دراسات هامة

 

نهاية التاريخ بين النموذج الغربي والنموذج القرآني

محمد الحسيني إسماعيل



نهاية التاريخ

*

بين النموذج الغربي .. والنموذج القرآني

*

دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

*

************

*

 

      عقب نشر مقال " رسالة إلى الدكتور طارق السويدان .. حول معنى المؤامرة .. ومعنى الثقافة العربية " .. أثار بعض القراء تساؤلات عن معنى : ما المقصود بنهاية التاريخ في هذه المقالة .. وهل هو يوم القيامة ..؟!!!  وما يسبقه من علامات صغرى وعلامات كبرى .. بما في ذلك ظهور المسيخ الدجال .. ونزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان .. لكي يقتل المسيخ الدجال .. ويكسر الصليب .. ويقيم شعائر الدين الإسلامي ..؟!!!

 

      وللرد على هذه التساؤلات .. أقول بأن " نهاية التاريخ " الذي أقصده هو الفكر الذي قال به بعض فلاسفة الغرب ، بعيدا عن الفكر الديني ، ويُعرّف بأنه : الحالة التي سوف تنتهي فيها حروب البشرية .. ويسود فيها العدل والسلام على الأرض .. وتعرف هذه الحالة بالحالة ـ البشرية ـ المنتظمة ( the steady state ) . وهي حالة لا علاقة لها بالنبؤات الدينية .. لا من المنظور الإسلامي ، ولا من المنظور المسيحي .. بل هي حالة يتوقعها بعض المفكرين والفلاسفة كما يمكن أن تشير إليها حركة التاريخ نفسه .

 

      فقد كان الفيلسوف الألمانى عمانويل كانط  ( 1724 ـ 1804 ) يرى أن التاريخ البشرى الذى يبدو وكأنه مجرد سجل حافل من الحروب الوحشية المستمرة بين الإنسان ونفسه ، وأن " هذا المسار الأبله والوحشي لأمور البشر " والذى يبدو على السطح وكأنه خال من أى نمط معين ، قد يوجد فى أعماقه حركة ما منتظمة ، بحيث .. ما يبدو من الفوضى فى فترة زمنية قصيرة ، قد يكشف عن تطور بطىء مطرد فى اتجاه معين عبر حقبة طويلة من الزمان .

 

      ولهذا اقترح كانط فى مقالة له عام 1784 بعنوان " محاولة لكتابة تاريخ عالمى من وجهة نظر عالمية " ، بإعادة كتابة تاريخ البشرية من جديد بمفهوم عالمى يبين لنا هذا الاضطراد أو هذا الهدف النهائى الذى يتجه نحوه التاريخ .  ولم ينته كانط  إلى أي فكر .. حول هذه النهاية ـ أي نهاية التاريخ ـ على الرغم من أنه كان يتوقع وجودها .

 

      وجاء من بعده هيجل ( 1770 ـ 1831 ) .. وتمثل عنده نهاية التاريخ فى " المجتمع الليبرالي " . ثم جاء من بعده كارل ماركس ( 1818 ـ 1883 ) ـ مؤسس الفلسفة الماركسية ـ حيث تمثل " نهاية التاريخ " عنده فى " المجتمع الشيوعى " [1] .

 

 

·       نهاية التاريخ .. النموذج الغربي ..

 

      ولما سقط المجتمع الشيوعى جاء " فرانسيس فوكوياما : Francis Fukuyama " ـ في كتابه ( نهاية التاريخ ونهاية البشر ) في نهاية القرن الماضي ( 1992 ) ـ وقال بأن التاريخ سوف يصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى النظام الاجتماعي الذى يشبع الحاجات ـ المادية ـ الأساسية للبشر .. وأن هذا النظام يتمثل في " النظام الديموقراطي الليبرالي " [2]  . وبديهي ؛ كان يعني بهذا الديموقراطية الأمريكية ..!!!

