عالم التقنية

 

اليابان: الولع <<الاستفزازي>> ب... التكنولوجيا



 

اليابان: الولع <<الاستفزازي>> ب... التكنولوجيا

ايلي شلهوب

لا يمكن لزائر اليابان ألا ان يلحظ مستوى من الولع بالتكنولوجيا وبمنتجاتها، وبكل ما يوحي ب<<التقدم>>، بلغ حدا يشعر فيه المرء وكأنه في مجرة أخرى أقيم نظامها خصيصا لإراحة بني البشر وتوفير كل جهد ممكن عليهم.
ولع تجد تعبيرا عنه في كل زاوية تمر بها؛ في الشارع والمنزل والقطار وسيارة الأجرة.... فغالبا ما تصادف في الشوارع ماكينات الكترونية تسمح لك بتنظيف نظاراتك، مجانا، عبر وضعها في علبة خاصة وكبس زر التشغيل فيبدأ سائل خاص موضوع فيها بالاهتزاز لدقائق في عملية تنتهي بتمرير النظارة في علبة ثانية، بها مياه على الأرجح، ومن ثم تمسحها بمحرمة فتراها تبرق كما لم تفعل من قبل.
وفي المطاعم، حتى التقليدية منها، على سبيل المثال، زر كهربائي في علبة لاسلكية، عادة ما تأخذ أشكالا قديمة الطراز تنادي من خلاله الساقي الذي يأخذ طلباتك عبر جهاز الكتروني يحولها مباشرة إلى المطبخ وإلى قسم المحاسبة. وحتى في الحمام، هناك المرحاض الالكتروني به علبة مفاتيح أو جهاز تحكم عن بعد يقوم بجميع الوظائف التي يمكن أن يحتاجها مستخدمه...
يمكن تجنب الحديث عن الأمور المعروفة التي يتميز بها هذا البلد، مثل صناعة السيارات، برغم أن زيارة قصيرة لشركة <<تويوتا>>، على سبيل المثال، في المدينة التي سميت باسمها، ومشاهدة النماذج الجديدة المعروضة في صالاتها، تجعلك تدرك مدى تطور هذا الشعب الذي لا يمتلك أيا من الموارد الطبيعية. كما أن رؤية آلاف التقنيين يعملون كرجال آليين، لكن بنظرات ثاقبة وحماسة شديدة، على تجميع نحو 30 ألفا من القطع الصغيرة لتصبح في خلال أقل من 20 ساعة سيارة يقول صانعوها إنها الأكثر جودة في العالم، تجعلك تعي، من خلال التزامهم المطلق بجزئيات العمل، الخلفية الحضارية التي جعلتهم يعيدون بناء بلدهم خلال بضعة عقود من لا شيء تقريبا، بعدما دمر في الحرب العالمية الثانية.
لكن أروع ما قد يصادفه زائر لهذا الأرخبيل، العرض الذي كانت الشركة نفسها تقدمه في جناحها في المعرض الدولي الذي اقيم في مدينة ناغويا في محافظة ايتشي: مجموعة من الروبوتات (رجال آليين) يشكلون معا فرقة موسيقية، بمطربها، في إطار مسرحي هوليوودي يشعر المشاهد أنه قد مضى حتى منتصف القرن الحالي خلال لحظات، خاصة بعد دخول طاقم من سيارات المستقبل، وهي فردية تتسع لشخص واحد، يستطيع قائدها أن يركبها جالسا كما لو كان على مكتب، أو نائما، على غرار قيادة سيارات <<الفورمولا وان>>. الاختراق في هذا الجيل الجديد من الرجال الآليين، كما وصفه مروجو العرض، ليس فقط أنهم يعزفون الموسيقى، بمعنى قدرتهم على ضبط إيقاع النوتة الموسيقية، وإنما في قدرتهم على نفخ الهواء واستنشاقه ما يعني أنهم <<يتنفسون>> بشكل أو بآخر.
وفي المعرض نفسه، أقامت الحكومة اليابانية جناحا بني كله من مكونات تعتبر صديقة للبيئة انسجاما مع موضوع المعرض الذي كان موضوعه الاساس الطبيعة وعلاقتها بالإنسان. أروع ما فيه غرفة كروية عكست عليها صورة للسماء. سرعان ما تشعر بنفسك، عندما تدخلها، وكأنك تهوي من عل باتجاه المحيط الذي تغوص شيئا فشيئا في أعماقه فتمر جنب الأسماك وفي تشققات الصخور قبل أن تخرج في الفضاء الخارجي حيث ترى كوكب الأرض من مكان قريب فيبدو لك في أبهى حلله. وفيه أيضا حوض أسماك تتعايش فيه، عبر تقنية معينة، تعرف باسم تقنية <<نينو>>، أسماك بحرية وأخرى نهرية.
لكن إحساسا بالانزعاج المفرط سرعان ما يجد طريقه إلى نفسك لدى مرورك ببعض من الأجنحة العربية في المعرض. ستجد التركيز فيها على ماض غارق في القدم، أو على معالم سياحية من الواضح أن البلد المعني لم يعرف بعد كيف يستغلها بشكل كامل. العاملون في بعض من تلك الأجنحة يابانيون يرتدون الزي التقليدي لهذه الدول العربية. أما القيمون عليها فيبدو أنهم قانعون بحجم <<الإنجازات>> التي حققوها. لعلهم لم يزوروا أيا من الأجنحة الأخرى في المعرض.
غير أن الأكثر غرابة واستفزازا للعقل، <<العربي>> على وجه الخصوص، موجود في توتوري. معروف أن اليابان من أكثر بلدان العالم خضرة. لكن في الوقت نفسه، هناك في هذا الأرخبيل، الذي تبلغ مساحته 377835 كيلومترا مربعا، نحو 2400 كيلومتر مربع من التلال الرملية الموزعة في مناطق عديدة منه. حول اليابانيون الكثير منها إلى أماكن سياحية فيها جمال وكوفيات عربية. لكن يبدو أنهم ضاقوا ذرعا بها فأقاموا مركز أبحاث، بميزانية سنوية تبلغ ملايين الدولارات، لاستصلاحها والقضاء على الجفاف فيها، وكأن المساحات الخضراء الشاسعة لا تكفيهم. بل أكثر من ذلك، بات هذا المركز دولي التوجه، يتعاون مع كثير من نظرائه في العالم، بينها في السعودية وسوريا والسودان




 

اطبع الموضوع  

Home