القلم السياسي

 

مذابح البوسنة والهرسك

يوسف فضل



 

 مذابح البوسنة والهرسك

 

يوسف فضل

عندما وصل الحاج أمين إلى روما وفيما هو يترجل من القطار تقدم منه طالب بوسني اسمه مصطفى يدرس في جامعة روما وأخبر الحاج أمين بالمذابح فقال له الحاج : " أنه  لم يسمع بهذه المذابح " فأجابه الطالب:  " بأن هناك تعتيم اعلامي على الموضوع " وناشده أن ينتصر للمسلمين في البوسنة بعد أن قدم له مجموعة من الوثائق الحقيقية. انتاب الحاج غضب شديد وذهب مباشرة إلى موسوليني وأصبح يصطحب معه  الطالب أينما ذهب وحل .ألغى الحاج أمين  كل المحادثات المطروحة وطالب موسوليني بأن يفعل شيئا وخاطب موسوليني قائلا : " لو كان أهل البوسنه غير مسلمين لقامت الدنيا ولم تقعد وأن على إيطاليا تقع مسؤولية هذه المذابح " إلا أن موسوليني أجابه بأسى بالغ :  " أن الجيش الإيطالي ما زال بعيدا عن مكان هذه المذابح " وقد أسف موسوليني على هذا الأمر  وبدا التأثر عليه وهو يشجب هذه المذابح .بعد محادثات عاصفة بين الحاج أمين  وموسوليني عاد الحاج أمين إلى ألمانيا بعد أن وعده موسوليني ببذل  قصارى جهده بوقف  هذه المذابح .وقد اصطحب معه الطالب البوسني إلى ألمانيا وما أن وصل إلى هناك حتى طلب مقابلة هتلر . كان هتلر يرتاح كثيرا للقاء الحاج أمين  رغم مشاغل هتلر الكثيرة وأخبر هتلر عن هذه المذابح طالبا سرعة التدخل وطلب أن يذهب بنفسه إلى البوسنه . شكل هتلر فريقا وجعل على رأسه جنرال ألماني يكون مسؤولا عن متابعة هذه القضية واعداً بأن  تلبى جميع مطالب  الحاج أمين  في هذا الموضوع .حاول الألمان أن يثنوا الحاج أمين  عن السفر إلى بلاد البوسنة في البلقان إذ كانت البوسنة بلاد كبيرة وبعيدة عن ألمانيا ولا توجد مواصلات تمكنه من سلامة الوصل إليها خصوصا أن الثلوج كانت تغطي هذه البلاد . لكن أمام إصرار الحاج أمين  تم الإتفاق على تقديم المساعدة إلى مسلمي البوسنة بالتدريب على السلاح وتزويدهم به ووافق الألمان بعد أن حذروه من الأخطار الشديده في تلك البلاد المضطربه أمنيا والتي تعج بالعصابات الإجرامية الصربية مما يحول دون تمكن الألمان من توفير الحماية له . صعد الحاج أمين إلى طائرة ألمانية خاصة بقيادة الكابتن طيار حنا وهي الكابتن الخاصة بالمهمات الصعبة لدى هتلر أوصلته   إلى آخر المناطق المأمونه التي تقع بيد الألمان ووضعوا تحت تصرفه  طائرة شحن أخرى قوية طارت به ساعات طويلة حتى هبطت في إحدى مناطق المسلمين الآمنة . كانت الرحلة شاقة وصعبة سواء في الجو أو بعد الهبوط واضطر إلى أن يغيَّر وسائط النقل عدة  مرات حتى وصل إلى مفتي البوسنة في المناطق العائدة للمسلمين . عندما وصل مدينة زغرب هالة وملكه العجب ان رأى وكأنها حي من  أحياء بلدة قديمة من أحياء القاهرة أو دمشق أو بغداد وكان أهلها يلبسون الطرابيش والقنابيز والشروايل والعمائم والنساء محجبات . وعندما وصل الى سراييفو حل المفتي ضيفا على مفتي البوسنة في منزله الصغير المتواضع حيث كانت الثلوج تغطي المنازل والشوارع . صنع أهل المفتي طعاما متواضعا ثم خاطبه  مفتي البوسنة مرحبا  :  " لقد غلب قِدرنا على قَدْرِنا " " أي أن ما يقدم له من طعام بسيط ولا يليق بمقامه .