 

      ونظرا لمسيحية فوكوياما .. واعتماده على " الكتاب المقدس " الذي دمر أخلاقيات البشر واستباح دماءهم وأعراضهم .. وأصبح المرجع الأساسي في تأسيس المدارس الأولى للإرهاب في العالم .. لهذا نجده يتخوف من تدمير الإنسان لنفسه بنفسه ..!!!  حيث يقول بأن الملل الناجم عن السلام والرخاء فى الماضى قد كان له أخطر العواقب .. ويضرب على هذا مثلا بأن من أهم أسباب حدوث الحرب العالمية الأولى .. كان الملل والرتابة هو محركها وباعثها الأول ..!!!

 

      ولـهذا لم يستبعد فوكوياما قيام حرب عَدَمية  ضد الديمقراطية الليبرالية من قِبـَل أولئك الذين شبوا فى ظلها . كـما وأن  الفكر الحديث لا يستطيع أن يقيم الحواجز الكافية فى وجه هذه الحرب ، لأن أول ما تصطدم به الديموقراطية الليبرالية هو الطبيعة البشرية ذاتها ، ولهذا نجده يقول :

 

      [ أن جذور الصراع التى أدت إلى الحرب العالمية الأولى لا تزال إلى يومنا هذا تبدوا معقدة ، ومحورا لدراسات كثيرة وجدل كبير . فثمة قدر من الحقيقة فى تفسيرات أسباب الحرب ، منها الروح العسكرية والنزعة القومية فى ألمانيا ، والتصلب المتزايد فى نظام التحالفات ، والإنهيار المطرد فى ميزان القوى الأوروبى ، والبواعث التى وفرتها النظريات والتكنولوجيات على القدرة فى الردع وعلى بدء الهجوم  ، وغباء وتهور قادة أفراد معينين . غير أنه إلى جانب هذا كله ، ثمة عامل أكثر تعقيدا وحيوية أدى إلى الحرب وهو أن الكثير من أفراد الجماهير الأروبية أرادوا الحرب بكل بساطة لمللهم من رتابة حياتهم المدنية وافتقارهم إلى المشاعر الجماعية فى هذه الحياة المدنية . ]

 

وللتفاصيل .. يمكن الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : " الدين والعلم وقصور الفكر البشري " لرؤية وتحليل هذا الفكر ونقده .

 

      والبعد الحقيقي للديموقراطية الليبرالية الغربية .. هو بعد مادي إلى أقصى الحدود .. حيث اتجه الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية .. للتعامل مع الإنسان على أنه " مادة بشرية : Human Material " ليس إلا ، فإن أمكن توظيفه أصبح بهذا المعنى " مادة مفيدة : Useful matter  " ، أما إذا لم يمكن توظيفه فيشار إليه بأنه " فائض بشرى : Human Surplus  " ، أو أنه " مادة غير نافعة : Un-useful matter " . وهذه المادة الفائضة لابد وأن تخضع لشكل من أشكال المعالجة لتصحيح وضعها ، فإما أن " تصدّر :Transferred  " ( أي تنقل من مكان إلى آخر ) ، أو يعاد صياغتها ( أي يتم توظيفها في مجالات أخرى ) ، أو " تباد : Exterminated " إن فشلت معها الحلول السابقة .

 

    لتنتهي ـ الديموقراطية الليبرالية ـ بالبشرية إلى مفهوم " العلمانية الشاملة " .. والتي تعني خلق أجيال من العبيد البشري .. في الصباح في المصنع للإنتاج .. وفي المساء في السوبر ماركت للاستهلاك .. وفي الليل في الملهى الليلي للاستمتاع .. بدون عقل يذكر .. وهو المعنى الذي يخطط الغرب لبلوغه باستخدام " غسيل المخ الإعلامي " على جموع الشعوب ـ مع التركيز على الشعوب الإسلامية ـ بهدف " صناعة القبول " ( أي قبول فكر العلمانية الشاملة ) .. أو ما يعرف باسم : " هندسة الموافقة " ..!!!

