قصة

 

قاب زغرودتين أو أدنى!!

حنان محاميد



"مجد"رجل في التاسعة من العمر، رجل بطفولة مؤجلة، وبأحلام لا تتعدى حدود الفرح..

..بيته بات كومة من الحجارة..بعدما هُدم على رأس من فيه..

وحده "مجد"..من كُتب له النجاة من فك الموت ليصارع قدرة بإنطاق الحجر في مقاومة أنياب الاحتلال...

لا أم..ولا أب..ولا عائلة..يُتم مجد بتصريح من القدر..وبتنفيذ إحتلالي...

كان بعد ظهر يوم ربيعيّ عائداً من المدرسة..وفي يده "كراس المذاكرة"..

ولا يشغل باله سوى التفكير بكذبة بيضاء ما..يلقيها على مسامع أمه..كذبة بيضاء صغيرة تُنجيه من التوبيخ بسبب العلامة غير الكاملة في ورقة امتحان الإملاء..

وصل المخيم..، وجد الكذبة البيضاء..ولكنه لم يجد أمه..لم يجد بيته..لم يجد أخوته..!!

لم يجد أمامه سوى الكثير الكثير من أكوام الحجارة المكدسة فوق بعضها البعض..!

لم يفهم مجد شيئاً من الذي يدور حوله..!، فأين هي البيوت؟..وأين هم سكان المخيم؟!

حاول مجد أن يستجوب الحجارة المخضبة بالدماء حوله..! سألها لعلها تنطق،لعلها تجيب..فلا بد أنها قد رأت كل ما حصل....ولكن..أبداً لم تجب الحجارة!..على أي من أسئلته..

فهكذا هي الحجارة الفلسطينية..، خرساء صماء خارج راحة اليد!..

ولكن هل يمكن أن يكون قد ضل الطريق؟!..

كلا..لا يمكن..، فهو متأكد بأن هذا المخيم هو مخيمه..وهذه الحارة حارته....نعم أليست هذه هي الساحة التي كان يلعب بها "الغميضة" مع أبناء المخيم؟!..و أليس هذا هو الجدار الذي كانوا يختبئون خلفه..؟!..نعم إنها هي الساحة..وهو هو الجدار!

"دمية"..لمحها مجد من بعيد..دمية مبتورة الأطراف! ..أليست هذه دمية "عروبة"..أخته؟!..نعم إنها هي دمية عروبة..ولكن ما الذي حل بفستانها الأبيض؟..وكيف تحول منه إلى أحمر؟!..، كلا هذا اللون ليس بأحمر شفاه!..نعم هو متأكد من ذلك..، فلا أحمر شفاه لدى أمه بعد!، فقد استشهد والده قبلما أن يفي بوعده..بإحضار قلم أحمر الشفاه لأمه "هدية" ليلة عيد الأضحى الماضي..!!

..وتلك..أليست تلك بحقيبة "يوسف"؟!..نعم إنها هي..فلا يمكن له أن لا يتعرف عليها.. نعم إنها هي حقيبة يوسف..برقعها الكثيرة..وبسحاباتها المتهرئة..، نعم إنها ذات الحقيبة التي تناقلتها العائلة من شخص لآخر..، نعم إنها نفس الحقيبة البالية التي قد أكل الدهر عليها وشرب..، إنها هي..هي!!

..وتلك هناك..إنها صورة الشهيد "أبو مجد"..وهذه إنها زجاجة حليب "محمود"....,وهذه..وتلك..وتلك..وتلك..!!!

 دمية..حقيبة..صورة..زجاجة حليب..إصبع..فيد..فساق!!!

} ….............      ووضحت الصورة! } ..................    

..خمسة أصابع تضم الحجر..ورجفة ساعد قد اغتيلت طفولته، وصدر متجه بحزم وعزم نحو ضفة الانتقام!!

دبابات ترقص على الدماء  في كل مكان..، شهقة مدفع،  وإطلاق نار كثيف.....

 تصريح...بأن مجد سيُزف شهيداً..قاب زغرودتين أو أدنى..!!!

                                

                     بقلم:حنان خالد محاميد

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home