دراسات هامة

 

نظرية الإغماء - فكرة قاديانية بين المسلمين (1)

فؤاد العطار



 

لقد قامت نظريات و تفسيرات عديدة حول كيفية نجاة المسيح عليه السلام من الصلب. بعض التفسيرات هي للعلماء المسلمين أنفسهم و بعضها لجماعات أخرى من نصارى و أحمديين و غيرهم. و من عجائب هذا الزمان ترديد بعض المسلمين لبعض الآراء الدينية للفرق الأخرى دون وزنها بميزان الإسلام و دون عرضها على المنطق السليم. و من تلك النظريات ادعاء مؤسس الجماعة الأحمدية ميرزا غلام أحمد القادياني 1839م -1908م بأن المسيح عليه السلام كان قد عُلق على الصليب لكنه أغمي عليه فتركه اليهود ظناً منهم بأنه مات. لكنه قام من قبره بعد الإغماء و هاجر إلى كشمير حيث عاش هناك ما يقرب من تسعين عاماً. **** نظرية الإغماء - بين تناقضات ديدات و سرقات غلام قاديان و قد ادعى ميرزا غلام أحمد القادياني بأن الله أوحى له بهذا التفسير. لكن من الواضح أن ميرزا غلام أحمد القادياني كان قد سرق الجزء الأول من نظريته - و هو الإغماء على الصليب - من بعض المفكرين النصارى الذين كانوا قد قالوا بهذه النظرية من قبل. و قد انتشرت نظرية الإغماء تلك في أوروبا خلال القرن التاسع عشر فيما عرف بالنقد العصري للكتاب المقدس، و تفيد المصادر الكنسية بأن الألماني شلير ماخر في كتابه "حياة يسوع" الذي نُشر في بداية القرن التاسع عشر كان قد أنكر المعجزات وخاصة قيامة يسوع وذكر أنها رجوع إلى الوعي بعد إغماء طويل. و بالإستقراء نؤكد بأن كتاب المدعو شلير ماخر هو من أوحى لمؤسس الجماعة الأحمدية بالفكرة وليس الله تعالى. وقد أيد هذه النظرية أيضاً في القرن التاسع عشر الناقد الألماني "فنتوريني" فربما يكون قد ساهم بدوره في هذا الوحي. و من الذين تأثروا بنظرية الإغماء على الصليب الداعية الأستاذ أحمد ديدات - رحمه الله - و علي الجوهري (مترجم كتب ديدات). أما أحمد ديدات فكان يستخدم هذه النظرية في مناظراته و كتبه عن النصرانية. و اتضح جلياً تأثره بالكتابات القاديانية و اللاهورية و خاصة عندما ساق ما ادعاه من أدلة إنجيلية على نظرية الإغماء تلك. و قد ساق ديدات ثلاثين من تلك الإستنباطات في كتابه "صلب المسيح بين الحقيقة و الإفتراء". وقد تطابق 13 استنباطاً منها مع كل الإستنباطات التي ساقها محمد علي اللاهوري - أحد أتباع ميرزا غلام أحمد القادياني - في تفسيره الباطني للقرآن الكريم و الذي ينفي فيه معجزات المسيح عليه السلام مثل ولادته من غير أب و تكلمه في المهد و إحيائه الموتى بإذن الله. و قد سارع البعض إلى اتهام أحمد ديدات بأنه قادياني أو لاهوري خاصة بعد أن راجت إشاعات في بلده جنوب إفريقيا بأنه كان يوزع الترجمة الباطنية للقرآن الكريم و التي كتبها (محمد أسد)، مما اضطر أحمد ديدات أن يصدر توضيحاً حول هذا الأمر بتاريخ 23-7-1987م أكد فيه تكفيره لميرزا غلام أحمد القادياني. كما و أعلن تكفيره لكل أتباع ميرزا غلام أحمد القادياني من قاديانيين و لاهوريين. و نفى أن يكون قد قام بتوزيع تلك الترجمة الكافرة للقرآن الكريم. و نحن نستغرب من أولئك الذين أصروا على اتهام ديدات بالإنتماء للقاديانية مع أنه أصدر إعلان البراءة من تلك التهمة. و لا ندافع بهذا عن أخطاء ديدات و لكننا نقبل من الناس ظاهرهم و تصريحاتهم كما علمنا الإسلام. و نعرض كتاباته و كتابات غيره على كتاب الله و سنة رسوله. و