 

      وهكذا ينتهي الغرب بحقبة " نهاية التاريخ " إلى تقسيم البشر إلى مجاميع من القطعان البشرية .. أو حيوانات بشرية لا إرادة لها .. وبلا عقل يذكر ..!!!  ليس لها القدرة على اتخاذ القرار .. حيث تعتمد هذه القطعان البشرية ـ وبشكل مباشر ـ في اتخاذ القرار على مجموعة من الحكماء التي تعمل في إطار مصلحة الأسياد أو السادة الكبار ( اليهود ..!!! ) .. ويصل التحكم في هذا القطيع البشري إلى حد تحديد أعداده ومدى الحاجة الاقتصادية إليه .. وإبادة كل ما عدا ذلك في إطار غاية اقتصادية عليا .. تخدم أهداف هؤلاء الأسياد أو السادة الكبار ..!!!

 

  وهكذا ؛ ساد فكر " الدارونية الإجتماعية : Social Darwinism " ( أي البقاء للأقوى ) المجتمع ـ الأمريكي الحيواني .. خصوصا في علاقتهم بالآخر ـ بعد أن تداخلت غاياتهم الاقتصادية مع الاعتقاد الديني في الخرافات والأساطير التي يمليها عليهم كتابهم المقدس ( العقيدة الألفية السعيدة ) ..!!! وهكذا تأصل فكر " نهاية التاريخ " عند الغرب وأصبح الغاية لبلوغه هدف أساسي وسياسي لديهم .. للتحكم في شعوب العالم الثالث بصفة عامة .. وفي شعوب العالم الإسلامي على وجه الخصوص .

 

      وما سبق ذكره .. عن صناعة القبول أو هندسة الموافقة .. هو فكر مطبق بالفعل على شعوب العالم المسيحي . فقد نجحت الكنائس المسيحية في تشكيل فكر الفرد المسيحي وسلبه إرادته تماما ـ بل وعقله أيضا ـ في اتخاذ القرار الديني بشأن عقيدته . بمعنى حتى بعد تيقن الفرد المسيحي من وثنية وخرافة الديانة المسيحية .. إلا أن الفرد لا يستطيع اتخاذ قرار التغيير بنفسه.. أو حتى أي قرار آخر بشأن إعادة التفكير في أمور دينه إلا بعد الرجوع إلى الكنيسة لتفيده بالرأي [3] .. وبديهي سوف تعمل الكنيسة على تقديم التبريرات الكافية للفرد بصحة وسلامة الاعتقاد المسيحي .. حتى يمكنها ـ بالخداع ـ إعادة الفرد إلى حظيرتها مرة أخرى .. وإلى حظيرة الإيمان بالديانة المسيحية ..!!!  وقد نجحت الكنائس ـ بالفعل ـ في الوصول إلى مبتغاها هذا باستخدام أساليب غسيل المخ الجماعية التي يجريها الكهنة على النشأ منذ طفولتهم ( راجع سلسلة كتابات الكاتب عن : سيكلوجية الدين والتدين ) ..!!!

 

      ومن أكبر الأدلة ـ الواقعية ـ على نجاح تشكيل فكر " صناعة القبول .. أو هندسة القبول " .. لدى الجموع .. هو رفض الفرد المسيحي الحوار ـ بشكل مطلق ـ مع الفرد المسلم حول معنى عقيدته المسيحية وما تحويه من خرافات وأساطير لا تتفق مع أدني المعارف العلمية في العصر الحديث . وليس هذا فحسب .. بل أن الكنيسة نفسها ترفض الحوار ـ العقائدي ـ وبشكل مطلق مع رجال الدين والمفكرين الإسلاميين . ولا تقبل بالحوار إلا فيما تفرضه هي ـ مسبقا ـ من مواضيع على مائدة الحوار .. على ألا يخرج الحوار عن هذه المواضيع ..!!!  وعادة ما تكون جميع المواضيع المفروضة من قبل الكنيسة .. تنحصر في بعض المسائل أو الأبعاد الاجتماعية المحدودة فقط .. وتكون بعيدة كل البعد عن أسس العقيدة المسيحية نفسها .. وهي الأسس التي تقوم على ألوهية المسيح ( عيسى بن مريم .. عليه السلام ) .. ومعنى الفداء والصلب ..!!!

