قصة

 

السوق

أحمد الفلكى



 

عالم غريب وجو مختلف هو كذلك (السوق)، عندما أدخله أحس كأنني تائه بين نظرات البائعين.. غارقا في تأملات العجائز التي تبيع الخبز فوق الطرقات..محاولا اختراق عيونهم لكي أعرف ما هي  نظرتهم في الحياة وما الذي اكتشفوه بعض أطنانا من الخبرة والتعامل مع الحياة القاسية الصعبة..هل يتعاملون مع الحياة بالفطرة أم  يحسبون كل خطوة حتى يأمنوا من غدر الدنيا.. أتجول أكثر داخل السوق لأدخل (المربع الكبير).. وداخل هذا المربع توجد المنافسة بينهم وكأنك وسط بورصة تعج برجال الأعمال..ولكن الفرق بين هذا وذاك..رجال البورصة يتعاملون في الملايين..أما هؤلاء الرجال البسطاء يجاهدون لكسب (الملاليم)، هنا تجدهم يصرخون بالبضاعة لتروجيها أمام الناس..يصرخون بل يعوون كالذئاب،يأكلون ويشربون ويعملون وينامون في أماكنهم حياتهم كلها داخل هذا المربع الخراساني في عالم أكبر يسمي السوق داخل دائرة ضخمة تسمي الحياة..كلما أذهب إلي هناك أستمتع بالنظر إلي هذه الوجوه الطيبة..رغم أن هذه الوجوه تثير السخط والغضب عند المستهلكين..لحدة بعضهم في المعاملة وخشونتهم التي يظهرونها في كل وقت  وفي إي وقت بسبب وبدون سبب، أتأملهم وهم يتشاجرون وهم يسبون أحيانا..أضحك كثيرا  في نفسي عندما يغضبون..لأنني أعرف أن هذا ليس غضب أنه تنفيس عن مشاعرهم عندما تضيق عليهم ظروف الحياة..أو عندما تقوم ( البلدية) بفرد عضلاتها واستعراض قوتها علي هؤلاء البسطاء..هؤلاء الرجال الذين أعظم أحلامهم في الحياة..أن يجد ما يأكله هذا اليوم ويدخر منه ليرسله لزوجته وأولاده في القرية لسد أفواههم الصغيرة من الجوع..ومنع  يدهم لطلب  الإعانة من أحد غير الله سبحانه وتعالي..

كلما أذهب إلي هناك لا أريد المغادرة.. أحس بالدفء وبالأصالة داخل السوق..عندما أغوص في محاجر أعين الأطفال التي تبيع الخضروات علي أقفاص من خشب..لا أجد فيها غير البراءة والرضا، أحس بالراحة عندما أشاهد البنات البكر وهم ينادون علي الخبز في خجل واستحياء..راسمين البسمة على وجوههم، راضيين قانعين بنصيبهم في هذه الدنيا.. مهما واجهوا من المصاعب والأزمات مؤمنين بالله وبالقدر..

خرجت من المربع الكبير واتجهت لخارج السوق..تاركا الكل في هدوء وروية..

ونظرت إلي الأمام وعلي وجهي ابتسامة ..وفجأة أنقلب الهدوء إلي جحيم الكل يجري مسرعا متخبطا مفزوعا.وكأنها نهاية الكون.. أسرعت لأري ماذا يحدث عند أول السوق..ورأيت حملة ضخمة من رجال الشرطة والمباحث تقلب كل شيء رأسا علي عقب.. الخبز علي الأرض والأقفاص مهشمة والخضروات مدهوسة بالأقدام.. الرجال يهربون..النساء تلطم وبجانبها الأطفال تجهش من كثرة البكاء مفزوعين .. كل شيء من حولهم يُدمر في لحظة،مكانهم ومجلسهم وبضاعتهم ورزقهم..العربات الخشبية ترفع علي الأكتاف وتصادر من قبل رجال الحكومة..والفاكهة تسقط على الإسفلت كل شيء تم في سرعة وفى قسوة وفي لا مبالاة.. ونفضت المعمعة في أقل من ربع ساعة، وأصبحت بمفردي وسط السوق محدقا في ما حولي من خراب وكأنني أمام فيلم رعب من الدرجة الأولي.. ونظرت خلفي ووجدت معظم البائعين من الأطفال والنساء قد انحصروا داخل المربع الكبير..دموعهم في قلوبهم تنهمر لأنهم ليس لديهم الجرأة لإخراجها من عيونهم.. التقطت رغيف من الخبز كان ملقي على الأرض وأعطيته إلي الطفلة الحزينة على الرصيف..أخذته وهي تحمل نظرة تساؤل،قبلت رأسها..وتركتها حائرة وخرجت من السوق وعلى وجهي ابتسامة..ولكن ابتسامة من نوع آخر..

ابتسامة يأس...

"تمت"

أحمد الفلكي

22/2/2007

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home