للحق فإن الباحث في كتابات ديدات يجد أنه استعمل نظرية الإغماء فعلاً في معظم جداله مع النصارى. لكنه في كتابه "عيسى إله أم بشر أم أسطورة" ص 138 يقول: ((إن الذي صُلب هو شخص آخر يشبهه. أما إنجيل برنابا فيؤيد النظرية التي تقول أن شخصاً آخر قتل محله على الصليب. و هذا يتفق مع وجهة نظرنا نحن المسلمين. فهنا الشبهة التي حصلت بقتلهم شخصاً آخر يشبهه)). و مع أن ما قاله لا يمثل وجهة نظر جميع المسلمين إلا أنه لا يتعارض مع القرآن الكريم. إذاً فهذا الكلام ينفي عن ديدات الإعتقاد بصحة نظرية الإغماء السخيفة. لكنه لا يعفيه من تبني تلك النظرية خلال جداله مع النصارى. فلا يجوز للمسلم أن يحتج بما يخالف القرآن الكريم في جداله مع الكفار. خاصة و أن كلام ديدات في مناظراته و كتبه يدعم بشدة تلك النظرية الظالمة التي لا تأبه بتأكيد القرآن الكريم أن المسيح عليه السلام لم يوضع على الصليب. و من الملاحظ أن نظرية الإغماء تعتمد كلياً على بعض النصوص الإنجيلية حول قصة صلب المسيح عليه السلام. و تضرب تلك النظرية بعرض الحائط كل النصوص التي ساقها كتبة الإناجيل أنفسهم حول أحداث قيامة المسيح و نزوله من السحاب بعد عملية الصلب و غيرها من الروايات التي لا تتفق أبداً مع فرضية الإغماء تلك. فكيف يصدق أولئك المقلدون روايات الصلب و يكذبون معظم الروايات في أحداث انشقاق حجاب الهيكل والصعود إلى السماء و الملائكة التي تدحرج الحجر عن القبر المفترض للمسيح..إلخ !!؟. يقول إنجيل متى مثلاً واصفاً اللحظة التي فارق فيها المصلوب الحياة ((وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين - إنجيل متى 27/51 - 53 )). و هذه الأحداث لا يعترف بها أصحاب نظرية الإغماء أبداً فلماذا اعترفوا بتفاصيل عملية الصلب نفسها يا ترى ؟!!!. خاصة و أن الأناجيل نفسها تدعي هرب تلاميذ المسيح قبيل حادثة الصلب المزعومة !!. يقول إنجيل مرقس بخصوص تلاميذ المسيح (( فتركه الجميع وهربوا - مرقس 14/50 )). فإن جاز تصديق التلاميذ لأمكن تصديقهم في أحداث ما بعد الصلب و ليس في أحداث الصلب نفسها. لكن أصحاب نظرية الإغماء يفعلون العكس تماماً. و لا ندري لماذا يلزمنا أصحاب تلك النظرية المتداعية أن نصدق تلك القصة التي لم يحضر أي من رواتها الأصليين الأحداث التي جرت فيها. بل إن اثنين من رواتها الأربعة – و هما مرقس و لوقا -لم يكونا من تلاميذ المسيح عليه السلام أصلاً و لم يروا المسيح أبداً فكيف تقبل شهادتهم في أمر جلل مثل قصة الصلب المزعومة !!. و كيف تقبل تفاصيل تلك القصة مع تناقض رواتها فيها و عدم معرفة الوسيلة التي حصلوا فيها على تلك التفاصيل كلها رغم غيابهم عن الحادثة ؟!!. ناهيك عن التناقضات في النسخ الموجودة للإنجيل الواحد نفسه. يقول أحد المحققين النصارى في تاريخ الأناجيل - اينوك باول - في كتابه " تطور الأناجيل " : ((قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل)). وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة إنجيل متى اليونانية، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية. و نحن إذ نلوم النصارى على تبني بعضهم تلك النظرية الغبية فإننا نستهجن أيما استهجان أن يتبناها من يعلن إسلامه و إيمانه بكل ما أخبر به القرآن الكريم. خاصة و أن من النصارى أنفسهم من اضطر إلى الإعتراف العلني بأن الإنجيل الذي بين