قصة

 

الخروج عن النص (مسرودة من أربع مشاهد)

رشا فاضل



  

( الخروج عن النص )

قصة قصيرة

رشا فاضل ـ العراق

 

المشهد الأول

 

   ترتفع الستارة .. وحدها على الخشبة .. تختفي اصواتهم .. تمتزج وجوههم

لتصبح وجها واحدا .. تتلاشى ملامحه فيما بعد .. لا ضوضاء .. ولا احد ابدا .

تحمل منديلا .. بحنان تلثمه وهي تتنفس اخر لحظاتها معه .. تغيب في دفئه

الذي لم يفارقه بعد .. تنتبه الى ان الجميع يرقبها .. وان ثمة من يعطيها

التعليمات من خلفها ويذكرها بالكلمة الاولى التي يجب ان تقال .. لا

بالمنديل المخبئ بين ثنايا ثوبها ..

 

   تستيقظ من دفء حلمها لتغيب في الكلام المحفوظ عن ظهر قلب ..

 تسترق السمع الى دقات قلبها المتسارعة .. انه يخفق .. يخفق بقوة ..

 تعاود اخراج المنديل المختبئ بين ثنايا ثوبها .. تلثمه بحنان ..

ترفع وجهها نحو السماء فاتحة صدرها .. يبتهل قلبها للاله الماثل في كل

 ذرة كونية ان يحفظه .. ان يغفر لها انها نسيت ان تعفر

 خطاه بقدح ماء ككل مرة .

 

    تشعر ان اقدامها لا تستطيع حملها .. تجلس على مقعد من الخيزران ..

 تحاول ان تتجاهل دقات الخافق الصغير .. ثمة من يعطيها الاشارات لتكف

 عما تفعله ، وان تعتذر وتنسحب .. لكنها لا ترى    احدا .. لا تكترث ..

 تستسلم للمقعد الهزاز الذي يحتضنها وهي تضم كفيها الى صدرها بقوة ..

( مازالت قبلته .. كجسد طفل ولد للتو .. غضة .. وطرية ..)

 

   يعاود قلبها الخفقان .. يخفق .. يخفق .. تقفز الى مخيلتها ساعته  اليدوية ..

 واعقاب السجائر التي سحقها .. تتلمس عيناها أشياءه الصغرى بحنان ..

لا تريد الانصات اكثر .. تنهض .. تحاول الانشغال بتذكر دورها الذي مازالت

 تتذكره جيدا .. ولم تنسه كما يجدر بها ان تدعي .. تحاول ان تستر توترها

بالصمت .. بترديد الكلمات التي حفظتها عن ظهر قلب . تشعر وللمرة الاولى

 ان دورها مضحك .. وان كلماتها هزيلة .. كسيحة لا معنى لها ..

 

  فجاءة يخرج صوتها صدى لاجراس الحزن .. ( كل شيء عداه 

    باطل .. وقبض ريح ..)  ليس ثمة من يصفق اذ لم ينتبه احد من 

 الجمهور .. ان تلك الجملة ، التي حملها صدى تردد في ارجاء 

    المسرح .. تعني نهاية المشهد .

 

 

المشهد الثاني

   تمتلئ القاعة بالضجيج ..

يستغرب الحضور من هذا الضجيج .. المنبعث من خلف الكواليس ..

من كل الذين يمسكون اوراقهم بايديهم .. وهم يلوحون لها ان تكف

عن المهزلة التي تقوم بها .. وتنسحب بهدوء .. ثمة الكثير ممن

 حفظوا دورها ، ويستعدون لاخذ مكانها على المسرح .. لكنها مازالت

 تنظر اليهم ولا تراهم ..

    لا ترى سوى تلك الابتسامة النبوية التي ارتسمت على وجهه ، وهو

 يراها تجهز اغراضه في كل ذهاب له لساحة المعركة .. كانت ملامحه

تشي بامر لا تريد معرفته .. طردت من راسها الافكار السوداوية ..

 وهمت بمغادرة الرقعة ..

 

 

 

المشهد الثالث

   لم يعودوا يتحدثون بالتلميح .. بل اخذوا يصرخون بها ان تتوقف

 عن هذه المهزلة وهذه النكبة التي نكبتهم بها .. تلتفت اليهم

 ولا تراهم .. لا تراهم ..!

     تتقاذفها مشاعر كثيرة .. ثمة طفل يداعب حمامة ..

المشهد الرابع

 

 

     تفشل في اخفاء ولعها الصعب به ... تتحدث مع نفسها بصوت

    عال .. كلماتها متقطعة .. غير مفهومة .. وثمة من يوشك على

 الجنون  يقف خلفها يائسا من انقاذ ما يمكن انقاذه من مسرحيته المنتظرة .

 

    تنظر الى الوجوه .. تتطلع اليها الواحد تلو الاخر ، تبحث عن وجه

 حبيب مالوف .. عبثا تحاول ان تجده . يخرج صوتها غاضبا خائبا ..

( لا شيء ! لا شيء ! الجدران عارية .. والوجوه غبار ! )

تخرج المنديل بعصبية .. ( لن اغفر لك تلك الابتسامة .. لن

اغفر لنفسي اني نسيت قدح الماء .. )  يتابع الجميع كلماتها بتمعن ..

( الحرب .. تلك المواجهة الخرقاء .. وحش بلا قلب ، غبي

وأبله ، هدفه الاول والاخير هو القتل لا يهم لصالح من .. القتل هو   القتل .. ) .

 

    ينفجر قلبها ببكاء حار لا تعرف سببه ..

تجثو على ركبتيها .. ترفع يدها نحو السماء .. تدعو .. وفي حنجرتها

تجمع ادعية كل من حولها .. بصوتها المخنوق بالدمع .. ( يارب ..

احفظه من الرصاص الغادر .. من محرقة الموت التي ابتلعت اباه ذات يوم ..

 اباه الذي لم يترك لي سوى ضحكة نبوية  اخرى ..)

 

يحتدم  الصراع .. يركض مع رفاقه .. صوت امه المعاتب الحزين يعلو

 على صوت القنابل والعيارات النارية ..  يركض بسرعة نحو ضفة  الامان ..

 

  تكبر ابتسامته .. سيصل .. سيصل .. يضم سلاحه الى صدره ليتمكن

من الركض بسرعة اكبر .. يخفق قلبه بشدة .. يرى وجه ابيه وقد علته

 الابتسامة ذاتها .. يمد له يده .. فجأة تتعثر خطاه .. ! يسقط سلاحه

من  يده .. ينظر الى صدره .. ثمة رصاصة استقرت في قلبه .. بين صورة

امه .. وابيه .. يهوي على الارض المفروشة بدمائه .. يستقر راسه على

 السلاح .. وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة النبوية .. بينما تحمل المرأة

 على الايادي غارقة في بحار دهشتها وغيبوبتها وهي تمسك قلبها الذي اجفل

اثر صرخة في اعماقها .. وسط تصفيق الحضور وهتافهم لها ودهشتهم بهذا

الاثر الفيزيائي الذي اعترى جسدها .

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home