القلم الفكري

 

أدونيس.. واصطناع الحداثة!

أحمد دعدوش



 

 إن تعريف الحداثة ببضع كلمات ليس بالأمر السهل، فحتى رواد هذا التيار يعترفون بهلامية هذا المصطلح، بل يصرون على أنها ليست مصطلحا أصلا، وأن تعدد تياراتها وتنوع مشاربها يجعل من تحديدها بتعريف واحد ضربا من المستحيل. إلا أنهم يجمعون مع ذلك على سمت واحد يعد القاسم المشترك لمختلف طرقهم، وهو الانقطاع عن الماضي، بأي شكل كان هذا الانقطاع.

يمكن القول بأن الحداثة قد بدأت كتيار فكري منذ بدء المنهج العقلاني عند ديكارت، ولكن دخوله عالم الأدب كان متأخرا. أما ما يهمنا في هذا المقام فهو التيار الحداثي عند الأدباء العرب، وتسليط الضوء على رائدهم أدونيس الذي بذل كل جهده للتربع على هذا العرش.

ولد أدونيس عام 1930 في قرية نصابين في سورية باسم علي أحمد سعيد إسبر، ولكنه اتخذ لنفسه اسم أدونيس (أحد أبطال الأساطير الفينيقية) خروجا على التقاليد العربية. تلقى دراسته الجامعية في قسم الفلسفة في جامعة دمشق ، وتوجه إلى بيروت عام 1956، وأسس مجلة مواقف عام 1968 التي أصبحت منبرا للكثير من المثقفين والأدباء من كافة أنحاء الوطن العربي، وفي عام 1985 غادر إلى باريس هروبا من الحرب. وفي رصيده عدد من الجوائز الأدبية الرفيعة، وأهمها: جائزة الشعر السوري اللبناني في منتدى الشعر الدولي في بيتسبرغ بالولايات المتحدة عام 1971، الجائزة الكبرى في بروكسل عام 1986، جائزة جان مارليو للآداب الأجنبية في فرنسا عام 1993، جائزة التاج الذهبي للشعر في مقدونيا عام 1997، جائزة ليريس بيا في إيطاليا عام 2000،  وآخرها جائزة سلطان العويس في دولة الإمارات عام 2004، هذا بالإضافة إلى كونه أحد المرشحين البارزين لجائزة نوبل للآداب منذ سنوات، وما زال احتمال الفوز بها قائما حتى الآن.

تعد مجلة مواقف المنبر المهم الذي عبر من خلاله أدونيس عن منهجه الحداثي، ويمكن لكل من يريد فهم الحداثة العودة إلى أعداد هذه المجلة للوقوف على أفكارها، يقول أدونيس في افتتاحية العدد الأول: (هكذا تطمح مواقف إلى أن تكون استباقا. كل استباق إبداع. الإبداع هجوم : تدمير ما نرفضه وإقامة ما نريده) وكأن الحداثة في نظر الرجل تبدأ من الهدم قبل كل شيء.

أما موقف الحداثة من المقدسات، والمقصود بها رموز الإسلام بالطبع فيتضح من قوله: (إنها مناخ للمجابهة، إنها فعل المجابهة، تزول في هذا الفعل هالة القداسة. لن تكون هناك موضوعات مقدسة لا يجوز بحثها..) ففي منبر الحداثة كل شيء مباح، ليس من أجل الحقيقة، فقد تم الاتفاق منذ البداية على أن كل ما هو قديم مرفوض، من أجل الهدم.. الهدم فقط وليس البناء!

وقد تبلور هذا الاتجاه فيما بعد بشكل صارخ على صفحات هذه المجلة، وانبرى الكتاب الحداثيون لإعمال معاولهم في صرح الإسلام الذي تحول لديهم إلى تراث يجب نفض أيدينا منه، يقول في العدد السادس: (( ما نطمح إليه ونعمل له كثوريين عرب هو تأسيس عصر عربي جديد . نعرف أن تأسيس عصر جديد يفترض بادئ ذي بدء الانفصال كليا عن الماضي، نعرف كذلك أن نقطة البداية في هذا الانفصال- التأسيس هي النقد: نقد الموروث ونقد ما هو سائد شائع (...) إن ماضينا عالم من الضياع في مختلف الأشكال الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية، إنه مملكة من الوهم والغيب تتطاول وتستمر، وهي مملكة لا تمنع الإنسان العربي من أن يجد نفسه وحسب، وإنما تمنعه كذلك من أن يصنعها)).

هكذا تكون الحداثة إذن: هدم للدين ثم إزالة له.. لماذا ؟ لأنه ضياع ووهم وغيب مستمر!!

لقد كشف الرجل عن موقفه من الدين بكل صراحة، ولم يكن ذلك إلا للإسلام، فقد حظي الدين المسيحي باحترامه، بينما لم يتعرض لليهودية بأي نقد! فلماذا الإسلام فقط يا ترى؟!

في مقارنة بسيطة مع مقولة لماركس: (نقد الدين شرط لكل نقد) ، نجد أدونيس يقول في العدد السادس: (النقد الثوري للموروثات العربية شرط لكل عمل ثوري عربي)، علما بأن الموروثات العربية هي كناية للدين الإسلامي ولكن بطريقة التورية.

بقي أن نقول أن هذه المجلة قد تم افتتاحها بعد عام واحد فقط من نكسة 1967، وهي التي أراد من خلالها هذا الشاعر ضعضعة بناء الإسلام وتحميله مسئولية تخلف العرب، ليس لشيء أكثر من كونه ماضيا يجب التخلص منه. غير أن الرجل لم يتعرض آنذاك بكلمة واحدة للأساس الذي قامت عليه دولة الصهاينة قبل عام واحد، وهو الدعوى الملفقة للإرث الديني اليهودي في أرض المسلمين والمستند إلى ماض أكثر عمقا في التاريخ، فضلا عن اعتماده على تاريخ مكذوب، ولغة منقرضة، وتراث مندرس، وآثار مزعومة ما زال البحث عنها قائما تحت المسجد الأقصى دون جدوى؟ الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن جدوى حداثة رجل استعار اسمه من أساطير ما قبل الميلاد، ثم نادى جهارا بالتطبيع مع المثقفين الصهاينة مع تطبيق ذلك عمليا باجتماعه مع أحد مثقفيهم، مما تسبب في فصله من اتحاد الكتاب العرب في دمشق الذي لم يسلم أعضاؤه من تلقي شتائمه الجارحة.

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home