مقال

 

الدراما في السعودية دبوس يوحنا الثاني.

متعب بن عبدالله



 

الأنظمة تنهار، و الحكومات تسقط، و المجتمع يبقى في وطنه، يجني أرزاقه من أرضه، ويعيد تجديد ما سقط أو انهار بتقوية سواعد الأجيال التي تليه، و بتنمية عقولهم.

 و العقول تتجدد بتجدد الأجيال، و الأفكار تبقى سارية المفعول في عقول من يتبناها، حتى من يعارضها له يدٍ في استمرارها بنقده لها، و بتوثيقه لمساوئها يدخلها التاريخ و يخلدها كنكرة معرفه!.

البابا يوحنا بولس الثاني، دخل التاريخ و ارتبطت أهم انجازاته بسقوط النظام الشيوعي.هذا الانجاز بدأ مع احتوائه لنقابة "تضامن" العمالية، و احتضانها ورعايتها، ودعم قائدها، عامل الكهرباء المتدين:"لخ فاونسا".

"فاونسا" و "يوحنا" لم يكونا ليحققا هذا الانجاز لولا "الدبوس" الذي رافق مسيرة النقابة.

و قصة "الدبوس" يمكن اختصارها في شعار النقابة المنقوش عليه، و يمكن تضخيم أحداثها بالمظاهرات الشعبية الشبابية المسالمة التي كانت الغاية من تعليقه فوق معطف الموظف المناهض للشيوعية، ويمكن لنا أن نبدأها مع الوعي الاجتماعي الذي بدأ ينمو في دول شرق أوروبا في الثمانينيات، و الذي أنتج جيلا من الشباب الواعي بقضايا مجتمعه السياسية و الاقتصادية و الثقافية، فأستمر في تعليق الدبوس كأولى خطوات مناهضة الشيوعية، و واصل مسيرته التنويرية حتى حقق الاستقلال التام عن راعية الشيوعية-: الإتحاد السوفيتي- في أواخر التسعينيات..

الحقبة التاريخية التي ظهر فيها هذا الجيل- على قصرها الزمني- غنية وثرية بالقضايا و الهموم الإنسانية التي ألهمت السينما الغربية-و الأمريكية بالذات- لتنتج أفلاماً كثيرة تدور في رحى الحرب الباردة أو تحلق خارج فضاء الأيدلوجية الامبريالية المناهضة للبلورتارية ، ذلك أنها فترة حراك اجتماعي، ومرحلة من مراحل التطور لمجتمع شرق أوروبا.

المجتمع السعودي حالياً، و منذ عدة سنوات خلت، يشهد حراكاً اجتماعياً، يقوده لمنعطفات ومنزلقات متعددة، و منشأ هذه المنعطفات و المنزلقات الخطرة هو أن الحراك الاجتماعي السليم -كما قال إديث كريزويل*- لا ينتج صراعاً بين الطبقات أو يغير من التركيبة السكانية للمجتمع، أي أنه انتقالاً سلمياً للأفراد بين الطبقات، يكتسبون بسببه ميزاتٍ-فكرية/اقتصادية/مهنية- تحسن من وضعهم الاجتماعي!..لكن الحراك الاجتماعي- وهذا ما يغض كتابنا الطرف عنه وفي مقدمتهم الكاتب/ الأمير!الأكثر استخداما لمصطلح الحراك الاجتماعي- السعودي غير سليم، و نتاجه غير معافى، فالطبقات تواجه صداماً ثقافياً وفكرياً، و الشرائح الاجتماعية-بكافة أجناسها، بحسب العمل أو الإقليم أو الجنس و العرق- تتعرض لتخلل في مركباتها الثقافية. و هذا الموضع ليس مجالاً لذكرها أو محاولة علاجها ودراستها، حيث الهدف منه الإشارة لوجود أرض خصبة و ثرية بالقضايا التي تستحق أن يلتفت لها كتاب الدراما، وينتجوا لنا عصارة أفكارهم حول هذه القضايا.

  و هنا أقف لأسال نفسي: لماذا الأفكار تتكرر في مسلسل "طاش ما طاش" بالرغم من غنى الحراك الاجتماعي السعودي بالأحداث و القضايا الملهمة، و لماذا الإنتاج الدرامي السعودي لم يخرج عن "الحبكة المستهلكة" طوال عقد من الزمن: "الوصي يختلس أموال القاصرين، ويذيقهم أصناف العذاب"...أين هم كتّاب السيناريو عن القضايا الفردية ذات الطابع الإنساني مثلاً!، أم تراه حراكنا الاجتماعي لم يستورد النزعة الفردية من نموذج المحاكاة: المجتمع الغربي!!، إذن ماذا نسمي غلبة رابطة الصداقة على الروابط الأسرية في المجتمع السعودي، وماذا نسمي ضعف روابط الجيرة!،و ماذا نسمي تغير المفاهيم تجاه الرقابة الاجتماعية وضعفها أمام الرقابة الشخصية.... أسئلة كثيرة، و تخمينات أكثر، تدور في ذهني حينما أنظر لحال الدراما السعودية و ابتعادها عن قضايانا الملحـة..الكثيرة، وحينما أفكر في الحل تتملكني القاعدة الأولى لـ"مانفيستو" حركة "الدادا*" الفنية: التحطيم و الهدم!.. تحطيم و هدم الأفكار السطحية التي يتبناها كتّاب الدراما الحاليين، و هـدم آليتهم في السيطرة على الدراما و توغلهم في تشويه الذائقة الجمالية للمتلقي السعودي، وهذا لن يتم –حتماً- إلا بتجديد العقول و فتح المجال للأفكار الجديدة لتحلق..بإحلال جيل واعي من الكتّاب الشباب ، ممن تجرعوا ذات الظروف التي شكلت حركة "الدادا"!.

___

*"عصر البنيوية-إديث كرزويل-ت.جابر عصفور".

*"الدادا/ حركة تشكيلية نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، خرجت على "الواقعية" و أنهت "التكعيبية" في بداياتها، وكانت البذرة الأولى لحركة "السريالية"..أسسها مجموعة من الرسامين و الموسيقيين و الشعراء!..و كان لها أثر على الحراك الاجتماعي، بقدر ما كانت ناتجة عنه!..




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home