كتاب العدد

 

المقاومة والحرب في الرواية العربية

السيد نجم



 ماذا قدّمت التجربة الحربية للرواية؟ وكيف عبرت الرواية العربية عن تلك التجربة العامة جداً/ الخاصة جداً؟ ثم ما الفارق بين أدب المقاومة وأدب الحرب؟ أسئلة ومحاور عامة ينهض عليها كتاب السيّد نجم القاص والناقد المصري المعروف بكثرة إصداراته وتعدد أنواعها ما بين قصّة ورواية وأدب أطفال ودراسات نقدية، نذكر منها:
 

السفر، أوراق مقاتل قديم، المصيدة، لحظات من زمن التيه، عودة العجوز إلى البحر من القصّة القصيرة، والروايات: أيام يوسف المنسي، السمّان يهاجر شرقاً، العتبات الضيّقة، وفي مجال الدراسات:
 

المقاومة والأدب، الحرب: الفكرة ـ التجربة والإبداع وغيرها.. يتضمّن كتابه الجديد «المقاومة والحرب في الرواية العربية» ثلاثة أقسام تتراوح في أطوالها تبعاً للمادة المدروسة فيها، حيث جاء القسم الأوّل على شكل تمهيد نظري وتاريخي لما سيتابعه من دراسة وتحليل للتجربة الحربية الروائية العربية في القسم الثاني، ليتوقف في القسم الثالث من الكتاب عند مستقبل رواية التجربة الحربية.
 

ولينهيه بثبت بالمصادر والمراجع وببليوجرافيا الرواية الحربية المصرية والخاتمة. ينطلق المؤلّف في مستهل تمهيده من التاريخ المبكّر للصراع الإنساني وضرورة البحث عن أسلحة تمكّنه من التغلّب على عدوّه، فكان أن أرّخ لمعاركه وانتصاراته في حكاياته وأساطيره وأغانيه في موروثه الأدبي والفلكلوري.
 

ومن ذلك سوف يوضّح أن العرب كانوا من ضمن الشعوب التي اهتمّت بمعاركها وحروبها، حيث إنهم منذ الجاهلية كان لهم قصصهم وأخبارهم التي تتحدث عن معاركهم وغزواتهم، ليؤكّد من ثمّ: أن المعرفة التاريخية نشأت في رحم الأسطورة، التي هي بدورها نبع من روافد الإبداع الأدبي بما في ذلك «الرواية».
 

ومن هنا فإن العلاقة بين التاريخ والرواية ستكون علاقة تبادلية على حدّ تعبيره، نظراً لأن الرواية التاريخية عبّرت عن وجدانات الشعوب تجاه مسألة الحرب والسلام على نحو مباشر أو غير مباشر، ومن ذلك على سبيل المثال رواية «الحروب الصليبية» وكيفية تداولها من قبل العرب أو من قبل غيرهم، وسيتطرق في ذلك لما كتبه كلّ من أمين معلوف وعفيف دمشقية اللذين ركّزا على إبراز العلاقة ما بين الشرق والغرب.
 

وعلى الصعيد التقني سوف يلاحظ المؤلّف أن ما يؤخذ على تجربة الرواية الحربية بشكل عام، أنه يغلب عليها الطابع التسجيلي واللغة التقريرية الخطابية المباشرة، إلى جانب عنايتها بالإيديولوجيا: باعتبار الحرب لحظة مقدّسة تستدعي تمجيد الجيش والقادة، وتعزيز قيم البطولة والاستشهاد وغير ذلك.
 

أما بالنسبة لأدب المقاومة، فيرى المؤلّف أن ثمة مسافة تفصله عن أدب الحرب، حيث في مطلع القسم الأوّل سوف يتناول العديد من الجوانب التي يمكن التوقّف عندها مطوّلاً، وخصوصاً ظاهرة «الإرهاب» كمصطلح حديث اقتحم الحياة المعاصرة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وأصبح شكلا من أشكال الحروب مع بعض الإضافات على أرض الواقع..
 
حيث لاحظ أنه بالإضافة إلى الجماعات الصغيرة المسلحة تمارس بعض الإرهاب كذلك، والإرهاب بتعبيره: استخدام متعمّد للعنف أو التهديد بالعنف، من قبل جماعة ما أو دولة ما.. من أجل تحقيق هدف أو أهداف استراتيجية.. أو حتى تحقيق حالة من الرعب والتأثير المعنوي الذي يستتبع بمزيد من العنف.
 
