قصة

 

أبيض و أسود (نزف قلم : محمد سنجر )

محمد سنجر



أبيـــض و أســـود

 

( أفيق بين لحظة و أخرى  ..

ألمح أياد بيضاء ملطخة بالدماء ..

ألم رهيب ينهش أحشائي ..

أحاول تحسس الألم بأصابعي ..

تنزلق يدي داخل هذه الفجوة التي خلفوها بجسدي ..

أغيب عن الوعي ..

.........................

( أرى أشباح من الرجال البيض ..

نزعوني طفلا من بين أحضان أمي الثكلى ..

حاولت المسكينة التشبث بسياراتهم ..

صرخت تستنجد ..

حلفتهم بالأخوة و الإنسانية ..

أوسعوها ضربا بقواعد بنادقهم الحديدية ..

حلفتهم بجميع الأنبياء .. و لا حياة لمن تنادي ..

لم تشفع دموعها و توسلاتها ..

صم أذني طلقات نارية اخترقت رأسها ..

مازلت أتذكر وجهها الأسمر الذي ارتطم بالأرض العطشى ..

سالت الدماء بين الشقوق ..

أغيب عن الوعي . )

.........................

( أفيق ..

أين أنا ؟

ما هذا المكان ؟

اغتصب نظري هذا اللون الأبيض ..

كلما حولت نظري لا أجد سواه ..

أشباح بيضاء تملأ المكان ..

أياد بيضاء أخرجت من حقيبتها بعض النقود ..

ناولتها أحدهم ..

نظرت إلى وجهه ..

نعم ما زلت أتذكر هذا الوجه ..

هذا الذي أطلق النار على رأس أمي ..

أحاول النهوض ..

ألم شل حركتي ..

أغيب عن الوعي . )

.........................

( أتذكر هذه الوجوه الكثيرة البريئة السمراء ..

دموعهم اختلطت بدمائهم الطاهرة ..

اختلطت آهاتهم بزمجرة هذه السلاسل الحديدية اللعينة ..

تتحرش بسمعي قرقرة تلوي أمعائهم الخاوية ..

صرخات الجوع مازالت عالقة بسمعي ..

انفرجت كوة ضوء ..

غشيت أبصارنا ..

أياد بيضاء ترمينا بفتات بقايا طعام عفن ..

تناهشنا للفوز بالقليل . )

.............................

( أفيق على وجه سيدة بيضاء تبتسم ..

قالت لي أنني أصبحت ابنا لها ..

تبنتني منذ لحظات ..

شكرتني لأنني أنقذت ابنها من الموت ..

أخي الجديد من التبني ..

شكرتني لأنني منحته كليتي ..

تحسست بطني ..

انزلقت كفي بفجوة أخرى ..

أغيب عن الوعي . )

.........................

( أراني و أقراني من أصحاب البشرة السمراء في غرفة منعزلة ..

حاولنا الهرب ..

محاولاتنا باءت بالفشل ..

تساءلنا عن سبب وجودنا هناك .. )

ـ سمعت أنهم سيوفرون لنا حياة رغدة ..

لا فقر و لا جوع بعد اليوم ..

ـ سيصيب أمي الجنون عندما تبحث عني و لا تجدني .

ـ أعتقد أننا سنعمل بمزارعهم .

ـ أليس لنا خيار ؟

ـ للرجل الأبيض الحرية فيما يفعله .

ـ أي حرية ؟ لقد قتلوا أمي المسكينة ..  خطفوني من بين أحضانها ..

ـ و أنا أيضا .. كبلوني بالحبال .. أدخلوني سياراتهم العسكرية .

...............................

( أفقت على صوت امرأة بيضاء أخرى ..

أحاول جاهدا فتح عيني ..

يجيبني العدم .. )

أصرخ :

ـ عيني .. عيني ..

أنا لا أرى ..

( أتحسس عيني .. و إذا برباط يلفها . )

أصرخ :

ـ ما هذا ؟  ماذا حدث ؟

( جاءني صوت المرأة البيضاء ..

قالت أنها أيضا تبنتني منذ يومين ..

شكرتني على ما فعلته لأجل أخي الجديد الكفيف ..

أغيب عن الوعي . )

.........................

( أرى أجساد إخواني السمراء ..

معروضة وراء واجهات محلاتهم الزجاجية ..

وجدت جاري ( عثمان ) ينام عاريا داخل صندوق زجاجي ..

أنابيب كثيرة متصلة بجسده ..

في نهاية كل منها كيس مملوء بدمه النقي ..

قرأت اللافتات بجواره ..

( دم طازج من فصيلة ( O ) ـ الكمية محدودة )

نظرت خلف واجهة المحل المقابل ..

وجدت أجساد أقراني السمراء معلقة من قدميها ..

تفحصت الوجوه ..

وجدت ابن عمي ( علي ) ..

فجوة عميقة في أجسادهم ..

منهم من انتزعوا ذراعه ..

و منهم من هم بقدم واحدة ..

وضعوا أسفل أجسادهم بعض الأواني الزجاجية ..

داخلها أعضاء بشرية مغمورة بسائل شفاف ..

انتقلت عيناي رعبا إلى لافتة بجوارها ..

كتب عليها ..

( اشتر كليتان و خذ الكبد مجانا )




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home