 

 

·       نهاية التاريخ .. النموذج القرآني ..

 

      وفي مواجهة هذا الفكر أصبح لا مناص من البحث عن " نهاية التاريخ " بمعناه الحقيقي والشامل بعد أن تأصلت المعاني المنحطة واللا أخلاقية التي يفرضها نصوص الكتاب المقدس في الفكر الغربي ( على سبيل المثال : حروب الإبادة الشاملة التي يجريها شعوب العالم المسيحي على شعوب العالم الإسلامي ـ في الوقت الحاضر ـ ومحو الإسلام من الوجود ) .. والتي لن تؤدي ـ وبما لا يدع مجالا لأي شك ـ ليس إلى هلاك البشرية فحسب .. بل إلى اندثار الحضارة الإنسانية أيضا .. وبالكامل ..!!!

 

      وهنا كان علينا الانتقال من الفكر الغربي .. إلى الفكر الإسلامي لنرى معنى " نهاية التاريخ " .. من المنظور القرآني ( أي المنظور الإلهي .. من وجهة النظر الإسلامية ) . وفي الصفحات القليلة الباقية سوف نرى أن الفكر الإسلامي لنهاية التاريخ يتحرك على ستة محاور أساسية .. سوف أقوم بعرضها فيما يلي .

 

      ولكن قبل عرض هذه المحاور أؤكد على أن هذا العرض ليس مبني على مجرد الإيمان ـ الأعمى أو الاعتباطي ـ بالدين الإسلامي فحسب ؛ فقد بينت ببراهين علمية صارمة ـ وبما لا يدع مجالا لأي شك ـ أن الدين الإسلامي هو قضية علمية كلية .. يمكن التثبت من صدقها بطرق متعددة وتجارب غير محدودة .. بعكس النظريات العلمية الكبرى المعاصرة والتي يثبت صحتها من عدد محدود وقليل جدا من التجارب الدالة على صحتها ..!!! وكل ما عدا الدين الإسلامي .. فهي أديان يسهل جدا البرهنة المطلقة على خرافتها ووثنيتها ..!!! والآن إلى هذه المحاور ..

 

المحور الأول :  بداية نجد أن الفكر الإسلامي قد نقل القضية الدينية من حيز الوهم ( أي الإنسان مصدر وجود الإله وليس الإله هو الخالق للإنسان ) ، ومن حيز الاعتقاد ( بدون برهان ) إلى حيز القضايا العلمية الكلية ذات البراهين الراسخة . أو بمعنى آخر نقل " القضية الدينية " من الحيز النسبي ( أي التسليم بصحة كل الأديان ) إلى " الحيز المطلق " ( أي دين واحد هو الصحيح وكل ما عداه باطل ) . وقدمت هذه النقلة الفكرية ببراهين راسخة مثل البراهين المستخدمة في النظريات العلمية الكبرى المعاصرة .

 

وتعرف هذه النقلة الفكرية باسم : " التحول في النموذج الديني : Paradigm Shift in Religion " .  وهكذا ؛ أعطى الدين الإسلامي البرهان العلمي الدال على صحته .. وليس هذا فحسب .. بل أعطى أيضا المقاييس (  the measures ) الكافية التي يمكن استخدامها في البرهنة على صحة أي ديانة أو خطأها . وقد تمثل هذا العطاء في قوله تعالى في قرآنه المجيد .. في الآية التالية :

 

) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) (

( القرآن المجيد : النساء {4} : 174 )

 

ومن هذا المنظور .. أصبح لدينا من المنطق العلمي ما يكفي للبرهنة المطلقة على خرافة ووثنية الديانات الأخرى الموجودة على ساحة الفكر البشري .

