القلم الفكري

 

قيمة الفلسفة

يونس كانط



ومن الجائز التساؤل عن القيمة الفعلية لدراسة الفلسفة ونظرية الدولة عند كل من افلاطون والفارابي في اطار المرحلة التاريخية التي يجتازها الوطن العربي خاصة والعالم الثالث بصورة عامة. ذلك اول سؤال يتبادر الى اذهان رجال الفلسفة والسياسة والثقافة في هذه اللحظة التاريخية المعاصرة التي نعاني في غمارها انهيارات متداخلة شاملة. تتجسد في واقعنا تفككاً في علاقة الحاكمين بالمحكومين، واضطراداً في التخلف الاقتصادي والتقني والعلمي والاجتماعي، فضلاً عما نشعر به من تمزق قومي وفراغ حضاري واستلاب ثقافي وانظمة استغلال واضطهاد.

وفي الحق، ان البحث لا يشكل هروباً في مشكلات الواقع الراهن، ولا تهافتاً على النظرية السلفية في صعيدي الحضارتين العربية واليونانية، بل قد تفيد دراسة هذا التراث الانساني في تفهم موضوعه كل من السلطة والدولة، التي كانت وستبقى تطرح نفسها بالحاح امام المجتمعات المتخلفة والمتقدمة على سطح كوكبنا الارضي.
ويرى الباحث ان ثمة تكافؤ بين مشكلة الدولة والسلطة لدى الفيلسوفين. وهذا التكافؤ هو الذي يثبت فعالية القيادة السياسية. وبهذا الاعتبار تجتاز هذه القيادة دوراً مهماً وخطيراً عبر عملية الممارسات السياسية في تشييد الدولة وتنظيم المجتمع وتحقيق رفاهية الافراد. وكل تماسك او تصدع، تصالح او تصادم، في بنيات الجماعات البشرية انما هو واقع مجسد لطبيعة الاتجاه الايجابي او السلبي، الذي تنتظم تلك الممارسات عبر مساره. ومن هنا نشأ ونما احد جوانب هذا البحث، بل من هذه الزاوية كذلك توالدت وارتكزت مسألة القيادة والدولة عند افلاطون والفارابي معاً. ومن خلال هذا المنظور البعيد انبثقت النظرية السياسية للرجلين. وكانت بداية انطلاقة تاريخية لافلاطون، ثم تجددت وتكاملت لدى الفارابي. وان الصيغة الابتكارية الخاصة بالمعلم الثاني هي جانب اساسي دفعني، اولاً وقبل كل شيء. لاختيار الدراسة المقارنة بين فيلسوفين عملاقين ينتميان الى حضارتين مختلفتين، تتشابه في الهيكل الحضاري الانساني العام، وتتمايز بالخصائص النوعية الكاملة في باطن كل واقع حضاري. والتي هي اساس تطور كل حضارة، كما هي اساس تفسير حول ظاهرة نوعية معينة الى ظاهرة نوعية معينة اخرى وفقاً لمسار واحد ينتظم فيه تعاقب الحركة الباطنية من جهة، والترابط بالاشياء الاخرى التي تضاف الى مجاله الواسع من جهة اخرى.
وقد تغافل الباحثون في الفكر السياسي للفارابي عن هذه القوانين الحضارية. سواء في ذلك العرب منهم او المستشرقون. وطفق الكل يردد الاستنتاجات ذاتها، التي تجعل المعلم الثاني محاكياً ومردداً للنظرية السياسية الافلاطونية، كما تنعته بالمثالية والطوباوية وغياب البرنامج السياسي ان الدراسة العميقة للنصوص الفارابية والتعامل معها من خلال المذهب العام للفيلسوف ذاته يثبت حقيقة لا تدحض، تلك هي ان “أبا نصر” واقعي ومثالي أيضاً. وقد كشف رؤاه الفلسفية بخصوصية متميزة فلسفياً وحضارياً. شأنه شأن كل فيلسوف كبير وذلك ما أدافع به عنه ضد جميع اولئك الذين حاولوا قلب افكار الفارابي مجردين اياها من الهوية الخاصة وساحبين من تحتها الارضية الواقعية.
