للنساء فقط

 

أمية.. بنت جحا في فلسطين!!

محمد ياسين



 

ظلت شخصية جحا على مدى القرون والأزمان القاطرةَ التي حملت آمالنا وآلامنا وآراءنا وتحليلاتنا؛ فجحا ليس مجرد مهرج نستخدمه للترفيه عن أنفسنا، بل هو لسان حالنا -الفقراء والمسحوقين- المعبّر عما يجيش في صدورنا في ظل القهر والاستبداد الذي نعيشه. يقول -ونقول على لسانه- أخطر الآراء وأصعبها، ويفرّج عن الاحتقان الذي تعيشه نفوسنا في هذا الزمن العربي المكبل بالقيود والأغلال.

هذه الشخصية الأسطورية أنجبت لنا من رحم التاريخ الذي يكرر نفسه وريثا لها في فلسطين، اسمه "أمية فايز جحا" التي تُعَدّ من أبرز رسامي الكاريكاتير الساخر في العالم العربي اليوم، وأكثرهم جرأة وانحيازًا لفئة الفقراء والمعذبين في الأرض.

وطوال مشوارها الفني تمكنت هذه الرسامة من ترجمة مقولة "شر البلية ما يضحك" من خلال رسوماتها الساخرة التي تزين الصحف الفلسطينية والعربية؛ فقد نقشت برسوماتها اسمها بجدارة، وتميزت بين أشهر رسامي الكاريكاتير في العالم العربي؛ فحازت على العديد من الجوائز العربية والمحلية، وكانت صاحبة السبق في تدشين أول موقع كاريكاتير لرسامة عربية على الإنترنت.

فلسطين صنعتني

وقد كان للقضية الفلسطينية فضل كبير وحظ وافر في شهرة الفنانة الفلسطينية أمية؛ فهي -كما تقول- لو لم تولد فلسطينية لما أصبحت رسامة كاريكاتير؛ "فللمعاناة والأحزان دور كبير في بروز موهبتي، وتخصصها في هذا المجال بالذات، وفي بروز اسمي، بالإضافة إلى تميزي كامرأة تدخل مجالا اشتهر فيه الرجال حتى يومنا هذا". وتردف قائلة: "لأن القضية الفلسطينية لا تأخذ بعدًا محليًّا أو عربيًّا فحسب، بل بعدًا عالميًّا، وكون ريشتي أسخرها لخدمة هذه القضية كان ظهوري أمرًا عاديًّا، ولكن الأمر غير العادي كوني امرأة اشتهرت في مجال مقصور على الرجال". وقد أسهمت انتفاضة الأقصى على وجه التحديد في تطور أداء الفنانة الفلسطينية؛ حيث كان لانتفاضة الأقصى دور كبير في تطور ريشتها وأفكارها؛ ولهذا ما يبرره كما تقول: "فمن رحم المعاناة يولد الإبداع، والفنان لأنه مرهف الإحساس والمشاعر يكاد يكون أصدق الناس في التعبير عن هذه المشاعر، وعما يعانيه شعبه ووطنه؛ فكانت الانتفاضة وكان الجرح الكبير الذي ينزف يوميًّا؛ لذا صرت أقرب للناس وأكثر إحساسًا بهم".

مفتاح العودة

وقد نقشت الفنانة أمية مفتاح العودة -رمز فلسطيني للدلالة على التمسك بحق عودة اللاجئين- إلى جانب اسمها؛ ليكون شعارًا لها ولرسوماتها، لكنه في الحقيقة كان يعكس حقيقة انتمائها وبؤرة اهتماماتها.

وتنتمي الفنانة أمية جحا لعائلة فلسطينية لاجئة، اضطرت للنزوح والهجرة من قرية المحرقة عام 1948 مع آلاف الفلسطينيين الذين أجبروا على الرحيل من أراضيهم، وقد أبصرت النور بمدينة غزة في الثاني من شهر فبراير عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين.

