قصة

 

السماء تمطر دما

د/ عطيات أبو العينين



السماء تمطر دما

                               د/ عطيات أبو العينين

*****

توهجت الشمس وأرسلت أشعتها الحارقة تكاد تكوي الجباه والوجوه وكأن الهواء والنسيم العليل رحلا بلا عودة .. العرق الغزير يسيل علي وجوه العمال وأجسادهم لكنهم لا يعبأون به ..لقد انتفخت أوداجهم تكاد تدفع الدماء خارجها دفعا ..

انتهت مواعيد العمل الرسمية وحان الوقت لخروج الجميع وعودتهم إلى منازلهم الكل في سباق يجري دون ان ينظر بجواره فكل منهم يحاول أن يلحق بمقعد خال ليجلس عليه ويرتاح من عناء العمل طوال اليوم ويفوز بطعام شهي ويستلقي علي سريره  . ولم يلتفت أحدهم إلي الرجل العجوز الذي أوقعوه أثناء تسابقهم ، وهذه السيدة التي تقف متعبة تستند إلي الذراع الحديدي ممسكة بوليدها الصغير و تكاد تسقط بين الحين والآخر هي أيضا لم يلتفت إليها أحدا .

تحدث أحد الرجال إلى من يجلس بجواره قائلا :

-         ألا ترى معي أن حرارة الجو فاقت كل عام ؟

رد الرجل :

- نعم ..  إننا لا زلنا في شهر يونيو ..

رد الآخر

-         إننا لم نتعود هذه الحرارة الشديدة إلا مع أغسطس ؟

قال له معقبا:

-         معك حق .. فظروف الجو هذه الأيام غريبة ..

فجأة أبصر الناس بقعا داكنة في السماء  .. فراح رجل منهم يقول :

- ربما تمطر اليوم .. لعلها تلطف من هذا القيظ الشديد .

ما كاد الرجل يكمل كلامه إلا وصاح :

-         انظر.. انظروا أيها الناس إنه شيء غريب حقا ..

ارتسمت علامات الفزع والدهشة علي وجوه الركاب وانطلقت صيحات الرجال واستغاثات النساء وبكاء الأطفال ..

توقف السائق عن عمله .. وتوقفت جميع العربات ..  وانطلق الناس يفرون ولا يعلمون إلي أين ؟

 الجميع يستغيث :

-         يا منجي من المهالك يارب  .. انقذنا مما نحن فيه . 

كان المنظر غريبا يملأ النفس رعبا فلم يحدث أن رأى الناس من قبل أن السماء تمطر دما ..

البعض يقول :

-         إنها القيامة لا محالة ..

راحت الأمهات اللاتي تركن أولادهن بالمنزل يبكين ويصحن ويتوسلن إلي الله أن ينقذ أطفالهم الصغار ..

تخضبت وجوه المارة في كل مكان بالدماء وتلونت ملابسهم بلونه الأحمر القاني وارتوت النباتات بالدم . فرت الحيوانات مذعورة خوفا من الماء والأحواض  التي تحولت إلي بحار من الدم .

توقفت الحياة في المدينة .. للحظات هي عمر أمطار الدم التي سقطت على أهل المدينة ..  بعد دقائق معدودات أشرقت الشمس من جديد وصفت السماء ولكن لم يعد أهل المدينة لطبيعتهم ولا حياتهم الطبيعية كان كل منهم يفكر فيما حدث في الصباح .

امتنع الناس عن الطعام فكيف يستطيعون أكل نباتات قد رويت بالدم .

انطلقت الإذاعات المسموعة والتلفاز المرئي ينشر أحاديثه فيستضيف الناس الذين شهدوا الظاهرة الغريبة التي لم يحدث لها مثيل من قبل .

بعض الناس يقول :

-         إن هذا لا شك إنذار بقرب يوم القيامة ..

وراح آخرون يزعمون :

-         أن هذا غضب من الله

أما الأمهات فقالت :

-   لم ينقذ أهل المدينة سوى صرخات واستغاثات الأطفال الصغار ودعوات أمهاتهم بأن ينجيهم الله . راح كل منهم يجتهد في إرجاع هذه الظاهرة لتفسير يرضيه .

أما الشيوخ ورجال الدين أخذوا ينصحون الناس أن يغيروا من سلوكهم وليبحث كل منا عن الأخطاء التي يرتكبها كل يوم لعل الله يرضى عن المدينة . كل هذا ولم يخرج عالم واحد من العلماء يتحدث إلى الناس ليهدىء من روعهم ولكنهم مشغولون بأخذ عينة من الدم  وإجراء التجارب عليه لمعرفة مكوناته الحقيقية . مرت أيام والناس تعاني من القلق الشديد ويخشون أن يتكرر هذا الحدث الغريب .

وما حدث من الناس كان أغرب  ، فعندما انطلق الناس من أعمالهم  لم يتدافعوا بل انتظر بعضه بعضا وأصبحوا  أكثر رفقا ببعضهم البعض ،  وعندما صعد الرجل العجوز فسحوا له مكان ليجلس علي المقعد ، بل وقام شاب صغير كان يجلس عندما رأى امرأة حامل تصعد ولا تستطيع أن تقف علي قدميها . ارتسمت علي شفاههم جميعا ابتسامة جميلة ..

 عندما عاد الناس إلي منازلهم أعلن العلماء أنه تم تحليل العينات التي أخذوها من الدماء التي هطلت عليهم وماهو إلا مطر عادي ولكنه اختلط بتراب الطوب الأحمر وقد أثارته عاصفة  مر بها المطر العادي فتحول إلي مطر دموي . شعر أهل المدينة أن هناك شيء ما تغير بداخلهم ،  فقرروا جميعا  أن يعيشوا في حب وسلام ، يحب كل منهم الآخر ويساعده ولم يعد منذ ذلك اليوم المطر الدموي ،  ولكن عاد الحب والوئام الذي هجر المدينة يوما ما دون رحيل .

                          *********




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home