو قال (و أما الآخر فيلقى في البحر فتأكل الأسماك من رأسه) لفهمنا أيضاً أنه سيقتل، مع أن الإلقاء في البحر لا يعني الموت بالضرورة. ((قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى )) – سورة طه 71 هدد فرعون السحرة الذين أسلموا بتقطيع الأعضاء من خلاف و من ثم تعليقهم على الصلبان ليتعفنوا هناك، و ذلك ظاهر من تهديده بالعذاب الشديد الباقي، فلا يتصور أنه كان ينوي إنزالهم عن الصليب أحياء و ينجوا بفعلتهم. و لو قال لهم فرعون (و لأدقـَن أجسادكم في جذوع النخل و لتعلمن أينا أشد عذاباً و أبقى) لفهمنا أيضاً أنه لن ينزلهم أحياء بعد تعليقهم، و إلا لما كان تهديده شديداً. و كذلك لو قال لهم (و لألقينّ أجسادكم في الصحراء ..) فإننا سنفهم من تهديده أنه سيتركهم هناك ليموتوا حراً و جوعاً و عطشاً، و هكذا. **** إذاً فالفعل "صَـلـَبَ" في القرآن لم يأت بمعنى قتل، و لكن السياق أفاد بموت الضحية، و أنا أريد أن أقارن بين الفعل "صلب" و الفعل "جلد" حيث ألفت انتباه القاريء الكريم إلى الآيتين التاليتين: (1) قال تعالى ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً – سورة النور: 4)) لنتفكـّر قليلاً في هذه العقوبة "الجلد". الجلد هو وسيلة للعقاب الهدف منها التعذيب أو الإيلام. و لو قام أحدهم بجلد شخص ما لكنه لم يؤلمه لما استطعنا أن ننفي ان الشخص قد جـُلـِد. لكن سياق الآية يبيّن الغاية من جلد الذين يقذفون المحصنات و هو التعذيب و الإيلام حيث أنّ الجلد في العادة وسيلة للتعذيب. لذلك لا يجوز للمسلمين مثلاً أن يقوموا بتخدير القاذف قبل جلده و معالجة جروحه قبل أن يصحو من التخدير. و لو فعلوا فجلدوه و هو تحت البنج أو المخدّر لما استطاع شخص أن ينفي أنهم قد جلدوه بالفعل. لكن سياق الآية يذكر وسيلة للتعذيب فلا يجوز استخدامها هنا بدون التعذيب بلا قرينة. (2) و قال تعالى ((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ – سورة المائدة : 34)). لنتفكر قليلاً في هذه العقوبات "التصليب" و "تقطيع الأيدي و الأرجل". التصليب في الآية هو وسيلة للعقاب الهدف منها هو القتل في النهاية. و لو قام أحدهم بدق جسد شخص على الصليب لكنه لم يقتله لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد صـُلــِّب. لكن سياق الآية يبين الغاية من تصليب المحاربين لله و رسوله و هو القتل بعد الصلب أو الصلب بعد القتل، حيث أن التصليب في العادة هو وسيلة للقتل أو التشهير و الإهانة ليعتبر الآخرون. و كذلك الحال بالنسبة لتقطيع الأطراف من خلاف فهي وسيلة للتعذيب الشديد و إلحاق عاهة بالمعاقَـَب. و لو قام أحدهم بتخدير شخص و تقطيع يديه و رجليه من خلاف ثمّ إعادتها عن طريق عملية جراحية لما استطعنا أن ننفي أن الشخص قد قطّعت أطرافه من خلاف. لكن سياق الآية يبين الغاية من تقطيع الأطراف و هو التعذيب حيث أن تقطيع الأطراف من خلاف هو في العادة وسيلة للتعذيب. و الناظر إلى الآية ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) يدرك أن الآية تنفي أمرين اثنين عن المسيح عليه السلام هما القتل و الصلب و ليس "القتل و القتل" **** موت المسيح (ع) - ليس فكرة قاديانية قال تعالى ((إِذ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ...)) – سورة آل عمران: 55 حاول الميرزا غلام أن يثبت بجميع السبل أنه فعلاً المهدي و المسيح الموعود في نفس الوقت. و ابتدأ استدلالاته بإثبات وفاة المسيح عليه السلام. فقام الكثير من المسلمين ليردوا عليه و ذلك بالدفاع عن الرأي الإسلامي القائل بأن عيسى بن مريم عليه السلام حي بجسده في السماء و بأنه لم يمت إلى الآن. و قد استغل الأحمديون القاديانيون ادعاء هؤلاء الإجماع على عدم موت المسيح عليه السلام، فجمعوا كل الأدلة التي تثبت أن المسيح عليه السلام قد مات، فهم ظنوا بأن إثبات موته سيثبت صدق ادعاء نبيهم المزعوم (الميرزا غلام) بأنه مثيل للمسيح عليه السلام الذي مات، و بأن المقصود من نزول المسيح عليه السلام في آخر الزمان هو ظهور مثيل له فقط. و الواقع أن نفي موت المسيح عليه السلام لمهاجمة القاديانية هو خطأ كبير، فهو يعين هؤلاء على تضليل الناس و تجهيلهم بحقيقة دعاويهم المشبوهة، فموت المسيح عليه السلام