تحقيقات صحفية

 

حوار أقلام مع الشاعر والناقد التشكيلي العربي السوري يوسف شغر

إباء اسماعيل




حوار أقلام مع الشاعر والناقد التشكيلي العربي السوري يوسف شغري

أعدّت الحوار: إباء اسماعيل

*    ان القيم الجمالية التي تعطينا الألوان لحياتنا لا حدود لها فهناك درجات لا متناهية من الألوان و مزجها مع بعضها .. انها منحة الهية خارقة تدل على جمال الخالق الذي أبدع الطبيعة و الوجود .

**  بالنسبة لي كنت كلما ارسم عملا فنيا و انتهي منه لايعجبني لكثرة ما احلله و ابحث لماذا فعلت كذا و لم افعل كذا و في النهاية لا يعجبني عملي. وهكذا اكتشفت باكر ان في داخلي ناقدا تشكيليا و ليس فنانا.

*** لا شك ان اتجاهاتي تتسم بملامح عالمية..  و لكن اتسامها بالعالمية أتى بعد فهم ذاتي كمثقف عربي و سوري..أدرك العمق الحضاري الذي استند اليه .. و أعي نفسي جيدا بأن لدي ما ابثه للبشرية.

 **** في نصوصى الشعرية كما في حياتي العملية الواقعية : المرأة هي الأمكنة التي عشت فيها ..هي رائحة الياسمين،البحر،المطرو الصفصاف .... انها بكلمة واحدة :الوطن بمعناه الضيقو الواسع الى أبعد مدى!!انها ذاكرتي واحلامي هي خيالي وواقعي ويمكن ان تستمر كلماتي عن المرأة الى ما لا نهاية!!

***** يحدث انني حين أقرأ بعض الشعر باللغة الانجليزية ، تشدني القصيدة بطاقتها الروحية الهائلة فيلح علي هاجس ان انقلها الى القراء العرب ليتمتعوا معي و يشاركوني تلك المتعة.
( يوسف شغري)
--------------------------------------

نطل عليكم اليوم بصحبة وجه مألوف لنا جميعا معشر الأقلاميين، والذي عرفناه بجديته ومنطقيته واعتدال أفكاره..
حل بيننا شاعراً وفناناً.. مفكراً في أحيان كثيرة، ومترجماً في أحايين أخرى، وعلى أي وجه كان يختال في صرح أقلام، كان يبدع إما بريشته المحترفة أو حرفه المتفنن.
نرحب بضيفنا ومضيفنا الشاعر يوسف شغري..
وللتعريف بالضيف ندرج هنا سيرته الذاتية كما وصلتنا:

يوسف إسماعيل شغري
شاعر و ناقد تشكيلي و كاتب صحفي و مترجم
مكان و تاريخ الولادة: اللاذقية 6/1/1955
الجنسية: سوري
الدرجة العلمية: إجازة (ليسانس) في اللغة الإنجليزية وآدابها
سنة التخرج: 1983
الجامعة : جامعة دمشق- كلية الآداب – قسم اللغة الإنجليزية