 

المحور الثاني : يبين لنا القرآن المجيد أن التاريخ سوف ينتهي عندما تدرك البشرية بأن الدين الإسلامي هو الدين الحق الوحيد .. وهو الدين الذي سوف يسود في " نهاية التاريخ " البشري .. كما جاء قوله تعالى في قرآنه المجيد :

 

) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) (

( القرآن المجيد : الصف {61} : 9 )

 

المحور الثالث : أن التاريخ سوف ينتهي عندما يدرك الإنسان ـ ببراهين قاطعة ـ وجود الخالق العظيم له وللكون ( الله : سبحانه وتعالى ) .. أو بمعنى آخر عندما تنتهي حركة الإنسان إلى البرهنة المطلقة على وجود الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما جاء قوله تعالى في قرآنه المجيد ..

 

) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) (

( القرآن المجيد : الإنشقاق {84} : 6 )

 

[ التفسير / الكدح : يشمل أيضا الملاحظة ونتائج التجارب الدالة / فملاقيه : تشمل أيضا بلوغ البشرية حقبة نهاية التاريخ .. أو بعد موت الإنسان والمواجهة مع الحق المطلق .. بعد أن تتكشف للإنسان الحقائق ]

 

وتنتهي الحضارة البشرية .. وبلوغ حقبة نهاية التاريخ .. بالمعرفة الحقة لله ـ سبحانه وتعالى ـ ويأتي هذا بنص مباشر في قوله تعالى ..

 

) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42) (

( القرآن المجيد : النجم {53} : 39 - 42 )

 

[ التفسير / السعي : يشمل أيضا الملاحظة ونتائج التجارب الدالة / المنتهى : نهاية التاريخ بمعناه الشامل أي بمعنى نهاية حياة الإنسان وبمعنى الوصول إلى حقبة نهاية التاريخ البشري .. أي الوصول إلى الحالة الانتظامية ( steady state ) ]

 

ومن هذه الآيات الكريمة .. يمكننا أن نرى أن حقبة نهاية التاريخ سوف تبلغها البشرية : (1) عندما تجتمع على معرفة الإله الحق ( الله سبحانه وتعالى ) . (2) وعندما تجتمع على الدين الواحد الحق ( الدين الإسلامي ) . ويتم ذلك ـ بغض النظر عن الاعتقاد ـ ببراهين علمية راسخة كما تأتي في النظريات العلمية الكبرى .. والتي تؤيدها التجارب الكونية الدالة .. والتجارب المعملية الحسية التي تؤكد صدق هذه المعرفة .. وصحة هذا الاعتقاد .

 

المحور الرابع : أن التاريخ سوف ينتهي عندما يدرك الإنسان ـ ببراهين قاطعة ـ وجود الغايات من خلق الإنسان وأن عليه تحقيق هذه الغايات لكي يفوز بالسعادة الأبدية المنشودة . ويأتي هذا المعنى في قوله تعالى في قرآنه المجيد ..

 

) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) (

( القرآن المجيد : الأنبياء {21} :  16 - 18 )

 

وكما جاء في قوله تعالى ..

 

) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) (

( القرآن المجيد : المؤمنون {23} : 115 - 116 )

 

وكما نرى ؛ فإن هذه الآيات الكريمة .. تؤكد على وجود الغايات من الخلق ( لها مقالات أخرى ) .