والإرهاب يختلف عن «المقاومة» التي تضع في سلّم أولوياتها قضية الحرية والخلاص من المستعمر، «تمثل المقاومة الرابط الموضوعي بين العدوان والحرية. فلا مقاومة غير مدعمة بمفاهيم الحرية لمجابهة العدوان.
 
ولا حرية بلا مقاومة في مواجهة عدوان ما، ويزداد الصراع كلما قويت المقاومة، لكن هذا الفعل القوي قد يعبر عن نفسه بالعنف، وإذا اتجه هذا العنف إلى «الذات» أو «الأنا» أساسا.. تكون المقاومة السلبية، وإذا اتجه العنف إلى «الآخر» أساسا.. تكون المقاومة الإيجابية. ولكليهما دوره وتأثيره».
 
وفي صدد المقاومة السلبية فهي بتعبيره «أقرب التشبيهات إلى تجربة الزعيم الهندي «غاندي»، بينما المقاومة الإيجابية هي الأقرب إلى الأذهان، وهي الجانب الإيجابي والمرغوب من «العدوان».
 
أما الحرب فهي بتعريفه «صوت مرتفع في مقابل عجز صوت الحكمة» بمعنى أن البشرية بالرغم من تطوّرها والتراكم الإنساني والفكري الذي توصّلت إليه، لم تتمكّن بعد من إيجاد حلول ناجعة لمسألة الحرب، واستبدال لغة العنف والقتل بلغة التفاهم والحوار على أساس المشترك الإنساني.
 
ومن هنا فإن المؤلّف سوف يعود إلى تاريخ الصراعات والحروب، ليتناول بالتحليل بضع تجارب منها: التجربة الحربية عند الإغريق، والنزعة العسكرية التي رافقت حياة اليونان القدماء، حيث نال المحارب المكانة التي تليق بدافع الضرائب، فهو أعلى الطبقات المدنية، وله ولأقرانه وحدهم حقّ الانتخاب والانتماء إلى الطبقة الأرستقراطية، لأن الحرب كانت ميدان الشرف.
 
ومن ثمّ سوف يستعرض التجربة الحربية اليابانية، وسيتابع انعكاساتها على الأدب الياباني الذي كان رافضاً لها ثم التجربة الحربية العربية التي بدورها انطلقت من قيم العصبية القبلية في العصر الجاهلي، بينما في الإسلام سيظهر مفهوم الجهاد الذي سيغيّر الكثير من قيم الجاهلية.
 
وإن عزز الأدب قيم البطولة والشرف بالاستشهاد، ليتابع بعد ذلك التجربة الحربية في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، ومن ثمّ سيدرس مطوّلاً مفاهيم البطولة والبطل الأسطوري في الأدب العبري، في عودة إلى التاريخ التوراتي.
 
وما أسفرت عنه الأساطير التوراتية من مواقف وسلوكات تجاه الكنعانيين قديماً والفلسطينيين لاحقاً، ليستنتج فيما بعد، أن الحرب هي سبيل تصنيف الأدب العبري، لأن التاريخ الأدبي والاجتماعي والاقتصادي مقسّم وفقاً للحروب التي خاضوها.
 
وعلى صعيد الكتابة الروائية عن الحرب، سيميز المؤلّف بين الروائي المشارك في الحرب كجندي، والروائي الذي لكم يخض الحرب بنفسه وإنما عايشها ولحظ آثارها على الناس، وإلى ذلك فإنه سوف يواصل تبيان فاعلية التجربة الحربية في جنس الرواية والتأثير المتبادل بينهما على صعيد التقنية والمواصفات.
 

ومن ثمّ أثر الوصف في الرواية الحربية، ليعود بنا إلى الروايات التي تناولت الحرب كراوية «مكابدات عبدالله العاشق» للروائي العراقي عبد الخالق الركابي، و«أرجوان» للروائي التونسي محمّد المختار بن جنات، ورواية «المسلّة للسوري نبيل سليمان، أما بالنسبة للرواية المصرية، فإنه سوف يعود بنا إلى البدايات النضالية والتحررية، ليتوقّف عند رواية «فتاة الثورة العرابيّة» ليوسف أفندي حسن صبري.
 
و«عذراء دنشواي» لمحمود طاهر حقّي، ليستعرض فيما بعد «زقاق المدق» لنجيب محفوظ، «القاهرة 51» لأمين ريّان، «الباب المفتوح» للطيفة الزيّات وغيرها، وليستخلص إثرها العديد من الملامح والخصائص الفنية، ومنها:
 
ارتباط الروايات الأولى بالنزعة الرومانسية إلى جانب غلبة قيم الوعظ والإرشاد في إطار النزعة الدينية التعليمية، بالإضافة إلى عدم تمكّن الرواية الحربية من تأكيد وجودها الفاعل بين العامة إلاّ بعد رواية «عذراء دنشواي».
 
