قصة

 

لا تقتلوا الحب

بديعة بنمراح



لكن هذا قرار صعب .. أرجو أن تعطي نفسك فسحة تفكير أخرى.
ـ آه ! طفح قلبي يا هدى ، فلم أعد أقوى على تحمل أي نوع من الأحزان.
بدت علا و كأنها تعاني من مرارات ثقيلة أفرجت عنها أخيرا بصرخة..
ـ و الأسرة ..و ابنتك .. و الناس ! هل خطر ببالك كيف ستواجهين كل هؤلاء؟
تفتي صديقتها هدى و هي تلبس رداء النصح و الإرشاد
ـ و أين كان كل هؤلاء ، عندما كنت و كلي حزن و أسى ، أواجه ليلي القاتم وحدي ، و أنا أشهد نجوم حبي تتساقط و تنطفئ؟!
ـ ليس بالحب وحده يحيا الإنسان يا علا ، جربي أن تعيشي حياة عادية ككل النساء تسعدين ..
و تحس علا بندم مرير ..كيف تخيلت أنها ستزيح عن صدرها صخور الألم ، بحديثها مع هدى؟ كيف هجست أنها سوف تهدأ و تطمئن بعد أن تبوح لها بمكنونات قلبها .. وها هي ذي تصفعها بكلمات مرصوفة بالشوك و الجراح..فتمر بالذاكرة عبارة لكاتب تحبه:" الأذى يتجلى عندما نرغب ممارسة حريتنا"
***

أبدا لم أر امرأة تصر على هدم بيتها ، كما تفعل هي ! تخاطب هدى زوجها وهي تلمح في عينيه أسئلة حيرى عن نتيجة لقائها بعلا.
ـ لكن الطلاق قد يكون أحيانا بلسما لجراحلت عظمى ..يوسوس نادر ، وعيونه مليئة بالتحدي.
ـ لا بد أنك مثلها تؤمن بأوهام العشق .. لا يا عزيزي ! هذا زمن القوة و سيادة المادة ، و المرأة في مجتمعنا يعيبها و يتقص من قيمتها أن تخوض في ذلك الشيء المخجل ، ..تطلقها الزوجة وكأنها زغرودة تشي بانتصارها.
ـ الآن فقط فهمت ، يقول علي بأسى ، كيف لم تبدر منك طول مدة ارتباطنا كلمة حب واحدة ، تدفئين بها مشاعري ، و فهمت أكثر معنى الإجلال الرهيب الذي تكنينه للمال!
أفكار بقيت مغلولة داخله منذ اكتسحت نفسه الحسرة على زيجة لم يخترها ، لكنه أفسح لها المجال كي ترى النور الآن.
***

هي الآن و زوجها وجها لوجه ، بينهما صمت جليل ..لكن وترا حزينا يخترق ذاك السكون ، يعزف بروعة قسوة الوداع .
ـ اصغ إلي جيدا يا علا ! ما تطالبين به أمر سهل بالنسبة إلي ، فأنا رجل على كل حال ، لا المجتمع ولا العائلة سيلومونني على خطوة مثل هذه .. لكن أنت..
ـ أنا امرأة .. تقاطعه الزوجة ، و الكل سيرمي اللوم علي ..لكني مصرة على كسر قيدي مهما حصل..
ـ وهل تسمين الحب الكبير الذي جمعنا قيدا يا علا ؟
ـ أرجوك لا تثر أشجاني يا هانئ ! لأني لا أريد أن أتذكر..صدقني لست نادمة على أيامنا معا ، و لا على المحبة التي ألفت بين قلوبنا ، لكني فعلا حزينة لأن ذاك الحب ضاع منا ..
ـ و لم لا نعطي أنفسنا فرصة أخيرة ..أعدك أني سوف أتغير.. على الأقل من أجل ابنتنا.
ـ ضاعت كل الفرص يا أخي ، ولم يبق أمامنا سوى الفراق .. الفراق سيرحمنا من العذاب ، و يجعل كلا منا يمشي في طريقه و معه بقية احترام للآخر .
يكفهر وجه الزوج و تجحظ عيناه و هو يسمع مثل هذا الكلام من زوجته ، فيصب عليها رعوده و زلازله:
ـ يبدو أنك مصرة على قرارك ..أريدك أن تعلمي أنك سوف تندمين ..و الثمن ستدفعينه غاليا .. و غاليا جدا
تهمي العبرات على وجنتي علا دون إذن منها ، و يخفق قلبها وجفا بين الضلوع ، لا شك أن ملك سوف تصحو كعادتها كل صراخ ، و الدموغ تبللها .. أصبحت الوردة العبقة بالعطر و الفرح تهلوس في نومها! ا .....
تقترب علا من زوحها ، و تقول له بصوت خفيض ، و العبرات لما تجف من جفونها :
ـ وأنا أريدك أن تعرف أن صقيع عواطفك ، هو ما عكر العلاقات بيننا يوما بعد يوم ، إلى أن ذابت جمرة الحب العظيم الذي ألف بين قلوبنا ، و لم يبق بين أيدينا إلا رماد المشاعر .. و ها نحن نسكن إلى أحضان بعضنا في المساءات الحزينة دون أن نستشعر دفئا و لا حنانا ، بل يحس كل منا و هو بين يدي أليفه بالوحدة و الغربة .. ومع ذلك ، فقد دفعت الثمن أغلى مما تتصور ، أياما و سنينا من عمري ..
ـ و هل تحلمين عزيزتي أن تجدي الدفء و الحنان مع أليف غيري . بعد كل هذه السنين ؟ يقول الزوج و السخرية تتلألأ في عيونه .
ـ الأحاسيس ليست لها دعوة بالسنين .. تقول الزوجة ، و الإنسان في كل مرحلة من مراحل عمره ، يتوق لنفس حانية تجفف دمعاته ، و تمنحه إحساسا بجمال الحياة ..لكني لا أفكر الآن إلا في حريتي و حياة ابنتي
...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home