أيدينا تعرض إلى التحريف و التبديل. و كلام المحقق اينوك باول مثال واضح على ما نقول. و نضرب على هذا مثالاً آخر و هو ما خلص إليه أصحاب كتاب " The Holy Blood and The Holy Grail" حيث قالوا مثلاً في صفحة 279: ((إن الكتاب المقدس - كما هو عليه اليوم - إن هو إلا نتاج لعملية انتقائية و تعسفية نوعاً ما. ليس هذا و حسب و إنما خضع إلى شيء من التحرير و الحذف و التنقيح)) و إن كان التناقض هو ظاهر حال أحمد ديدات فيما يتعلق بنظرية الإغماء فإن موقف مترجم كتبه إلى العربية - علي الجوهري - كان واضحاً لا غموض فيه. فقد دافع الجوهري بشدة عن نظرية الإغماء التي ساقها أحمد ديدات في كتابه "صلب المسيح بين الحقيقة و الإفتراء" و الذي ترجمه الجوهري بنفسه إلى العربية. و قد كان الجوهري شديد الحماس لتلك النظرية إلى درجة أنه عاب على المسلمين عدم تبنيها !!. و يرى الجوهري أن هذه النظرية لا تعارض الآية الكريمة ((و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم - سورة النساء 157)) و هو بهذا يوافق القاديانيين و اللاهوريين في تفسيراتهم الباطنية للقرآن الكريم. و مما قاله علي الجوهري تأييداً لهذا التفسير الشاذ ما يلي: ((جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول (صُلب). يقال عن شخص إنه صُلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه أُغرق إذا كان قد مات إغراقاً تحت الماء، أما إذا كان حاول بعض الناس إغراق شخص تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لأي سبب فإنهم لم يغرقوه. يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه، ولكنهم في حقيقة الأمر (ما قتلوه وما أغرقوه(، حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له، في محاولتهم قتله تحت سطح الماء. وهكذا لو وُضِع شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب لا يجوز أن نقول عنه أنه صُلب. ربما كان هذا شروعاً في قتله صلباً، ولكنهم (ما صلبوه) )). كتاب "هل مات المسيح على الصليب؟" ترجمة على الجوهري. ص 16 قلت: إن هذا التفسير يخالف اللغة و المشاهدة. فمعلوم أن الإغراق و الصلب و الرمي بالرصاص و الذبح و الشنق و الصعق كلها أساليب للموت و ليست الموت نفسه. فلو أنك رميت شخصاً بالرصاص على رأسه فأصبته و لم يمت لما كان لك أن تقول (لم أرمه بالرصاص و لم أقتله) لأنك فعلياً رميته بالرصاص و لم تقتله. و كذلك لو صعقته بالكهرباء أو أغرقته في الماء أو ذبحته و نجى. فلا يقبل القاضي منك أن تقول لم أغرقه و لم أصعقه و لم أذبحه. لكنه يقبل منك أن تقول (لم أقتله) و حسب. لذلك نرى الأحكام بالإعدام (شنقاً حتى الموت) أو (رمياً بالرصاص حتى الموت) و هكذا لأن هذه أساليب للموت و ليست الموت نفسه. فكيف بالصلب الذي هو و سيلة طويلة شاقة للموت. و لا أدري لماذا يطلب منا علي الجوهري أن ندقق في الفعل المبني للمجهول (صُلب) مع أنه لم يرد في الآية الكريمة إلا الفعل الماضي !! و لا أدري كيف يدعي أن الإغراق هو القتل مع أننا نسمع عن إغراق السفن و القوارب. فهل للسفن أرواح كما للبشر؟ فالمعلوم أن الإغراق هو الإنزال قسراً تحت الماء. فإغراق السفن و الركاب يكون بإنزالهم قسراً تحت الماء و لا بد. و قد ينتشل المنقذون تلك السفن فتجري في البحر مرة أخرى. و قد ينقذ الناس أولئك الركاب بعد أن أغرقوا فينجون. و قد ظهر تناقض الجوهري جلياً حين قال ((يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه..)) فهو في جملته هذه يستعمل الإغراق كوسيلة للقتل فقط لا تعني الموت أو القتل نفسه. و لو كان يعني بالإغراق القتل نفسه لجاز لنا أن نسوق جملة الجوهري تلك بقولنا ((يجوز أن يكونوا شرعوا في قتله بقتله)) و هذا كلام سخيف لا يقوله عاقل. و الأمر نفسه ينطبق على جملة الجوهري التالية ((حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له)). فإن كان الإغراق يعني القتل حقاً فهل لنا أن نصوغ الجملة بقولنا ((حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء قتلهم له))؟!! و من الطريف أنني شاهدت فيلما و ثائقياً عن عمليات جراحة الأعصاب. حيث قام الجراح بفصل رأس قرد عن جسده و تركيب رأس قرد آخر مكانه. و عاش القرد بعدها فترة من الزمن. فهل يجوز للجراح أن يقول و قتها (لم أقطع رأسه و لم أقتله) لمجرد نجاة القرد من الموت؟ فتأمل. و الأمثلة اللغوية على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه كثيرة. و نكتفي هنا بكلام أفصح العرب رسول الله صلى الله عليه و سلم. ففي صحيح مسلم حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يحكي فيه قصة أصحاب الأخدود. و فيها أن الملك صلب الغلام ثم قام بقتله بعد ذلك. و هو ما يدل على أن الصلب وسيلة للموت و ليس هو الموت نفسه. و هذا جزء من الحديث كما ورد في صحيح مسلم: ((.. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام )) و ما دام الصلب أسلوب للموت و ليس هو الموت نفسه فإن نفي الله تعالى لوقوع عملية الصلب هو نفي لوقوع أسلوب الموت و لا بد. فهم لم يرفعوا المسيح عليه السلام على الصليب قط. و الأناجيل نفسها التي يحتج بها أصحاب نظرية الإغماء تتعامل مع الفعل "صلَبَ" بمعنى التعليق على الصليب بغض النظر عن تحقق الموت من عدمه. و إليك ما تقوله الأناجيل الأربعة: (1) يقول إنجيل يوحنا: ((ثم ان العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها اربعة اقسام لكل عسكري قسما – إنجيل يوحنا 19/23 )) ثم يقول بعد ذلك بقليل : ((فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لامه يا امرأة هوذا ابنك - إنجيل يوحنا 19/26)). ثم يقول بعد ذلك (( فلما اخذ يسوع الخل قال قد اكمل .ونكس راسه واسلم الروح - إنجيل يوحنا 19/30)). فجملة (صلبوا يسوع) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة. (2) يقول إنجيل متى ((ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها – إنجيل متى 27/35)). و بعد عدة أحداث قال متى ((فصرخ يسوع ايضا بصوت عظيم واسلم الروح - إنجيل متى 27/50)). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة. (3) يقول إنجيل مرقس ((ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد – إنجيل مرقس 15/24)). و بعد ذلك بقليل يقول مرقس ((فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه قائلا اتركوا .لنر هل يأتي ايليا لينزله. فصرخ يسوع بصوت عظيم واسلم الروح - إنجيل مرقس 15/36-37 )). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة. (4) يقول إنجيل لوقا ((ولما مضوا به الى الموضع الذي يدعى جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحدا عن يمينه والآخر عن يساره .