 

تحرك الحاج أمين للعمل بسرعة وبدأ باعداد الشباب والرجال العزل المجروحين والذين تقاطروا عليه وأقام مراكز للتدرب على السلاح سواء في البوسنة إو في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الألماني وبدأ دوران عجلة التدريب لهؤلاء الشباب . قام مدربوا جهاز الإستخبارات الألماني (إس . إس -  وهو مكون من دمج الجستابو وابويهر: جهاز المخابرات العسكرية ) بتدريب الشباب البوسني المسلم فاصبحت لدى الحاج أمين  هيئة عسكرية وضعت تحت تصرفه وكلما تدرب فريق راح يقاتل الصرب في الوقت الذي كانت المعارك تدور بين ميخائيلوفيتش وعصابات جوزيف تيتو الشيوعية. أخبر الجنرال الألماني على الحاج أمين أنه سيقوم بتزويد قوات ميخائيلوفيتش بذخيرة فاسدة . وهكذا كان في حين تواصل التدريب إلى أن تمكن الحاج أمين من اقامة العشرات من مخيمات التدريب وحصل على أسلحة ألمانية حديثة حتى كون عشرات الآلاف من مقاتلي البوسنة . بدأ المسلمون يردون الصاع صاعين على العصابات الصربية والكرواتية وراحوا يتعقبون مجرمي الحرب وهم يعرفونهم فنال مجرموا الصرب جزاءهم ثم  طارد البوسنيون المجرمين إلى أن أمكنهم ملاحقتهم إلى بلاد  المجر وبلغاريا . وبعد أن انتصر المسلمون على ميخائيلوفيتش طالبوا الألمان بأن يقبلوهم معهم على الجبهة السوفياتية كعرفان بالجميل . بعد تردد شديد في البداية وافق هتلر على قبول البوسنيين في الجيش الألماني .  وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا انتقم السوفيات من المسلمين - لأن المسلمين كانوا يقاتلون على الجبهة الروسية مع الألمان  - وأخذوا يطارودنهم  ويقتلون منهم ففر نفر كثير إلى تركيا وسوريا حيث وجدوا شيئاً من التعاطف لدى  الأتراك والعرب . وقد طلب البوسنيون قبولهم للتطوع في قتال  اليهود في فلسطين  عام 1948م  . ففي عام 1947م كان  الحاج أمين قد أحضر العديد من الضباط البوسنين إلى مصر وسوريا ومن هناك دخلوا فلسطين وأخذوا يصنعون السلاح ومنها راجمات الألغام  التي كانت تنطلق من يافا على تل أبيب . وقاتلوا مع الشيخ حسن سلامه . وعندما سقطت مدينة حيفا ، وهي أول مدينة فلسطينية تسقط بيد اليهود  ، رثاها المعلق المصري ( عبد الرحمن مؤمن ) من راديو القاهره عام 1948م  بقوله :" حيفا أيتها الدرة الساقطة من تاج العروبة " وكان أول شرط من شروط اليهود لقبول استسلام حيفا هو ( تسليم جميع العناصر النازية لليهود ) وكانوا يقصدون بذلك  البوسنيون . رفض أهالي حيفا كل شروط الإستسلام وفضلوا الخروج منها على قبول شروط الإستسلام والبقاء فيها تحت ادارة يهودية .

 

من تداعيات انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد أن آل حكم يوغسلافيا إلى تيتو باتفاق كل الحلفاء وهم  روسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا والصهاينة أن انتقم تيتو من المسلمين انتقاما شديدا فشردهم وأسكن بينهم الصرب ونقل العائلات المسلمه ووزعها في يوغسلافيا ليكونوا أقلية في أقليم البوسنة وألغى جميع الأوقاف الإسلامية وأغلق جميع المدارس والجامعات الدينية الإسلامية ، إذ كانت في سراييفو الجامعة الاسلامية الوحيدة في العالم الاسلامي التي تخرج عالمات مسلمات . ومع أن تيتو كان شيوعيا إلا أنه انفصل عن الكومنفورم (اتحاد الدول الشيوعية ) وعن ستالين فيما بعد  وأبقى يوغسلافيا مرتبطة بأمريكا من خلال حلف البلقان وذلك حماية له من ستالين . وقد أعدم تيتو الكثير من مقاتلي البوسنة وحكم بالإعدام غيابيا على الضباط الذين قاتلوا في فلسطين وكذلك حكم بالإعدام غيابيا على الحاج أمين وأعتبره مجرم حرب نازي . وظلت الجماهير العربية المعجبة بتيتو حليف عبد الناصر في ذلك الوقت تجهل تماما أن الحاج أمين محكوم عليه بالإعدام غيابيا في دولة تيتو. وقد ظلت سوريا ترفض الإعتراف بنظام تيتو مع أن حكومة تيتو كانت تلح على سوريا للإعتراف بها . كان عدم اعتراف سوريا وبعض الدول العربية ومنها مصر قبل الثورة بنظام تيتو يمثل رد فعل وحركة احتجاج على المظالم التي اقترفها نظامه بحق المسلمين في يوغسلافيا . وعندما جاء النظام الناصري قام بتسويق  نظام تيتو للجماهير العربية على أنه بطل سلام يدافع  عن الحق العربي فبدأت الماكينة الإعلامية تعلي من شان تيتو وترفع من قدره دون أدنى مبرر أخلاقي  وذلك  لأن أمريكا كانت تبني تجمعا دوليا من دول آسيا وأفريقيا من أجل الضغط على المستعمرين الأروبيين لأخلاء مستعمراتهم للنفوذ الأمريكي والسوفيتي.