هو أحد الآراء الإسلامية المعروفة منذ عصر الصحابة، و قد روي هذا الرأي عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه، و هو أيضاً رأي ابن حزم الأندلسي و غيره الكثير من العلماء المسلمين. وأنا شخصياً مع الرأي الإسلامي القائل بأن عيسى بن مريم عليه السلام توفي بعد أن نجاه الله من مكر الماكرين. فالميرزا لم يأت بجديد حيث اعتمد على كلام علماء مسلمين سابقين. و قد تمسك الميرزا بهذه الفكرة ليمهد لادعائه بأن شبيهاً للمسيح عليه السلام هو من سينزل في آخر الزمان. و أنه هو – أي غلام قاديان – هو ذلك الشبيه!. و في قولنا أن الله سبحانه توفى عيسى بن مريم عليه السلام نستند إلى قوله تعالى ((إِذ قَالَ اللـه يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ – سورة آل عمران 56)). فالفعل "توفى" لم يرد في القرآن إلا بمعنيين اثنين هما الموت و النوم. أما في هذه الآية فلم تأت قرينة لتفيد معنى النوم، وكذلك لم ترد قرينة لتفيد التقديم و التأخير بين الرفع و الوفاة، لذلك لا يبقى لنا إلا أن نجزم بأن المقصود بالوفاة هنا هو الموت. و موت عيسى عليه السلام لا ينفي أبداً أن الله سيبعثه قبل يوم القيامة فيقتل الدجال و يكسر الصليب. وقد صرح رسول الله بأن الله سيبعث عيسى من الموت في آخر الزمان. ففي صحيح مسلم حديث لرسول الله صلى الله عليه و سلم يقول فيه (.....كَذَلِكَ إِذ بَعَثَ اللـه الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنـزلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ ....). ناهيك عن الأحاديث الصحيحة الأخرى التي تذكر أفعال عيسى بن مريم عليه السلام من كسر للصليب و قتل للخنزير و غير ذلك مما يثبت بأن الله سيحييه ليفعل تلك الأفعال. و قد يخالفني البعض في مسألة موت المسيح عليه السلام، لكنني لم أورد كلامي هنا لترجيح رأي على رأي آخر بل لأوضح بأنه ليس من المقبول مهاجمة فكرة موت المسيح عليه السلام و كأنها فكرة قاديانية، فإثبات موت المسيح عليه السلام لا يدعم الآراء القاديانية بحال من الأحوال، فالله سبحانه قادر على إحياء الموتي، و قد ثبت بالدليل القاطع أن عيسى عليه السلام قد أحيا بعض الموتى بإذن الله، كذلك ثبت رجوع بعض الناس و الدواب إلى الحياة بعد موتهم في الدنيا بشكل إعجازي، و قصة الذي مرّ على قرية دليل كاف على ما نقول، و كذلك قصة إبراهيم عليه السلام مع إحياء الطيور. و الناظر إلى تفاسير علماء المسلمين يجد أن القول بموت المسيح عليه السلام هو أحد الآراء الإسلامية منذ عصر الصحابة رضوان الله عنهم، و قد جمع الرازي في تفسيره الأقوال في تفسير الآية ((إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ...)) كما يلي: (1) مميتك: وهو قول مروي عن ابن العباس رضي الله عنه. و قد تبنى هذا الرأي بعض المفسرين و اختلفوا على ثلاثة أوجه (أحدها) قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع. و(ثانيها) قال محمد بن اسحق تُوفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه. و(ثالثها) قال الربيع بن أنس إنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء. قال الله: “اللهُ يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا والّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا”. (2) متمم عمرك: أي أتوفاك فلا أترك أعداءك اليهود يقتلونك. (3) الواو تفيد الترتيب: من حيث أن عيسى هو حي فمعنى ذلك أنه رفعه أولاً، ثم سينزل ويقتل الدجال وبعد ذلك يتوفاه الله. (4) التأويل المجازي: وهو ما نادى به أبو بكر الواسطي (إني متوفيك) عن شهواتك وحظوظ نفسك. (5) الرفع الكامل: أي رفع عيسى ابن مريم بتمامه بروحه وجسده وليس بروحه فقط كما قد يظن البعض. (6) أجعلك كالمتوفَّى: فرفع عيسى إلى السماء وزوال كل أثر مادي له في الأرض وانقطاع أخباره كان كمن توفّى. (7) القبض: ومعناه الإيفاء أو الاستيفاء. كاستيفاء المرء ما له من مال. وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفياً له. (8) استيفاء العمل: أي أن الله قد بشره بقبول طاعته وأعماله وعرفه ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء وهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home