مقال

 

ثقافتنا على قياسنا

حنان بديع



 

ثقافتنا على قياسنا

 حنان بديع

من الطبيعي جدا أن يأتي خبر الحكم بالإعدام على فتاة في بلد عربي لقتلها شاب حاول اغتصابها غريباً ومستهجناً ذلك لأن قتل الأنثى بدافع الشرف ليس جريمة بل هو رفع للعار .. فكيف يصبح جريمة إذا ما ارتكبته أنثى دفاعاً عن هذا الشرف الذي اختصرناه في ثنايا جسدها وهي المسئولة عن شرفها وشرف العائلة وربما القبيلة بأكملها ؟

لكن السؤال الأكثر خطورة .. ماذا لو لم تفعل ؟ ألن تدفع الثمن عارا أو دما يسيل على يد أقرب المقربين من رجال العائلة ؟ أليست هي المسئولة في كلتا الحالتين عن هذا الاغتصاب، لأنها هي التي تفقد عذريتها وهو مقياس الشرف في بلادنا اليوم ؟ وهل الحكم بإعدامها أقل قسوة أو أشد وحشية من حكم مجلس القرية في باكستان على مختار مي التي تعرضت لاغتصاب جماعي في عام 2002 لتدفع ثمن جريمة أخيها ؟

وهل هو تواطؤ آخر مع ثقافتنا يجعلنا نكافئ الرجل الذي يغتصب فتاة بالزواج منها إذ تسقط عنه التهمة إذا تزوجها طبقا لقانون العقوبات المعمول به في معظم المجتمعات العربية والذي يدفع بالبنت المغتصبة لأن تتزوج من اغتصبها حفاظاً على ما يسمى شرف العائلة ولينجو الجاني من العقاب مرة أخرى.. ومن مخرج آخر ؟

وهو هو أيضا تواطؤ آخر وآخر ذلك الذي يجعلنا لا نعترف بالاغتصاب الزوجي قانونياً فللزوج الحق في اغتصاب الزوجة متى شاء ما دامت على ذمته ؟ فيما يتم إدانته في الدول الغربية التي نعيب عليها ثقافتها المنحله ؟

ليس كل هذا لأخرج عن موضوع ظلم هذه الفتاة الى سلسلة مظالم تتعرض لها المرأة في شرقنا البائس .. بل لأدين ثقافة لا تحترم المرأة وعقلها وروحها وجسدها وخياراتها الحرة ولا زالت تنظر اليها بوصفها ملكاً للاب والأخ والزوج يفعلون بها ما يشاءون.

ولأطعن بمفهوم الشرف عند العرب بوصفه أحد الثمار المرة لثقافة العبيد والاستبداد الذي يمارسه الشخص الأعلى على من هو أدنى منه بدءً من القهر الذي يمارسه الرئيس على مرؤوسيه وانتهاء بالرجل العادي فيما بعد والذي لا يجد متنفساً إلا في المرأة الخاضعة له بحكم الثقافة والتربية. لماذا إذن كل هذه الفظاعات ؟

هل لأننا حقاً نؤمن بكل هذه السخافات ؟

هل لأن مفهوم الشرف نسبي قمنا بتفصيل شرف خاص بنا على قياس ثقافتنا ورغباتنا ليس من مفرداته القيم العليا من صدق وأمانه وشهامة ورجولة وشجاعة ووفاء؟

هذه المفردات التي تعكس مفهوم الشرف في الثقافة الغربية دفناها نحن بإرادتنا في جسد المرأة لأننا عجزنا ربما عن أن نكون شرفاء بمعنى قيم الشرف الحقيقي ..

كثيراً ما يسألونني ما الذي أريد وأطالب به..

 وأقول لا أريد أن ندفن رؤؤسنا في الرمال خوفاً من حساسية الموضوع .. فلنكن أعلى إنسانية وأقل أنانية وأكثر انصافاً وعدلاً فنبحث عن شرفنا بعيداً عن جسد الأنثى ولنعترف بأن الشرف قضية كبرى .. لأنه كذلك

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home