 

المحور الخامس : حديث الرسول ( ص ) ( مسند أحمد ـ رواه حذيفة )

 

[ ‏تكون نبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضي ، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضى ، ثم يكون ملكاً عضوضاً ‏( ‏وراثياً‏ )‏ ما شاء الله له أن يكون ثم ينقضى ، ثم تكون جبرية ‏( ‏ديكتاتوريات‏ )‏ ما شاء الله لها أن تكون ثم تنقضى ، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة تعم الأرض‏ ]

 

وكما رأينا ـ من خلال عرض مرجع الكاتب السابق : " السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " ـ أن التسلسل التاريخي للدولة الإسلامية قد انطبق تمام الانطباق على هذا الحديث ، حيث جرى التاريخ على النحو التالي :

 

عصر النبوة                                    : 570 ـ 632    م

عصر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة       : 632  ـ 661   م

عصر الملك العضوض ( توريث الحكم )        : 662  ـ 1924 م

عصر الديكتاتوريات ( ممالك وجمهوريات الرعب )  : 1924 ـ  ....

عصر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة :  .. ـ  إلى ما شاء الله

 

      ونأمل أن نكون ـ في الوقت الحاضر ـ على أبواب انتهاء عصر الديكتاتوريات ، وبداية عصر الخلافة الراشدة مرة أخرى على منهاج النبوة ، وأكرر ـ للجهلة ـ أن الخلافة الراشدة لا تعني سوى النظام الجمهوري الديموقراطي الليبرالي ( أي حكم الشعب بالشعب بمعناها المثالي ) بالتعبير الحديث ، وأعتقد أن التحول في النموذج الديني ( أنظر كتابات الكاتب السابقة ) سوف يكون هو المدخل الوحيد إلى هذا العصر ، وهو التحول الذي ينقل القضية الدينية من " حيز الوهم والاعتقاد " إلى " حيز القضايا العلمية الراسخة " ، أو بمعنى آخر هو التحول الذي سوف ينقل القضية الدينية من " الحيز النسبي " إلى " الحيز المطلق " ، وعند هذه اللحظة الفارقة سوف تدرك البشرية ـ على أسس علمية وبراهين راسخة ـ معنى الدين ، ومعنى الوجود ، ومعنى الغايات من الخلق . وبهذه المعاني سوف " تتوحد البشرية حول معنى الدين الواحد الحق المطلق " ، وتسعى لتحقيق الغايات من خلقها ، وحينها فقط ـ وليس قبل هذا ـ سوف يعم السلام الدائم على الأرض بأشمل وأعم معانيه ..

 

      وأود أن أنوه ـ هنا ـ أنني قد بينت في مرجعي السابق : " السقوط الأخير / تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " ( الفصل الرابع : توريث الحكم .. وعقد الإمامة في الإسلام ) أن الإسلام العظيم لم يأت إلا بالديموقراطية الليبرالية ـ في نظام الحكم ـ بالمعنى المثالي .. وأن العيب ـ كل العيب ـ في الدولة الإسلامية الحالية .. يرجع إلى الأنظمة الطاغوتية الحاكمة .. كما يقع هذا العيب ـ أيضا ـ على عاتق شعوب العار التي استضعفتها هذه الطواغيت  .. وليس العيب في المنهاج الإسلامي .. كما يحاول الغرب أن يروج لهذا المعنى بإعلامة المغرض .. والمخطط لهذا ..!!!

 

       والفارق بين معنى : " الديموقراطية الليبرالية " .. وتحقيق أقصى إشباع مادي للإنسان .. في الفكر الغربي .. وبين معنى " الديموقراطية الليبرالية " .. وتحقيق أقصى إشباع مادي للإنسان ـ أيضا ـ في الفكر الإسلامي ولكن بالمعنى المثالي .. هو فارق أكبر من أن يحسب . ويرجع هذا الفارق إلى الخلفية الدينية في كلا المجتمعين .. أي المجتمع الإسلامي والمجتمع المسيحي .. وهو الفارق الجوهري بين القرآن العظيم .. وبين الكتاب المقدس ..!!!

 

ففي القرآن العظيم .. يقول الخالق العظيم ..