ما بالنسبة لروايات الجيل اللاحق، فيرصد المؤلّف تطوّر تقنيات الرواية نسبياً مع الحرب العالمية الأولى، وبروز أسماء كبيرة من مثل: طه حسين وتوفيق الحكيم وسعيد العريان وغيرهم، بينما سيعزز جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية هذه التقنيات مع نجيب محفوظ ويوسف الشاروني، ويوسف السباعي.
 
ويوسف إدريس وفتحي غانم وغيرهم، ليستخلص بعد ذلك عدداً من الحقائق عن رواية الحرب، ومنها: أن للتجربة تأثير فاعل على الرواية، وأن الروائي المصري لم يفصل بين الأحداث الجسام سواء في مصر أو غيرها من البلدان العربية، وقد لعبت التجربة العربية دورها الأكيد في إثراء فن الرواية المصرية / العربية، واتّسمت بعض الروايات بالتقنية العالية.
 
وإلى ذلك فإنه سيرصد ظهور تقنية جديدة لم تستخدم من قبل، وهي تقنية التوثيق والتسجيل، وقد مارسها إبراهيم أصلان في رواية «بيروت.. بيروت» حول الحرب الأهلية في لبنان، وأخيراً سيلاحظ المؤلّف أن دور المرأة لم يبرز في هذه الروايات قياساً بالرواية الحربية في بعض البلدان العربية مثل الجزائر وفلسطين والعراق والكويت.
 
في الفصل اللاحق سيدرس المؤلّف رواية الحرب الجزائرية، وكتّابها الأوائل باللغة الفرنسية من مثل: مولود معمّري الذي نشر في فرنسا روايتيه «التل المنسي» و«نوم هادئ» عام 1955.
 
ومولود فرعون الذي نشر «أيام القبائل» عام 1954، ومحمّد ديب صاحب الثلاثية الشهيرة «الدار الكبيرة» 1952، «الحريق» 1954، ثم «النول» 1957، بينما في المرحلة الثانية سنتابع معه أعمال كلّ من: الطاهر وطّار، عبد الحميد بن هدوقه، آسيا جبّار، رشيد بوجدرة، أحلام مستغانمي، وغيرهم.
 
أما في التجربة الحربية الفلسطينية، فإنه سوف يرصد أربع مراحل منذ بداية النكبة وحتى انتفاضتي الحجارة والقدس، حيث أكّد أن الشعر كان سبّاقاً مع الانتفاضة قياساً بالأجناس الأدبية الأخرى.
 
ومن ثمّ سوف تشارك القصّة القصيرة على نحو إيجابي، بينما الرواية ستتأخّر عنهما نظراً لطبيعتها واختلاف تقنيتها الكتابية، وإلى ذلك فإنه سيستعرض عدداً من الروايات الفلسطينية التي كتبت من مثل «الصبّار» لسحر خليفة، «رأيت رام» للبرغوثي وغيرها.
 
وعن تجربة الحرب الكويتية سيتناول السباعية الرباعية «إحداثيات زمن العزلة» لإسماعيل فهد إسماعيل، وفي فصل لاحق سوف يعاود الحديث عن بعض التجارب المصرية في الرواية الحربية من مثل: «في الأسبوع سبعة أيام» ليوسف القعيد، «الرفاعي» لجمال الغيطاني، «السمان يهاجر شرقاً» للسيّد نجم، «دويّ الصمت» لعلاء مصطفى، «مراعي القتلة» لفتحي أمبابي، «الرجل والموت» لمحمّد الراوي، وأخيراً رواية «الخليج» لمحمّد جبريل.
 
وفي القسم الأخير من الكتاب سيتناول المؤلّف مستقبل الرواية الحربية، ويختتمه استعراض لعدد من الروايات لمحسن الرملي، وإبراهيم عبد المجيد، وإيتيل عدنان.
 
ختاماً، المنهج يضطرب أحياناً ما بين الاستعراض للظاهرة التاريخية وتحليل العمل الروائي، وربّما يحتاج إلى إعادة تصنيف في أبوابه وفصوله، ولكنه إلى ذلك يطرح العديد من القضايا الجديرة بالنقاش.
 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home