قصة

 

المارد الأخضر

سليمان الوزني



في ليلةٍ من ليال كانون , لبست معطفي وخرجت أتجول في شوارع قريتي , ظلامٌ دامس والقمر يختبئ خلف أمواج الغيوم , رعدٌ وبرقٌ يتصارعان في جوف السماء وينقضان على الأرض فيتمزق السكون , حتى السماء بكت , نعم رأيتها تبكي وتتسابق دمعاتها لتلامس رأسي بحنان , استمتعت للحظات , سافرت بخيالي لأرسم لوحةً لرقة هذه السماء , وتساءلت "كيف خيم هذا الليل المجنون على سمائنا؟؟" وبكيت عندما أيقنت أنه قد اغتصب إرادتها , ولكني أفقت من وهمي حينما هطلت على رأسي أنهارٌ من الدموع التي ما لبثت حتى تحولت الى زخاتٍ من البَرَدِ المتوحش الذي يحاول تحطيم رأسي , عندها فقط عرفت أن هذه السماء التي خلتها رقيقةً هي جزءٌ من المؤامرة , ركضت وركضت هارباً من هذا البَرَدِ المتوحش , دخلت إلى الأزقة , عانقت جدران البيوت القديمة , جلست مقرفصاً جسمي في زاويةٍ بعيدة في أحد البيوت المهجورة , رباه ماذا أسمع؟؟؟ إنه صوت حفيف أوراق الشجر عندما يخترقها عنفوان الهواء , لا بل هو صوتٌ أقرب ما يكون إلى العواء ،  نظرت إلى الباب أمامي , تشنجت عيناي , اصفر وجهي , بدأ العرق يختنق على جسدي , رباه ماذا أرى؟؟؟ ماهذا اللون الأبيض الذي دخل من الباب؟؟؟ صعقت للحظات , انها الأشباح تريد أن تنهشني , لا وربي إنه الخوف يريد أن يفتك بي , صرخت بأعلى صوتي: "سألملم أشلاء شجاعتي وأجابه خوفي" , عندها أدرك الليل أنني قد قهرت أشباحه عندما هزمت خوفي , تبدد هذا اللون الأبيض وخيم على أرجاء الغرفة السكون ولم أعد أسمع صوت الرعد ولا البَرَدِ ولا حتى المطر , اطمأنيت للحظاتٍ واعتقدت أن الفجر قد أوشك على البزوغ , وما أن تمالكت أنفاسي حتى هبت العاصفة بعد ذلك السكون , اقتلعت العاصفة ذلك البيت المهجور الذي آواني , ركضت وركضت علي أجد بيتي أو لعلي أعبر حاجز الزمن , ركضت والأعاصير من حولي تتقاذفني والهواء البارد يصطدم في وجهي والصقيع يتراكم تحت قدمي , وقعت أرضاً لكني لست أدري إن كنت حياً أم ميتاً ولكن كل الذي أدري أني فتحت عيني لأراه يتقدم نحوي , تساءلت "ماهذا اللون الأخضر الذي أضاء في سواد ليلٍ حالك؟؟؟" , أمسك بيدي ورفعني , أحسست بأن الزمن توقف بي , نسيت من كان يلاحقني , لم أعد أسمع أو أرى شيئاً سوى هذا الشئ الذي يقف أمامي , إنه ماردٌ يحمل بيده مصحفاً وبندقية , ويرتدي قناعاً أخضر يعلوه كلمات لا اله الا الله محمداً رسول الله , اتسعت عيناي وابيض وجهي وارتسمت الابتسامة على ملامحي ومن ثم ارتميت في حضنه أبكي

 

قال : لكل ليلٍ فجرٌ يبدد ظلمته

 

قلت : من أنت؟؟؟

 

قال : أنا الكرامة إذا غرق الكون بالذل , أنا الشجرة الخضراء التي ستَحتَرِق لتبدد ظلمة هذا الليل

 

قلت : وأين هو الفجر؟؟؟

 

قال : يحتاج من يفك أسره

 

قلت : ومتى ستشرق الشمس؟؟؟

 

قال : حينما يأتي من يستحق أن تشرق عليه

 

قلت : وما هذا الحزام الأخضر؟؟؟

 

قال : حبات زيتون

 

قلت : ولم تلفها على خصرك؟؟؟

 

قال : انظر وستعرف

 

وطار بأجنحته مرفرفاً على جبين الأفق , بدأ يُمزق صفحات الهواء , أخذ يتصارع مع الأعاصير والعواصف , تغلب على شراسة البرق والرعد , وعندما وصل إلى قلب السماء تفجرت حبات الزيتون وألقى هذا المارد الأخضر بجسده متشظياً ليُحرق ظلام هذا الليل المجنون , وعندما رَأيت دمائه وأشلاء جسده مبعثرةً في أرجاء الأفق صِحت بأعلى صوتي : لماذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

فسمعته يجيبني بصرخاتٍ تدوي كالمدفع : من بحر دماء الشهداء نصنع دولة

 

تشققت السماء وتسلل اليها القمر وارتسم في عنانها قرص الشمس وضحكت الأشجار وتنفست البلابل رحيق النهار , فحملت بندقيتي ولبست القناع الأخضر في رأسي وقطفت حبات الزيتون , وألقيت بظهري على أمواج العشب الأخضر التي ارتوت من دمائه , وأغمضت عيني بعد أن اتخذت قراري , "فإن عاد ذلك الليل المجنون ليقتل إرادتي وليسرق سمائي وليغتصب خضار تربتي فإنني لست أُبالي إن فجــــــرت به نفســـــــــي




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home