وعاشت الفنانة الفلسطينية في كنف أسرتها المتواضعة في حي الشجاعية الشعبي، وحظيت بالرعاية والاهتمام من قبل أسرتها التي لعبت دورًا بارزًا في تنمية موهبتها الفنية، ثم انتقلت بعد حصولها على شهادة الصف الخامس الابتدائي إلى العيش في منطقة الجلاء وسط مدينة غزة.

رسامة المدرسة

وتتوسط أمية أشقاءها التسعة؛ فهي المولود الخامس للأسرة بعد 4 من الذكور، وقد عمل والدها مدرسًا للغة الإنجليزية، وأمضى فترة طويلة في دولة الإمارات العربية المتحدة سعيًا لتوفير لقمة العيش للأسرة؛ ولذا تولت والدتها رعاية أفراد الأسرة؛ حيث كابدت ظروف الحياة القاسية في ظل غياب رب الأسرة، حتى غدت مضربًا للأمثال في الصبر والكفاح والتربية الحسنة لأبنائها الذين أنهوا دراساتهم الجامعية في تخصصات مختلفة.

تلقت رسامة الكاريكاتير تعليمها الابتدائي والإعدادي في مدارس وكالة "غوث" للاجئين بغزة، وحصلت على شهادة الثانوية العامة من مدرسة فاطمة الزهراء بإمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد تميزت طوال فترات الدراسة بموهبة الرسم، حتى لقبت بـ"رسامة المدرسة"؛ حيث لعبت المدارس دورًا واضحًا في تنمية موهبة الرسم لدى الفنانة الفلسطينية.

لم تكن الموهبة وحدها هي ما يميز رسامة الكاريكاتير الفلسطينية؛ بل يضاف إلى تلك الموهبة تفوقها العلمي الذي تجلى بحصولها على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة الأزهر؛ حيث حصلت على درجة البكالوريوس في الرياضيات قسم التربية، وتخرجت عام 1995، حيث حصلت على أعلى نسبة مئوية في الجامعة 92.3%.

خربشت على الجدران!!

وتؤكد أمية أن الموهبة تولد مع الصغر "فأنا كنت موهوبة بالرسم منذ طفولتي، وقد كنت ألقى تشجيعًا من كافة أفراد العائلة؛ لأنني ما كنت أترك جدارًا في البيت أو حتى أرضية إلا وخربشت عليها، حتى الدفاتر والكتب"، مضيفة "كانت بداياتي في الرسم عادية؛ حيث كنت أرسم مناظر طبيعية وأشخاصًا ووجوهًا وتقليدًا لرسومات كارتون، وكذلك لرسومات رسامي الكاريكاتير التي كنت أراها على صفحات الجرائد، وخاصة الفنان الراحل ناجي العلي، وكذلك الفنان الراحل محمود كحيل".

وتتابع القول: "بدأت رسم الكاريكاتير في المرحلة الجامعية؛ حيث إنها مرحلة تتيح للطالب أن يعبر عن ذاته وموهبته، وتعطيه نوعًا ما مساحة لإبراز هذه الموهبة، وقد كان للتشجيع والإعجاب الذي أجده من الزملاء أو المدرسين دور كبير في المتابعة والتجديد، وكذلك الأهل الذين كانوا الحضن الأول لهذه الموهبة".

أول رسامة كاريكاتير

وتُعَد الفنانة الفلسطينية أول رسامة كاريكاتير في فلسطين والعالم العربي تعمل في صحيفة سياسية يومية؛ حيث عملت منذ سبتمبر عام 1999 وحتى فبراير عام 2002 في صحيفة القدس الفلسطينية، بعدما تركت العمل في حقل التعليم الذي استمرت فيه طيلة 3 سنوات، امتدت من عام 1996 وحتى عام 1999، قضتها في مدرسة أسماء بنت أبي بكر الأساسية الدنيا.

