قصة

 

يوم من شتاء دمشق

أحمد المصري



يوم من شتاء دمشق

    

     ما كان نصيبي من النوم إلا ساعتين وبضع دقائق ، فلم أستطع أن أنام ولم يطب لي أن تغفو عيني طويلا، خشيت أن تضيع مني إحدى ليالي الشتاء الذهبية الماطرة دون أن أمارس القراءة على ضوء مصباح "الكاز" وبجانب المدفئة الأثرية الضخمة التي لطالما اشتقت إليها في غربتي ..

   لقد كانت بالفعل ليلة قارسة البرد شديدة السكون ، لا يعلو مسامعنا سوى صوت صفير الريح ووقع قطرات المطر على النوافذ الزجاجية و"السقيفة" .

   وها هي ذي قد أوشكت خيوط النور الأولى أن تتلألأ فوق سماء دمشق .. لتبسط ضياءها وتعلن بداية يوم جديد .

 

*     *     *

 

   ما أيقظني في الصباح كان صوت والدتي الحنون ، قائلة: "الفطور جاهز وأبوك في انتظارك".

   جمعت قواي ، نهضت من الفراش ، اغتسلت بعدها ثم وجدت طريقي إلى الطابق السفلي عبر الدرجات الخشبية المهترئة ، ثم جلست على كرسي خشبي يدوي الصنع أمام "البحرة" .

-      "صباح الخير ، أبت"

-      "صباح النور ، أراك باسم الوجه اليوم ..!"

-      "نعم ، أنا سعيد بعودتي من السفر ، لأجد نفسي في دياري وبين أهلي وأعزائي ، خصوصا أن هذه الأيام الشتوية هي الأفضل على الإطلاق بالنسبة لي"

-      والدي مقهقها : "بخ يا بني بخ ،، هذا ولدي الذي ربيته على حب الوطن.."

 

تأتي والدتي بعد ذلك ومعها "صينية" دائرية كبيرة ، لتضع منها أطايب الطعام "البلدي" ، وتتم بذلك إعداد "السفرة" .

  كان فطورا رائعا حرمت منه لسنوات في بلاد الغربة ، إنها لقيمات أعدتها يدي أمي التي ليس لطعمها مثيل.

 

   نهضت من على الطاولة ثم عدت ثانية إلى غرفتي في الأعلى ، بخطوات ترتجف من البرد لأقوم بعد ذلك بارتداء "عدة" بناطيل و"عدة" قمصان ، بالإضافة إلى "المالطو" الجلدي الطويل الذي لطالما خفت منه في صغري ، مهيئا بذلك نفسي للخروج ...

كان والدي قد ذهب إلى العمل آنذاك ...

 

-      "أنا ذاهب يا أمي" .

-      "ربنا يوفقك ، لا تنس أن تحضر "شوية كاز" للمدفئة من عند الحاج أبو جاسم".

-      "حسنا ، وداعا"

-      "وداعا".

 

   شرعت في فتح باب بيتنا الدمشقي ، فأصدر صوت زقزقة يصم الآذان ، كأنه يخبرنا بأنه يحتضر..

   وما أن أغلقت الباب حتى استقبلني صوت زغردة العصافير ، والسماء البيضاء المعبأة بالثلوج ، تنتظر اللحظة المناسبة لتفرغ محتواها من القطرات القطنية المتجمدة .

*     *     *

   وجدت نفسي ضائعا في جمال أزقة دمشق القديمة ، أنظر وأتمعن "شبابيك" البيوت وأبوابها العتيقة .. أنظر إلى الجدران وإلى الأعمدة الخشبية في كل بيت ، فأشعر كأنها عجائز تنظر إلي وتبادلني النظرات .

   كانت كل هذه الأشياء عادية ومألوفة للسكان الشعبيين ، أم أنا فقد انتعشت روحي لمجرد وجودي في تلك الأماكن ، فقد كنت أتمنى التواجد فيها ولو للحظات وأنا في بلاد الغربة.

   بالرغم من البرد القارس حينذاك ، إلا أن دفء الوطن أنساني ذلك البرد الظاهري المراوغ ، فليس بعد دفء الوطن دفء.

 مشيت بعد ذلك لأجد نفسي أمام "القهوة" ، حيث كانت تتعالى ضحكات الحاضرين الذين يتبادلون أطراف الحديث على أنغام المطربين القدامى .. هممت في الجلوس فيها كي أستريح قليلا ؛ إلا أن أنفاس "الشيشة" التي تعبأ المكان برائحتها وبدخانها الأبيض لم تناسبني فمضيت ،،

   أكملت طريقي بين الأزقة و "الحارات" الضيقة ، فوصلت إلى السوق الشعبي الكبير ، الذي ما ألفته هادئا صيفا ولا شتاء .

   تتابعت خطواتي في أفنية وممرات هذا السوق الضخم ، وأنا أتفحص المنحوتات والمصنوعات والتحف الشرقية من محل لآخر ، ومن زاوية لأخرى ..

   كان صوت مسجد بني أمية الكبير ، هو الصوت الوحيد الذي لطالما قطع صوت ضجة هذا السوق المجاور ، معلنا بدء وقت الظهيرة ، فما وجدت بدا من الصلاة فيه وزيارة قبور بعض الأنبياء والصالحين .

   فرغت من كل ذلك ، وشققت طريقي عائدا إلى المنزل ، لكنني تريثت قليلا عند بائع الكستناء المشوية ، ثم جلبت ما أوصتني به والدتي ، وصلت إلى البيت منهك القوى ، ثم غبت في سبات عميق ..

 

*     *     *

استيقظت بعدها في العشاء لتبدأ سهرة جديدة على أنغام عود والدي الذي لطالما أطربني بشدة ، وحرك مشاعري الجياشة ، وكان دافعا لتشويقي إلى القراءة ، فهممت إلى غرفتي وغرقت في المطالعة ، فكانت بذلك ليالي الشتاء تعيد نفسها مرة بعد مرة ...




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home