القلم السياسي

 

عرفات.. الفردوس المفقود

شجاع الصفدي



11-11-2004 , تاريخ يذكره العالم , يذكره الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات , إنه تاريخ استشهاد الرئيس ياسر عرفات الذي يلفه الغموض , والذي تشير كل الدلائل لاغتياله العمد كما تبين مع مرور الوقت بعد رحيله .
ياسر عرفات , الرمز , الثورة , الزعيم الذي واكب عهود المقاومة الفلسطينية وشق طريق النضال الفلسطيني وصنع معادلة السلم كما خاض معادلة الحرب .
تمتع الراحل عرفات بكاريزما القيادة ورباطة الجأش في أحلك المواقف التي تعرض لها شخصيا والتي تعرضت لها الثورة الفلسطينية , واستغل الكثيرون مواقفه السياسية للتهجم عليه وكيل الاتهامات له , لكنه رغم كل الاختلافات كان الرجل الأقدر دوما على إدارة دفة الأمور حيث يجب , والزعيم الذي يفاوض ولا يساوم , يرفع غصن الزيتون ولا يتنازل عن الثوابت , حكمته وخبرته في إدارة الصراع مع الاحتلال والتعاطي الإيجابي مع وجهات نظر الحركات الإسلامية وفصائل منظمة التحرير أكسبته مكانة خاصة وأضفت عليه هالة من الرمزية الراسخة التي لا شبيه لها , وأكسبت آراءه وتوجهاته توافقا كبيرا لدى الكثيرين واحتراما رغم الخلاف لدى الأطراف الأخرى مما كان سببا في جسر هوة الخلاف الداخلي الفلسطيني .
وربما كان الراحل عرفات كان الرجل الوحيد القادر على القيام بهذا الدور لأنه كان يجيد مسك الخيوط بالتوازي
مما جعل التخلص من عرفات بالنسبة للصهاينة أمرا ضروريا بعد فشل محاولات تهميشه من خلال الحصار والمقاطعة السياسية وما إلى ذلك من وسائل حاولت الدولة العبرية من خلالها طمس عرفات كزعيم ورمز للفلسطينيين ومحاولة إبراز البدائل عنه .
وحين فشلت في ذلك كان لا بد من إنهاء عرفات جسديا طالما لم يفلح أحد في إقصائه سياسيا أو وطنيا
وهكذا كان اغتياله بطريقة غامضة لخلق انتكاسة فلسطينية داخلية والتسبب بأزمة سياسية وأمنية تدمر وجود سبل للتفاوض , وذلك للزعم أمام المحافل الدولية كعادتها , بأنه لا يوجد في الطرف الفلسطيني من يمكنه التفاوض أو الالتزام بأي معاهدات تحقق السلام المزعوم وهذا يجعل " إسرائيل " في حِل من أي مسؤولية بل ويعطيها الحق في الدفاع عن نفسها عسكريا بالمفهوم الأمريكي .
ورحل عرفات , وانتظر الجميع تدهورا في العلاقات الداخلية الفلسطينية وتوقعوا ألا يتمكن الفلسطينيون من إدارة شؤونهم دونه , ولكن كانت المفاجأة أن الأمور سارت على طبيعتها وانتقلت السلطة للرئيس عباس بشكل هادئ ومضت الأمور نحو وضع جيد تفاءل به الفلسطينيون
وصولا إلى مرحلة الانتخابات والتي فازت بها حماس والتي لن نخوض في أسباب فوزها بهذه النسبة الكبيرة , حيث أن التداعيات المسبقة التي أوصلتها لهذا الفوز مقابل فتح كبيرة جدا .
وبكل الأحوال تم تسليم الحكومة التي شكلتها حماس مقاليد الحكم ولكن سارت الأمور إلى حيث لا يتمنى أو يرغب أي فلسطيني شريف ,حيث طفت الخلافات العميقة إلى السطح , وظهر الفرق جليّا ما بين برنامجين سياسيين مختلفين تماما .
وتدريجيا وقع المحظور وبدأت الخلافات الكلامية والمنهجية تتطور لاشتباكات مسلحة وقتل وسفك دماء , وما كان محرما ومقدسا في عهد عرفات أصبح مباحا بعد استشهاده , وما كان المواطن الفلسطيني مطمئنا لعدم وقوعه حدث وأكبر من التوقع أو التصور .
جرائم كثيرة ارتكبت , حالة من الفلتان الأمني المرعب استشرت في قطاع غزة ومناطق من الضفة الغربية .
أرقام لم تكن أبدا لتخطر ببال أيٍ من مراكز حقوق الإنسان أو المنظمات الدولية العاملة في فلسطين .
فبعد عام واحد فقط من رحيل ياسر عرفات رصدت مراكز حقوق الإنسان في العام 2005 , 237 ضحية للفلتان الأمني من بينهم 27 قتيلا .