- إنجيل لوقا 23/33)). و بعد ذلك بقليل يقول لوقا ((واظلمت الشمس وانشقّ حجاب الهيكل من وسطه . ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا ابتاه في يديك استودع روحي .ولما قال هذا اسلم الروح - إنجيل لوقا 23/45-46)). فجملة (صلبوه) لم تعنِ لأحد بأنه قد فارق الحياة. أما من تبنوا نظرية الإغماء - ممن يدعون الإيمان بالقرآن الكريم - ففهموا من الأناجيل كلها أن جملة "صلبوه" تعني "علقوه على الصليب". لكنهم فهموا من نفس الجملة "صلبوه" في القرآن أنها تعني "قتلوه". و نحن نفهم قبول القاديانيين و اللاهوريين لهذه الباطنية و التناقض فدينهم دين الطاغوت المتناقض المليء بالسخافات. لكننا نعجب ممن يدين عبيد ميرزا غلام أحمد القادياني لكنه يقلدهم فيما اقترفوه من تفسير أعوج لهذه الآية الكريمة. **** ولكن شبه لهم أما قوله تعالى (و لكن شبه لهم) فوردت فيه عدة تفسيرات. و أستشهد هنا بأحد التفسيرات المهمة لهذه الآية الكريمة و هو ما أورده ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل و الأهواء و النحل) حيث يقول رحمه الله : ((إنما عنى بذلك تعالى أن أولئك الفسّاق الذين دبروا هذا الباطل وتواطئوا عليه أنهم كذبة، وهم شبّهوا على من قلّدهم وكذبوا عليهم. فأخبروهم أنهم صلبوه و قتلوه و هم كاذبون في ذلك. عالمون أنهم كذبة )) - كتاب الفصل. الجزء الأول ص 76 ثم يضرب ابن حزم مثالاً بحادثة حصلت معه شخصياً. حيث حضر هو و جمع غفير من الناس دفن المؤيد هشام بن الحكم المستنصر. فرأى هو و غيره شخصاً مكفناً في نعش. و صلى عليه ابن حزم مع الآلاف من الناس. لكن المؤيد ظهر بعد حوالي سبعة شهور حياً و بايعه الناس بعد ذلك على الخلافة. و يضيف ابن حزم في شرح جملة ((شبه لهم)) قائلاً: ((إنما هو إخبار عن الذين يقولون بتقليد أسلافهم من النصارى و اليهود: أنه عليه السلام قتل و صلب. فهؤلاء شبه لهم القول. أي أدخلوا في شبهة منه. و كان المشبهون لهم شيوخ السوء في ذلك الوقت و شرَطهم المدعون لهم أنهم قتلوه و صلبوه و هم يعلمون أنه لم يكن ذلك. و إنما أخذوا من أمكنهم فقتلوه و صلبوه في استتار و منع من حضور الناس. ثم أنزلوه و دفنوه تمويهاً على العامة الذين شبه لهم الخبر )) - الفصل. الجزء الأول ص 77. و هناك تفسيرات عديدة لمسألة التشبيه على الناس في مسألة الصلب. و نلخص التفسيرات التي تستحق الدراسة و لا تعارض القرآن الكريم بما يلي: (1) لم يصلب اليهود أحداً لكنهم ادعو ذلك ليشبهوا على من قلدهم و يكذبوا عليهم بعد أن نجى الله المسيح عليه السلام من مكرهم. و يقوي هذا الإحتمال ما نقله إنجيل يوحنا بأن يسوع تحدى اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه ((فقال لهم يسوع انا معكم زمانا يسيرا بعد ثم امضي الى الذي ارسلني .ستطلبونني ولا تجدونني وحيث اكون انا لا تقدرون انتم ان تأتوا)) - يوحنا 7/34-35 و نتساءل الآن: ماذا لو عرف اليهود بأنه عليه السلام قد مات و دفن أو اختفت جثته قبل أن يقبضوا عليه؟ لا بد بأنهم سيتبجحون بأنهم هم الذين قتلوه بل بأنهم قد صلبوه ليلعنوه. (2) صلب اليهود واحدا من الناس و ادعوا أنه هو المسيح بن مريم عليه السلام ليشبهوا الأمر على الناس بعد أن نجى الله نبيه عليه السلام. و هذا التفسير هو ما ذهب إليه ابن حزم و غيره. و ذهب قريباً من هذا الإستنتاج النصراني ملمن في كتابه " تاريخ الديانة النصرانية " حيث يقول : (( إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن)) (3) صلب اليهود أحد تلاميذ المسيح عليه السلام الذين افتدوا نبيهم بأنفسهم. فادعى التلميذ بأنه هو المسيح عليه السلام عندما طلبه الجنود. فشبه الأمر لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح عليه السلام و قتلوه. و ذهب إلى هذا التفسير الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنه. و اختاره بعض المفسرين أمثال ابن كثير و غيره. و يقوي هذا التفسير ما أوردته الأناجيل نفسها عن الذين جاءوا للقبض على المسيح عليه السلام. حيث كان من الواضح أنهم لم يكونوا على علم بشكله فقد احتاجوا لعلامة من يهوذا الذي أسلمه ليعلموا من هو الشخص المطلوب. و العلامة هي أن يقبّل يهوذا اليسوع. يقول إنجيل مرقس مثلاً: ((وكان مسلمه قد اعطاهم علامة قائلا الذي اقبّله هو هو. أمسكوه وامضوا به بحرص. فجاء للوقت وتقدم اليه قائلا يا سيدي يا سيدي .وقبّله . فألقوا ايديهم عليه وامسكوه - إنجيل مرقس 14/44-45-46)). أما إنجيل يوحنا فيوضح بجلاء أن الشخص المقبوض عليه هو من ادعى أنه المسيح عليه السلام حيث لم يعلم الجنود و لا خدام اليهود شكله. يقول يوحنا: ((فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح . فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون . اجابوه يسوع الناصري .قال لهم يسوع انا هو .وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم ))- إنجيل يوحنا 18/3-4-5 قال بعض المفسرين بأن المصلوب هو جرجس و قال آخرون بأنه شمعون. و قال البعض بأن الله جعل اليهود يرونه على هيئة المسيح عليه السلام. و يؤيد هذه القصة ما ورد في إنجيل توما. و النسخ المكتشفة من إنجيل توما تعود إلى حوالي العام 150م كما قدر بعض خبراء المخطوطات. و يرجع المحقق كويستر هذا الإنجيل إلى منتصف القرن الأول الميلادي، وأرجعه المحقق كيسيبل إلى العام 140م. و يذكر إنجيل توما بعد أن وضّح بأن بديلاً عن المسيح عليه السلام هو من صُـلب - و الكلام على لسان سيدنا عيسى عليه السلام كما يرويه توما: ((لم أخضع لهم كما أرادوا . و أنا لم أمت في الواقع بل في الظاهر لكيلا يلحقوا بي العار. لأن موتي الذي ظنوا أنهم أوقعوه بي إنما أوقعوه بأنفسهم في خطئهم و العمى. إذ مسمروا رجلهم على موتهم . لقد كان شخصاً آخر الذي شرب المر و الخل. لم يكن إياي. ضربوني بالقصب ! لقد كان شخصاً آخر هو شمعون. الذي حمل الصليب على كتفه. لقد كان شخصاً آخرالذي وضعوا على رأسه التاج و الشوك. و أنا كنت أضحك من جهلهم)) - كتاب The Holy Blood and The Holy Grail (4) صلب اليهود أحد الذين وشوا بالمسيح عليه السلام بعد أن جعل اليهود يرونه على صورة المسيح عليه السلام. فظنه اليهود بأنه هو المسيح عليه السلام فصلبوه و قتلوه. فشبه الأمر لليهود بأن ظنوا أنهم صلبوا المسيح عليه السلام و قتلوه. و يؤيد هذه القصة ما ورد في إنجيل برنابا. فقد ادعى إنجيل برنابا أن الله ألقى شبه عيسى على يهوذا وأنه رُفع إلى السماء. و قد مهد لدعواه باعلان أن المسيح عليه السلام سوف يحيا إلى نحو منتهى العالم ، وأن جبريل قد أخبره بخيانة يهوذا. ثم أعلن يسوع أن الله سيصعده من الأرض وسيغير منظر الخائن (يهوذا) حتى يظنه كل أحد أنه يسوع (برنابا 112 :15).




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home