 

) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) (

( القرآن المجيد : النحل {16} : 90 )

 

ويموج القرآن العظيم بمكارم الأخلاق .. إلى حد قول الرسول الكريم ( ص ) .. ( رواه أبي هريره .. والبزار ) ..

 

[ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ]

 

بينما ـ في المقابل ـ نجد الكتاب المقدس لا يلعن الإله فحسب .. بل يجعل من الإله لعنة خالصة أيضا .. كما جاء هذا في النص ـ المقدس ..!!! ـ التالي ..

 

[ (13) إن المسيح ( الإله من المنظور المسيحي ) حررنا بالفداء من لعنة الشريعة ، إذ صار لعنة عوضا عنا ، لأنه قد كتب : " ملعون كل من علق على خشبة " ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية 3 : 13 )

 

وليس هذا فحسب .. بل ويلعن الكتاب المقدس كل من يعمل بالشريعة الإلهية .. أي كل من يعمل بمكارم الأخلاق .. كما نرى من النص ـ المقدس ..!!! ـ التالي ..

 

 [ (10) أما جميع الذين على أعمال الشريعة ، فإنهم تحت اللعنة .. ]

( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : غلاطية 3 : 10 )

 

وهكذا ؛ سقط المقدس .. كما سقطت الأخلاق والقيم في المجتمع الغربي أو بمعنى أدق في المجتمع المسيحي .. بفضل الكتاب المقدس . وبديهي خير شاهد على هذا المعنى .. الأحداث المعاصرة .. وحروب الإبادة البشرية التي يجريها الغرب ـ أو العالم المسيحي ـ على شعوب العالم الإسلامي .. في فلسطين .. وأفغانستان .. والعراق .. والبوسنة .. وغيرها ..!!! بينما بقى للمقدس قدسيته .. وبقيت للأخلاق قيمها في المجتمع الإسلامي . بل وتخطى الإسلام العظيم فكر الديموقراطية الليبرالية .. وتحقيق أكبر إشباع مادي للإنسان ـ بالمعنى المثالي ـ إلى ما وراء ذلك بكثير . وهكذا ؛ يصبح نهاية التاريخ من المنظور الغربي جزئية مشوهة .. من المنظور المثالي الكامل والمتكامل الذي جاء به القرآن المجيد . فالقرآن العظيم هو الكتاب الذي :

 

  • قام بتحرير الإنسان من العبودية للإنسان .
  • وأمر بالإحسان إلى كل مخالفيه .
  • دعى إلى السلام ( الإيجابي ) .. حتى مع أعتى أعدائه .
  • حدد الغايات من خلق الإنسان ووجوده على هذا الكوكب .. كوكب الأرض .
  • أنار طريق المعرفة أمام الإنسان .. ومفهوم ومعنى البعث والجزاء من نفس العمل .. إن خيرا فخير .. وإن شرا فشر .
  • ألقى الضوء على معنى الوجود والمصير .
  • ألقى الضوء على معنى الحياة الروحية والأبدية للإنسان ، كما حقق التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي للإنسان .
  • وغيرها الكثير ..

 

      بينما انتهى الغرب ـ في المقابل ـ بفضل الكتاب المقدس .. إلى الدارونية الاجتماعية ( أي نماذج اجتماعية أحط من المجتمعات الحيوانية .. خصوصا في علاقتها بالآخر ) .. والتي تتخفى في ثياب الديموقراطية الليبرالية . وهي الديموقراطية التي عملت على إطلاق العنان لشهوات الإنسان ورغباته .. بلا قيود ..!!! فالكتاب المقدس هو الكتاب الذي :

 

  • أباح استعباد الإنسان لأخيه الإنسان .
  • أمر بإبادة كل مخالفيه ( وهو ما يعني تشريع الإبادة للبشرية ) ..!!!
  • دمر الأخلاق والقيم الإنسانية .
  • جعل من كل الموبقات حلالا .. بل وجعل التمادي في اقتراف الموبقات سببا في بلوغ ملكوت السماء ـ هذا إن كان لهم ملكوتا ..!!!
  • كما غيب مفهوم البعث والحساب والجزاء .. وبهذا غيب الضمير الأخلاقي عند الإنسان على نحو قطعي ..!!!