الخبرات:
1979 – 1983: حضور محاضرات في الفن التشكيلي في كلية الفنون الجميلة –جامعة دمشق.
منذ عام 1985
و حتى الآن : الكتابة في الصحافة السورية في مختلف الحقول الثقافية وخاصة الفن و الشعر و الفن التشكيلي باللغتين العربية و الانجليزية
منذ عام 1990 : عضو اتحاد الصحفيين في الجمهورية العربية السورية.
منذ عام 1990 : محرر الفن التشكيلي في صحيفة (سيريا تايمز Syria Times )
وحتى 1996
قصائده الشعرية منشورة في الصحف و الدوريات السورية.
كتب وأجرى مقابلات مع معظم الفنانين التشكيليين في سوريا في
الصحف السورية و العربية منها ( صحف تشرين و الثورة و الأسبوع
الأدبي واليوم السعودية وملحق الثورة الثقافي و مجلات تشرين الأسبوعي
والفنون الجميلة و الحياة التشكيلية و النافذة و غيرها)
1418 : إلقاء محاضرة بعنوان ( اللوحة التشكيلية بين القيمة المالية و القيمة الفنية) في الدمام.
1419 : إلقاء محاضرة مع عرض شرائح ضوئية بعنوان (قراءة في الفن التشكيلي السعودي المعاصر) شملت تحليل لأعمال ثلاث فنانين سعوديين هم: عبد الله الشيخ و عبد الرحمن السليمان و تركي الدوسري ألقيت في الدمام و دمشق.
1419 : المشاركة في تحليل أعمال معرض فنانات المنتدى النسائي في القطيف
1419 : إقامة ندوة مرافقة لمعرض ( 19 فنانا من منطقة القطيف) في دمشق.
2007 : إقامة دورة ( التذوق الجمالي وتقييم العمل الفني التشكيلي ) لفنانات
المنتدى النسائي في القطيف لمدة شهر كامل ( أكثر من 25 ساعة)
شهادات التقدير: حصل على شهادات شكر و تقدير لجهوده في تقييم الأعمال الفنية من:
- نقابة الفنون الجميلة في سوريا
- كلية المعلمين (قسم التربية الفنية) بالدمام
- الجمعية العربية السعودية للثقافة و الفنون
- مركز الخدمة الاجتماعية في القطيف
- المنتدى النسائي في مركز الخدمة الاجتماعية في القطيف
الأعمال الإبداعية: - مجموعتان شعريتان( قيد الإعداد للنشر)
- ترجمة وإعداد مرجع ( قاموس الفن التشكيلي الغربي) حوالي(500 صفحة )
- ترجمة مختارات من الشعر العالمي ( ستصدر في مجموعة شعرية )
- كتاب الفن التشكيلي السوري في التسعينات بالإنجليزية
- ترجمة مجموعة مختارة من قصائد الشاعر العراقي(حسن رحيم الخرساني ) إلى الانجليزية ستصدر في السويد.
- مشرف منتدى الشعر المنثور في منتديات مجلة أقلام
- مشرف منتدى الفنون والتصميم في منديات مجلة أقلام
- عضو هيئة التحرير في مجلة أقلام( مسؤول الصفحة التشكيلية)

 
يوسف:  أشكر لكم اتاحة الفرصة لي للحوار مع شريحة هامة في المجتمع العربي  وهي فئة المثقفين و الأدباء و الكتاب العرب.
أذكر اليوم أول مقابلة صحفية اجريت معي بصفتي ناقد تشكيلي في صحيفة
 ( الوحدة ) السورية في مطلع عام 1990 و لم يكن هناك الكثير من الكتاب في هذا المجال.. حيث تركت المقابلة أثرا جيدا في تعريف الوسط الثقافي السوري حينها بناقد شاب يقتحم الساحة في ذلك الحين.
و هانذا بعد مرور كل تلك السنوات أرى نفسي هنا في صرحنا الثقافي الجاد
 ( أقلام ) أمامكم لأجيب عن أسئلتكم بعد أن غربتنا المنافي بعيداً عن الوطن و اغتنت تجربتي الأدبية و الحياتية.
بانتظار أسئلتكم تقبلوا فائق المودة القلبية الخالصة