ومنذ فبراير 2002 تعمل أمية في صحيفة الحياة الجديدة اليومية، إلى جانب عملها في صحفية الرسالة الأسبوعية منذ نشأتها عام 1996، علاوة على عملها في صحيفة الراية القطرية، وصحفية المدينة السعودية، فضلا عن الكثير من مواقع الإنترنت، وأهمها موقع المركز الفلسطيني للإعلام، وموقع الداعية الإسلامي الأستاذ عمرو خالد.

زوج شهيد

وقد اقترنت رسامة الكاريكاتير في يوم 5-4-2001 بالمهندس رامي خضر سعد الذي استشهد بتاريخ 1-5-2003 أثناء تصديه لقوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء توغلها في حي الشجاعية.

وحول ذلك تقول الفنانة أمية: "تزوجت من الشاب رامي سعد الذي أعجبني فيه خلقه وأدبه وحياؤه، وكذا دينه وذكاؤه وغيرته على وطنه ودينه، ولقد كان متخصصًا في هندسة الكمبيوتر في الجامعة الإسلامية، وقد كان زواجنا في بداية انتفاضة الأقصى المباركة، ولقد رزقت منه بابنة جميلة أسميناها نور أبصرت النور يوم 31-7-2002".

وجدير بالذكر أن زوج أمية كان قبيل استشهاده عضوًا في مجلس طلاب الجامعة الإسلامية، وكان شاعرًا حماسيًّا مفوها بالخطابة وملهبًا لمشاعر الجماهير التي كانت تتلهف للاستماع إليه، علاوة على أنه أحد مؤسسي الوحدة 103 بكتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية حماس.

وتضيف أمية متحدثة عن تأثرها باستشهاد زوجها "لقد كان لاستشهاده أثر كبير على عملي؛ فلا شك أني افتقدت الزوج والسند وشريك العمر والطموح والنضال، ولكنني في الوقت ذاته أصبحت صاحبة لقب: زوجة الشهيد، وهذا اللقب عندما يقترن بي كرسامة كاريكاتير أيضًا يعطيني بعدا أكبر من المصداقية والمهابة في قلوب الناس، فضلا عن أنني أصبحت أكثر إحساسًا بمعاناة شعبي، وأكثر اندماجًا في الهم الواحد، ومن ثَم صارت الريشة أكثر قوة وتعبيرًا وصدقًا، وأكثر إبداعًا، وأكثر حزنًا في أغلب الأوقات".

وتذكر أمية أن زوجها "كان مرحًا وصاحب نكتة ظريفة ونقد لاذع"، وأنه كان أحيانًا يمدها ببعض الأفكار الكاريكاتيرية الطريفة، موضحة أنه "كان حريصًا على نجاحي واستمراري بشكل كبير، وكان دومًا يردد أنه سيكون: الرجل العظيم الذي يقف خلف امرأة عظيمة".

جوائز ومعارض

وقد نالت الفنانة الفلسطينية العديد من الجوائز، كان من أهمها جائزة الصحافة العربية لعام 2001 في الإمارات العربية المتحدة، وكذلك حازت على جائزة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في شهر آذار من العام 1999، حيث حصلت على المرتبة الأولى على محافظات الوطن برسوم الكاريكاتير.

وتتمتع رسامة الكاريكاتير أمية بعضوية جمعية ناجي العلي للفنون التشكيلية في فلسطين، وكذلك جمعية الفنانين التشكيليين، إلى جانب عضويتها في جمعية "Illustrator Agency " في بريطانيا.

وقد شاركت الفنانة أمية في معارض دولية وعربية ومحلية كثيرة، كان من بين المعارض الدولية التي شاركت فيها معرضان عقدا في فرنسا، ومعرض في أستراليا، وآخر في هولندا، كما شاركت في العديد من المعارض في عدد من الدول العربية من خلال النشاطات الطلابية في الجامعات العربية في لبنان والأردن ومصر، إلى جانب المعارض المحلية في الجامعات والمؤسسات الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ورغم اهتمام الرسامة أمية بالقضية الفلسطينية وجوانبها السياسية والاجتماعية فإنها لم تهمل مختلف القضايا الدولية والعربية، وفي هذا السياق تقول: "رسوماتي ليست مقصورة على الجانب السياسي؛ فأنا أرسم في كافة المجالات: اجتماعية، واقتصادية ورياضية وعربية ودولية، ولكن ربما اتسمت رسوماتي بالطابع السياسي؛ كون كل مناحي الحياة الأخرى سواء الاجتماعية أو الاقتصادية مرتبطة بالسياسة والوضع السياسي".

