قصة

 

بياض يشوبه السواد

أحمد المصري



بياضٌ يشوبه السواد

   كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحا ، وقد مر سائر الليل ولم ينطق قلمي بكلمة واحدة على كومة الأوراق تلك ، لم أدر إن كان قلمي قد جف أم أن مشاعري وأفكاري تلاشت مع تلاشي أوراق الشجر في الخريف.

   خشيت أن أكون قد أخفقت فعلا ، فقد اعتاد الناس على قراءة ما أكتبه في الصحف المحلية ، وعلى اقتناء مجموعاتي القصصية ، وها قد مضى أسبوعان ولم أنشر قصة واحدة ، بل حتى أقصوصة.

   لقد أزعجني هذا حقا ، فلم يكن هذا اليوم أفضل من سابقه ، فقلت في نفسي :"لا بد أن أخرج من قوقعة هذا المكتب التقليدي وأواجه الطبيعة الحسناء ، بل ذلك خير من قصصي التي أنشئها عادة من نسيج خيالي ومن خليط أفكاري.

   بالرغم من أن النعاس كان يصارعني وكاد أن يتغلب علي ، إلا أنني صرعته وتغلبت على الونى ، ثم تناولت قلمي ومجموعة الأوراق التي تنتظر وقوع الحبر عليها وخرجت من الكوخ الريفي ذاك مصطحبا معي كرسيا قد عفا عليه الدهر وأكله الزمن ..

 

*     *     *

 

   فاجأني وجود الكثير من اللغط ، بالرغم من أنه لم يكن في تلك الغابة أحد سواي ، فمن تغريد الشحارير والعصافير ، إلى صوت الأوراق الصفراء المتساقطة التي يدفعها الريح فتهرب في كل صوب ، ومن نقيق الضفادع الملونة حول البركة ، إلى صفير الرياح التي هي في عجلة من أمرها ، إنها غابة في الريف ، نعم إنه الريف البديع ..

   يا لروعة المنظر ! ويا لعظمة الخالق!.. حسناء والله إنها لحسناء تلك الطبيعة الخلابة الآسرة. أشجار مائلة ملتوية ، بالرغم من خلوها من الأوراق إلا أنها كانت تمثل آيات من الجمال لم أدرك مصدره ، ولم أوقن كنهه. سماء صافية ، شمس خجولة .. كنت أرى كل شيء متجانسا لا تشوبه شائبة ، ولا يعكّره صفوه شيء .

   ومما زاد من جمال المنظر ورقته نهر "بردى" ، ذلك الغالي العزيز الغزير الذي تبتهج الأرض من تحته ، ويملأ الدنيا هديرا عذبا طيب الوقع والمذاق..

 

*     *     *

 

   ارتعش جسدي لمرور إحدى النسيمات الهاربة من الشتاء مبكرا ، فخرجت من ذلك المشهد الجميل وأغلقت باب الكوخ ثم مضيت مبتعدا عنه بضع خطوات.

   بحثت حولي فوجدت زاوية هادئة تحت إحدى الأشجار الضخمة ، فسرت إليها وأنا ألتفت حولي بإعجاب وسرور. وضعت الكرسي تحت الشجرة ، جلست عليه ، فبدوت كقزم في ظل عملاق ، ورحت أناظر الأشياء من حولي.

   لم أدر من أين أبدأ قصتي ، أو كيف أصف ما لا يمكن وصفه بقلم أو بريشة ..

 

   في تلك اللحظات ، وقع نظري على أحد أعشاش الطيور ، وما لفت نظري هو حنو الأم على صغارها ، فرحت أراقب كيف تطعمهم و تعتني بهم ، وترعى بيضها الناشئ ، وتحميها من عدوان الغربان السود ، وكثيرة هي الأدوار التي تقوم بها ، فراودتني ابتسامة عفوية ورحت أمعن في ذاك المنظر الرائع ...

 

*     *     *

 

   دقائق معدودة وانقلب الجمال قبحا ، وانقلب فرحي ترحا ، وبتّ مصدوما متفاجئا بعد أن سمعت صوتا مدوّيا . - لوهلة - لم أدرك ماذا جرى؟ وماذا حصل؟ وكيف كل هذا؟ ومتى ... ؟

   كنت قد انتفضت من على الكرسي كمن به مس أو صرع ورميت الأوراق فتناثرت .. إنها أم العصافير قد تحولت إلى جثة هامدة ، لا حراك فيها ، وانقطعت زغردتها المتقنة ، وهوت من على العش .. فعلا صوت زقزقة صغارها ، كأنما ينادونها من أعلى – وبأعلى أصواتهم - : "عودي يا أمنا ، عودي"

   سمعت ضحكة مدوّية شريرة خشنة ، لا تبدو أنها صادرة عن أحد مكونات هذا المكان ، بل هو جليّ أنها من صنع الدخلاء ، وعندما التفتّ إلى مصدرها رأيت شخصا يرتدي بزّة سوداء ، إنه صياد أخرق قد أطلق النار على العصفورة ..

   بدأ الغيظ يملأ قلبي ، والوجوم يعلو وجهي . وبينما هو قادم لالتقاط ما اصطاد، ذهبت باتجاهه بخطوات ثابتة سريعة وفي داخلي بركان يثور ،، ووقفت في وجهه فقال :

- ابتعد عن طريقي يا هذا ، لماذا تقف في وجهي كالأبله ؟!

فأجبته :

- أيها البائس! ألا يكفيك أن تعلم أن ما فعلته محظور ؟!

ردّ بعصبية :

- لقد أزعجتني حقا ، ابتعد عن طريقي فأنا لا أكترث لك ، ولا أكترث للقوانين..

اشتد غضبي ، واحمر وجهي ، وكدت أنقض عليه كالباشق ، إلا أنني تمالكت نفسي وتذكرت أن ذلك ليس من شيمي.. فحدثته قائلا :

- الجميع يعلم منذ عهود أن الصيد ممنوع ، وإن لم يكن كذلك فهذا شيء يجب أن تحرمه على نفسك ، وتعلم أن كل مخلوق يحب العيش كما تحبه أنت لنفسك ، فلو أن أحدا قتل أحد أفراد أسرتك ، فما أنت بفاعل ؟؟

   لم يعجبه كلامي قط ، بل تجاوزني مهملا إياي ، وأنا في الواقع لم أكترث له بقدر ما اكترثت لأمر العصفورة ، فهي – على الأقل – كانت تفعل شيئا مفيدا في حياتها ، فتطعم صغارها وتذود عنهم ، أما ذلك الضخم الشرير ، فقد تبلّدت مشاعره ، وفقد إنسانيته السامية ، فلا عجب مما يفعل أمثال هؤلاء .

 

*     *     *

 

   رمقته بطرف عيني ، عدت أدراجي ، جمعت أوراقي المتناثرة وباقي الأغراض ، ثم وليت وجهي صوب الكوخ القديم ، وأنا في حال يرثى لها من الغضب والاشمئزاز . دخلت الكوخ واستلقيت على السرير وأنا غضبان ، وراحت تجول في خاطري فكرة لم أكن متنبّها لها ، وهي أن الإنسان وحده استطاع أن يدمر مثل هذه الأماكن البديعة ، وكان سببا لشقاء الكائنات من حوله ، فكم هو شرير – وأي شرير – من يحوّل الجنة إلى جحيم ، والبياض إلى سواد .. ثم غبت في سبات عميق ، ومر يوم جديد دون أن أكتب تلك القصة المنتظرة ، إلا أنه لم يكن كباقي الأيام ...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home