وكان هذا مؤشرا خطيرا يوجِب توحيد الصفوف ولم الشمل ولكن المؤسف أنه رغم كل الحوارات التي سعت لخلق حل يلائم فلسطين أولا وكل الأطراف ثانيا إلا أن الحالة تدهورت أكثر في العام 2006 , حيث حدثت اشتباكات دامية وأحداث بالغة الخطورة حيث بلغ عدد ضحايا الفلتان الأمني والسلاح الغير قانوني 260 قتيلا بينهم 27 طفلا و 1239 جريحا من بينهم 170 طفلا .
كان هذا تطورا مرعبا في مرحلة ما بعد عرفات ونتيجة طبيعية لظهور الجماعات المسلحة المختلفة وتدهور مسار الأجهزة الأمنية وتفككها لأسباب مختلفة , وأيضا نتيجة للتغيرات الجذرية التي حدثت في قيادات الأجهزة الأمنية بعد إحالة بعضهم للتقاعد واغتيال آخرين ومغادرة البعض منهم لدول عربية خشية من تعرضهم للتحقيق على قضايا فساد مالي وإداري .
ومع تفاقم الحالة الأمنية والسياسية المعقدة في قطاع غزة خاصة سعت بعض الدول العربية لخلق أجواء للحوار ما بين قطبي فتح وحماس وذلك في محاولة منها لتذليل العقبات وتقريب الرؤى ووجهات النظر على الأقل في القضايا الجوهرية , وتوجه وفدان من الحركتين إلى المملكة العربية السعودية وبعد مباحثات وتفاهمات كانت النتيجة منها الخروج بما سمي باتفاق مكة الذي أسفر عن تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة معظم الفصائل الفلسطينية , واستبشر الفلسطينيون خيرا في هذه الحكومة , إلا أن استمرار الحصار الدولي بل وتشديده , والضغط الصهيوني وعوامل أخرى منها عمل بعض الأيدي الخفية على إفشال نجاح الفلسطينيين في توحيد رايتهم وتحكم أجندات لجهات خارجية يهمها عدم استقرار الوضع الداخلي الفلسطيني كون ذلك لا يصب في مصالح هذه الجهات , أدى كل هذا إلى توتر حاد في قطاع غزة بالذات وعملت الأيدي الخفية على إشعال الفتنة مجددا وهكذا بدأت بوادر الفشل تطل على أعمال وأداء هذه الحكومة .
حصار, إغلاق معابر , منع مقومات الحياة من الدخول لقطاع غزة , قطع المساعدات الدولية .
وعادت الاشتباكات تشتد بشكل أوسع من أي توقعات وفي فترة قياسية , يفاجأ الجميع بأن النتيجة هي انهيار المؤسسة الأمنية في قطاع غزة وسقوط المقرات الأمنية بيد مسلحي حماس واحدا تلو الآخر وفرار الكثيرين من قيادات الأجهزة إلى مصر والضفة الغربية مما خلق انكسارا غير مسبوقا في معنويات الشعب الفلسطيني خاصة وفي ذهن المواطن العربي الذي كان يؤمن بالثورة الفلسطينية ومقاوميها ورموزها النضالية , وكان يرى في كوفية ياسر عرفات كل ألوان الفصائل المقاومة , وانصدم بأن الكوفية لم تعد رمزا لدى البعض وقد داسها المسلحون أمام شاشات التلفزة نتيجةً للتعبئة الشرسة والتوجيه الخاطئ للأفراد .
ومما لا شك فيه أن العام 2007 في نظر الفلسطينيين لا يختلف شيئا عن العام1967, كلاهما حمل انتكاسة و دماً , إلا أن الفارق هو أن الدم هذه المرة فلسطيني الهوية ولا يوجد له سببا منطقيا يمكن أن يكون ذريعة لسفك دماء الأخ لأخيه أو يقنع الثكالي والأرامل واليتامى بأن هنالك ما يبيح للفلسطيني قتل الفلسطيني مهما كان الدافع .
وقد كانت حصيلة ضحايا الأحداث المؤسفة في العام 2007 , 427 ضحية من بينهم 27 امرأة و28 طفلا , وعدد الجرحى 1947 , من بينهم 81 امرأة و217 طفلا .
وهذه النتائج التي سجلها مركز الميزان خلال العام 2007 , شكلت كارثة على كل الأصعدة , على الصعيد النضالي والثوري والسياسي , شكلت طعنة لمسيرة رجل قاد ثورة الشعب الفلسطيني عقودا محافظا على وحدة الدم مهما بلغ حجم الخلافات مع الآخرين .