 

وهنا لا بد من وقفة للتذكير بأنه عندما أندلعت المذابح ضد مسلمي البوسنة في عام 1990م كانت مفاجـأة للاجيال العربية الجديدة والقديمة التي لم تعرف ما هي البوسنة وأنها اكتشفت بلاد اسلامية تدعى البوسنة وهذا بفضل الاعلام العربي المولع بالتجاهل والتجهيل . وقد انشغل اعلامنا عام 1990م باحداث البوسنة لبضع سنوات ليل نهار دون ان يتطرق هذا الاعلام الى الدور المشرف الذي قام به الحاج امين الحسيني في اوائل الاربعينات من القرن الماضي وذلك تماشيا مع الاعلام الغربي دون  استذكار ما مضى من أحداث .

 

جمال عبد الناصر يسلم مسلمين يوغسلاف إلى تيتو

في عام 1958م ذهبت مع مجموعة من الأصدقاء لزيارة الحاج أمين عندما حط رحاله في مدينة الرياض وقابلناه في فندق اليمامه فأخبرنا أنه في  عام 1958م وأثناء الوحدة بين مصر وسوريا سلم النظام الناصري 14 مسلماً يوغسلافياً  ممن شاركوا في حرب فلسطين إلى نظام تيتو فقام النظام اليوغسلافي بإعدامهم  في الأسبوع الماضي وعلقوا في شوارع بلغراد دون أن يذكر أي مصدر عربي شيئاً عن هذه الإعدامات . فالإعلام الناصري كان مشغولا بالحملة على الاردن والعراق وكانت الحملة مستمرة ليلا ونهارا وتشاغل  الجماهير كي لا  يعرفوا أي شيء عن الإعدامات وحتى لو عرفوا عن تلك الإعدامات فإنهم كانوا سيكذبون الخبر لثقتهم الكبيرة بما يقوله الإعلام الناصري . هذا مع العلم بأن هؤلاء الضحايا كانوا قد حصلوا على الجنسية السورية .

 

بقي الخطاب الإعلامي العربي كما هو واقع حاله اليوم لم يتغير منذ الخمسينيات من هذا القرن . فلقد كان وما يزال يقوم على تقديس الزعامات والقضايا المحلية وعنوانه الغوغائية والإنفعال والأفكار الهوجاء المغلفة بالأماني الزائفة الكاذبة التي تتجاهل موازين القوى السياسة والإقتصادية وواقع الحال المعاش.

 

خاتمة خروج الحاج أمين من فلسطين 

لم يعد الحاج أمين الحسيني إلى فلسطين منذ أن خرج منها في عام 1937م  إلا لبضعة أيام فقط   قبل حرب حزيران  عام 1967م عندما استضافه  الملك حسين قبل سقوط مدينة القدس بشهور فزارها وصلى هناك  في المسجد الأقصى  . لقد عاد إلى فلسطين اثناء زيارته الخاطفة تلك  ومعظم الشعب الفلسطيني لا يعرف الكثير عمن يكون الحاج أمين ذلك   لأنهم من الأجيال الصاعدة التي كانت مفتونة بالرئيس عبد الناصر والمأخوذة بالثوريين الجدد الذين همشوه . ثم عاد الحاج أمين إلى لبنان وبقي فيها إلى أن توفاه الله في بيروت عام 1974م  وقام الكفاح الفلسطيني المسلح   بتشيعه إلى مثوه الأخير وانبرى  على رأس المشيعين عرفات الذي أمسك بحفنة من تراب في يده وأقسم على تلك الحفنة  وهو يردد " أنه سيسير علىدربه البطولي وأنه هو الذي علمنا النضال وهو السلف

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home