يذكر أن الفنانة الفلسطينية اتخذت موقفًا واضحًا من قضية منع الحجاب في فرنسا؛ حيث عبرت من خلال رسوماتها عن رفضها للتعدي على حق المسلمات في الالتزام بالدين الإسلامي؛ حيث تؤكد أنه "لا شك أنه مجاراة لحالة التعاطف الشعبي في العالم العربي والإسلامي، ولكنه أيضًا يعكس موقفًا شخصيًّا مني تجاه المسألة؛ فأنا كفنانة ملتزمة يهمها قضايا دينها ووطنها أجد أنه لزامًا عليّ أن أقف إلى جانب كل قضية تهم عالمنا الإسلامي، ومن حقي أن أدافع بكل ما أوتيت من موهبة وقدرة لنصرة هذا الدين أينما كان".

موقع إلكتروني

وقد دشنت أمية موقعًا خاصًّا لرسوماتها على الشبكة الدولية الإنترنت؛ فحازت على لقب "صاحبة أول موقع كاريكاتير لرسامة عربية"، كما حاز موقعها على المرتبة الأولى في مسابقة لاختيار أفضل موقع كاريكاتير عربي.

وتوضح ذلك قائلة: "فكرة إنشاء الموقع جاءت مترافقة مع انتفاضة الأقصى، وتحديدًا في شهر أغسطس عام 2000، حيث وجدت أن رسوماتي يجب أن تنتشر إلى العالم الخارجي، وأسهل وسيلة هي الإنترنت الذي يسهل التواصل مع كل العالم؛ فالإعلام عبر هذه الوسيلة صار وسيلة ناجعة من وسائل النضال".

وتضيف "الإقبال على الموقع ممتاز جدًّا ومشرف، حيث يقبل عليه زوار عرب وأجانب على حد سواء، ويبدون إعجابهم ويرغبون في نشر رسوماتي في مواقعهم أو بلدانهم، والحمد لله للموقع شعبية كبيرة في كافة المواقع العربية، ولكن هناك للأسف رسامين يحاولون تقليد رسوماتي وحتى أفكاري وشخصياتي، وفي المقابل لا أستطيع وسمهم بالسارقين، فقط أترك هذا للجمهور، وهو لا شك سيميز ويحكم".

ويحتوي الموقع الإلكتروني للفنانة الفلسطينية (http://www.omayya.com ) على عدة زوايا تعكس اهتماماتها؛ حيث خصصت أولى زوايا الموقع لانتفاضة الأقصى المباركة، ويقابلها زاوية أخرى للرسومات الخاصة بقضية اللاجئين، وتليهما زاوية مخصصة لعرض رسومات القضايا الداخلية للمجتمع الفلسطيني، كما أنها لم تنسَ العالم العربي من رسوماتها، وكذلك أفردت زاوية لرسوماتها المعبرة عن قضية الأسرى، قابلتها زاوية أخرى للشئون العالمية.

وتطمح الفنانة الفلسطينية بالوصول إلى العالمية في مجال رسوم الكاريكاتير؛ سعيًا منها لخدمة القضية الفلسطينية حتى الرمق الأخير، و"أن يعوضنا الله في صبرنا هذا نصرًا مؤزرًا، وأن تحيا ابنتي نور وغيرها من أطفال فلسطين في وطننا الذي ضحى أبوها وإخوانه من الشهداء بدمائهم من أجله في سلام وأمان"، كما قالت




 

اطبع الموضوع  

Home