وجميع هذه الأحداث والتطورات خلال أعوام ما بعد ياسر عرفات وضحت مدى الأثر الذي تركه استشهاد عرفات والفراغ الذي خلفه غيابه وهذا إن دلّ على شئ فإنما يدل على إن إقصاء عرفات عن الساحة كان ضرورة ملحة للصهاينة في المقام الأول , لأن غياب عرفات خلق هذه الحالة الفلسطينية المشتتة والمفككة , وهذا ما كان يسعى إليه الاحتلال عبر رحلة طويلة من الصراع , حيث حاولت "إسرائيل" بكل السبل إسقاط الهالة الثورية والدعم الشعبي العارم الذي اكتسبه ياسر عرفات بوفائه ونضالاته ومسيرته الكفاحية الطويلة.
وقد استخدمت المخابرات الصهيونية وسائلا كثيرة لتشويه صورة عرفات وتخوينه وبث السموم الإعلامية المشككة عن جذور ياسر عرفات وترويجها , وكان رحمه الله عصيا كالحصن المنيع دوما , يخرج مبتسما ويصر على ثوابت لا مناص عنها .
القدس , حق العودة , اللاجئين , تحرير الأسرى .
كان إصرار عرفات على هذه الثوابت وعدم زعزعته عنها سببا لمحاولة أمريكا وإسرائيل استرضائه وتقديم عروض كبيرة لم تعرض من قبل مقابل بعض التنازلات التي اعتبروها صغيرة مقابل عروضهم كما حدث في كامب ديفيد إبان حكم كلينتون حيث كان باراك هو رئيس وزراء دولة الاحتلال آنذاك .
ولكن عرفات أبى التفريط , وأبى أن يساوم أو يتنازل مهما كان الثمن ومهما كانت الضغوط وعاد للوطن مخلصا , وصولا إلى حصاره في رام الله ومحاولة تهميش دوره السياسي وتعطيل إدارته لمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير , لكنه رغم الحصار ورغم كل الظروف وحتى أثناء الهجمات الشرسة على مبنى المقاطعة من الآلة الحربية الصهيونية بقي عرفات على عهده ولم يتراجع قيد أنملة عن الثوابت الفلسطينية .
رحل عرفات , ولكن لم ترحل فلسطين , وهذا ما نسيه البعض فكان الصراع على الحكم سببا في تشويه صورة القضية الفلسطينية التي أفنى عرفات عمره من أجلها , عرفات الذي حمل ملف القضية إلى كل المحافل الدولية , من مجلس الأمن وحتى أصغر المنظمات الدولية , حمل صورة شعب يقاوم من أجل تحرير أرضه وغاصب محتل يقتل ويفتك بالأطفال والشيوخ والنساء .
والآن ماذا بعد رحيل عرفات ؟
تغيرت صورة الغاصب الذي يقتل أطفالا يقاتلون بالحجر وأصبحت بدلا منها صورة الملثم الذي يطلق النار ليفتك بابن جلدته الفلسطيني , وتبدلت صورة الدبابة التي يقف المقاتل بصدره العاري ليوجه لها مضادا للدروع وأصبحت بدلا منها صورة ملثم يضرب مضادا للدروع على بيت جاره أو مركزا للشرطة أو سيارة مارة !!
فأين نحن الفلسطينيون الآن من كل هذا ؟
أحداث دامية ومذابح كانت نتيجتها ترسيخ الانقسام ما بين شقين من الوطن هما الضفة الغربية وقطاع غزة , وتعميق الجرح الفلسطيني بشكل يخدم الاحتلال وحده , حيث أن "إسرائيل " ومنذ احتلالها لبقية الأراضي الفلسطينية عام 1967 وهي تسعى لخلق انقسام عنصري وجغرافي ما بين الضفة وغزة , ومضت في مخططاتها وكانت دوما تصطدم بصخرة التوحد الفلسطيني , إلا إن ما حدث من تطورات بعد رحيل ياسر عرفات جعل النجاح يكلل مساعي الصهاينة لترسيخ الانقسام .
وأيضا بات الفلسطينيون في حالة من التشرذم السياسي والتشتت الجغرافي أيضا , كما يواجه الشعب الفلسطيني حصارا رهيبا , يواجه إغلاقا خانقا للمعابر والحدود , تقلصت كل سبل الحياة الإنسانية المعقولة والمطلوبة حتى الأدوية والوقود وغيرها , مما جعل الحياة في قطاع غزة أشبه بالحياة في سجن مرعب يتمنى سكانه الفرار أينما أوتي لهم .
إذن فالمعطيات السلبية التي خلقها غياب الرمز عرفات كانت كارثة بكل المقاييس وأثرت على الكيان الفلسطيني لدرجة بات المواطن يحلم بعودة عرفات أو ظهور من يمثله برمزيته ووطنيته وحرصه على وحدة الدم الفلسطيني طوال رحلة كفاحه , ومن يقوم بدور عرفات الداخلي والخارجي ويضمد جراح هذا الشعب الذي أجبر قسرا على الانقسام والحصار والموت .
ويبقى السؤال قائما , هل يأتي رمز جديد بعد عرفات أم أن هذا أشبه بانتظار المعجزات ؟




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home