وان اهمية الموضوع وجدته تكمن في ان افكار المعلم الثاني تتجاوز عصره، وتمتد الى تاريخنا المعاصر. ومن هذه الافكار: تصوره للفلسفة والعلم السياسي، وتحديده لاشكال الجماعات، وقوانين تطور النظم الاجتماعية، واشكال الصراع الانساني، والزعامة والدولة الأمميتين وظاهرة الحكم الاولغارشي والجماعي، والارستقراطي والعسكري. وهذه الافكار توكيدات تؤشر للحضارة التي ينتمي اليها الفيلسوف من جهة، كما تعكس استقلالية تخريجاته الفلسفية – السياسية من جهة اخرى.
الحق، فان قرأتي الجديدة المتواضعة لافكار الفارابي تستلهم الملاحظات الآتية:
أولاً: ان الرؤى الفلسفية للمعلم الثاني لا تشذ عن رؤى الفلاسفة للكبار، من حيث هي استبطان متداخل مع التراث الفلسفي الماضي. كما هي تصور مستنفد للحاضر واستكشاف للمستقبل في اطار خارجية العصر. وذلك باعتبار ان الفيلسوف كائن متفلسف وارث للثقافة الفلسفية الماضية. وحامل منظر بحقائقها ورؤاها في الحاضر والمستقبل ولا يمتاز هذا الاعتبار الا بوصفه فيلسوفاً انسانياً كبيراً على الاطلاق. والمعلم الثاني يحتل هذا الموقع بجدارة بين الفلاسفة النادرين في التاريخ.
ثانياً: ان التوجه السياسي لأبي نصر نحو المستقبل لا يجرد افكاره من الاهمية الواقعية. فكل بديل سياسي – كيفما كان شكله فكرة سياسية ام ثورة ام برنامج سياسي لدولة او حزب – انما هو بديل المحمول على آفاق المستقبل تتباطن نداءاته وتطلعاته بينما هو كائن وما سوف يكون. الاداة التي تحقق التلاحم بين المبدأ والواقع وتجسد مطامح الحاضر في المستقبل انما هي القيادة التاريخية التي تستوعب الاهداف الكلية للمجتمع، وتنتقي الظروف المناسبة لعملية التلاحم والتجسيد.
وعلى ضوء هذه الملاحظة استطلعت جدلية المدينة الحاضرة والمدينة البديل في مشروع الفيلسوف السياسي. الواقع، ان البديل المفاد ليس ما هو في لحظته المستقبلية الا من حيث هو في علاقته مع ما ليس اياه في اللحظة الاولى المعينة حاضراً. صحيح ان حقيقته هي في خارجيته المحددة فيما يأتي من معطى المستقبل، ولكنها ايضا صورة نقيضة بديلة تنبثق من احشاء المعين – الحاضر ذاته.
والآن، يجب ان اضيف بأن البديل حاضراً ومستقبلاً يقوم على علاقة جدلية واخرى باطنية، فلا انفصال بين المشروع والاداة. وبصيغة ثانية لا انفصال بين الدولة والقيادة سواء كانت دولة وقيادة فاضلة او دولة وقيادة مضادة.
كل نظام سياسي هو واقع مجسد لتركيبات اجتماعية – اقتصادية – سياسية، تخلقها وتذود عنها وبها سلطة فوقية سياسية. ثمة ترابط جدلي بين الاهداف الكلية لدولة ما وبين ممارسات قيادتها السياسية. وما يتبقى هو القول بأن ما هو عادل هو عقلي وفاضل وما هو غير عادل هو لا عقلي ولا فاضل. وهكذا، فان الوضع الطبيعي للشيء الحقيقي:- الاجتماعي – السياسي مستمد من ارض الواقع العياني، ويستتبع ذلك ان كل ما هو موجود ومعقول في المجتمع التاريخي انما هو حقيقي مستمد من عالم الضرورة فهدف الدولة الذي تحققه القيادة هو توزيع الثروات على اهل المدن وليس هو سعادة غيبية ما ورائية. واساس تنظيم الجماعة الانسانية هو القانون الاجتماعي الذي يحقق العدالة الحقة ويضبط الفوضى والتنازع، ولا يعني الهيمان وراء شمس مثل لا تشرق في عالم الانسان. والسلطة التي تدير مجتمع المدينة او مجتمع الأممية انما هي سلطة زمانية شخصية لا سلطة روحية افتراضية.


يونس كانط




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home