 

وهذا هو الفارق بين نهاية التاريخ بالمفهوم الغربي .. ونهاية التاريخ بالمفهوم الإسلامي .

 

المحور السادس : سوف نصل إلى حقبة نهاية التاريخ  .. عندما تصل البشرية إلى أوج حضارتها .. وتنتهي إلى قرب سقف المعرفة البشرية .. كما جاء في قوله تعالى ..

 

) .. حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) (

( القرآن المجيد : يونس {10} : 24 )

 

ويستطيع القاريء المدقق رؤية الدقة القرآنية في قوله تعالى .. ) .. أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا .. (   والذي يعنى أن نهاية الأرض سوف تنتهي كلها مرة واحدة .. أي نصفها ليل ونصفها الآخر نهار ..!!!  وعند النهاية .. تتطاير الأخبار في كل الدنيا .. بهذا الأمر الجلل .. كما جاء في قوله تعالى ..

 

) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) (

( القرآن المجيد : الزلزلة {99} : 4 - 8 )

 

فهي غايات من الخلق .. فهل وعى الإنسان هذا ..؟!!!

 

      ويبقى أن أشير ـ هنا ـ إلى أن التطور التنكنولوجي الذي قد يحققه الإنسان في نهاية الزمان .. قد يسمح للإنسان بمغادرة الأرض وانطلاقه في الفضاء الخارجي إلى السماء .. بعيدا عن المجموعة الشمسية وقت حدوث كارثة النهاية .. ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان سوف يكون بمنأى عن القدرة والقدر الإلهي .. بل ستطوله هذه القدرة ـ حتى وهو في الفضاء الخارجي ـ شأنه في ذلك شأن كل سكان الأرض جميعا عند نهاية الحياة .. كما جاء في قوله تعالى ..

 

) وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) (

( القرآن المجيد : العنكبوت {29} : 22 )

 

[ التفسير :  ( وما أنتم بمعجزين ) : أي ببعيدين وفائتين من قدرة الله سبحانه وتعالى ]

 

وفي قوله تعالى ..

 

) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ (47) (

( القرآن المجيد : النحل {16} : 22 )

 

[ التفسير :  ( أو يأخذهم في تقلبهم ) في جميع صور أسفارهم في الفضاء أو في غيره / ( فما هم بمعجزين ) أي ببعيدين وفائتين من بين يدي القدرة الإلهية / ( أو يأخذهم على تخوف ) تنقص شيئا فشيئا حتى يهلك الجميع حال من الفاعل أو المفعول ( فإن ربكم لرؤوف رحيم ) ]

 

فهي غايات من الخلق .. فهل وعى الإنسان هذا ..؟!!!

 

وهذا ما كان يحزن الرسول ( ص ) ـ ويحزننا معه ـ على البشرية الضالة .. لتأتي التعزية للرسول ( ص ) ولنا .. في قوله تعالى ..

 

) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) (

( القرآن المجيد : الكهف {18} : 6-8 )

 

[ التفسير :  فلعلك باخع ) مهلك ( نفسك على آثارهم ) بعدهم أي بعد توليهم عنك ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) القرآن ( أسفا ) حزنا منك لحرصك على إيمانهم / صعيدا :  فتاتا / جرزا : يابسا لا ينبت ]

 

      وما زلت أردد .. إنا لا أدافع في كل مقالاتي عن الإسلام وحده .. بقدر ما أدافع عن البشرية جمعاء .. كما قال الرسول الكريم ( ص ) في حديث الجنادب ( رواه مسلم ، ورواه أحمد في ثلاث مواقع ) :

 

[ .. مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي ]




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home