1- أين تجد نفسك حقا بين كل هذه المجالات المختلفة من فن وشعر وصحافة وترجمة؟

بصراحة أقول ان الصحافة هي عشقي الأثير . انه العمل الوحيد الذي أشعر بالمتعة و أنا أمارسه و هو الفن الوحيد الذي أمارسه بشغف. و لذلك قصة قديمة بدأت عندما كنت طالبا في قسم اللغة الانجليزية و آدابها. عندما تأسست أول جريدة سورية ناطقة بالانجليزية و هي ( سيريا تايمز ) و عين استاذنا عاطف معتوق رئيس لتحريرها فدعاني للكتابة و كان اول ماكتبت باللغة الانجليزية و في حقل الفن التشكيلي على الخصوص و في ميادين الثقافة الأخرى . في سيريا تايمز وجدت زملائي يترجمون المقالات من مختلف الصحف الى الانجليزية و ينشرونها بأسمائهم. فلم أفعل مثلهم بل كنت اجري المقابلات و ازور المعارض و احاور الفنانين ثم اترجم ذلك الى الانجليزية و انشره في سيريا تايمز و انشره بالعربية في الصحف السورية المختلفة.
بالطبع الميدان الأثير الثاني بعد الصحافة هو النقد التشكيلي. فقد بدأت الكتابة في الفن التشكيلي حيث كان اكثر ما افهمه جيدا في ذلك الحين . و لذلك قصة أخرى. منذ دخلت المدرسة الابتدائية ظهرت موهبتي في الرسم بحيث صرت معروفا بانني الرسام الأول في المدرسة و كنت ارأس جماعة الفنية بالمدرسة. و في الصف الثالث الاعدادي قام فنان سوري لا أذكر الآن سوى كنيته
 ( عباس ) بتعليمنا مادة الرسم . و كان مختلفا عن المدرسين الآخرين . ففي الدرس الأول قال" يجب ان نتعلم اولا كيف نرى الجمال و نفهم ما هو الجميل و خاصة في اللوحة قبل ان ننسخ المواضيع المدرسية" . و صار يجلب الى الصف لوحات لكبار الفنانين الذين لم نسمع عنهم من قبل و يشرح لنا كيف نتذوق العمل الفني . وهكذا في مرحلة باكرة من حياتي تعرفت على كبار الفنانين العالميين و على أعمالهم الرئيسية. و في يوم كنا و الاستاذ عباس نرسم في الطبيعة، فسألته : " استاذ هل من الممكن ان اصير مثل هؤلاء الفنانين الكبار المشهورين؟ " فأجابني" الفن في بلدنا لا يطعم خبزا .. قد تمضي عمرك و لاتضيف شيئا الى ما قدمه من تحف هؤلاء الفنانين ، وقد تحقق ما هو افضل . لكن ليس هناك من يقدر ذلك . الفن لايطعم خبزا في بلدنا" . لم يمضِ وقت طويل حتى نقل الأستاذ عباس من المدرسة . و لكن كلماته تلك جعلتني أعدل عن الرسم الى الاهتمام باللغة الانجليزية و التفوق فيها. و عندما دخلت الجامعة فضلت كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية وآدابها. و هكذا عندما دخلت جامعة دمشق كان بعض اصدقائي في كلية الفنون الجميلة و هكذا عاد الشوق القديم الى الفن التشكيلي و مع عملي في الصحافة صرت أكتب في الفن التشكيلي الذي أفهمه جيدا.

أما عن الشعر فقد بدأت بكتابة قصيدة النثر منذ الثمانينات و لم انشر أي من قصائدي لأ نني كنت متطلبا جدا و قاس تجاه عملي الشعري أي ان القلق ينتابني حين اكتب القصيدة. و يؤرقني سؤال دائم : هل يرقى ما كتبت الى مصاف الشعر تلك المنطقة التي تقترب من الوحي . وكان دائما جوابي ان ما اكتبه لم يرقَ بعد الى مصاف الشعر!! كنت أكتفي بقراءة  قصائدي للمرأة التي أحبها و استمتع بتاثير قصيدتي عليها . كنت أهديها ما اكتب لها وحدها قبل ان تشتتني المنافي بعيدا عن وطني ..عن دمشق و وجع دمشق اللذيد!! حتى تكوَّنَ لدي ما يزيد على مجموعتين كاملتين . وما بدأت الا مؤخرا بنشر اشعاري التي هي تأريخ لروحي و حالاتها.. ثم أعدت نشر بعضها هنا في اقلام حيث رايت نفسي بأعينكم..

فيما يخص الشعر, أقول انني لا يمكنني أن أكون شاعرا محترفا يقول الشعر وقتما يشاء و كلما اراد ذلك.. ان القصيدة لدي تتخلق و تولد و تلح علي أن اكتبها . و ان أردت أن أقسر الكلمات ماخرجت شعرا و لا أي شئ له قيمة !!

أما الترجمة فهي ميدان احترفته لاني كنت من اوائل الطلبة في الترجمة لمعرفتي الواسعة باللغتين العربية و الانجليزية. أذكر في السنة الثالثة في جامعة دمشق .. و كنت تركت الدوام و متابعة المحاضرات لأشتغل بالتدريس حتى أوفر المال الذي كان يرسله لي والدي الى دمشق. و عند الاختبار النهائي حصلت على أعلى درجة في مادة الترجمة. و قد ارسل لي صديق النتيجة و هي 83 و قد كانت درجة الذي يليني 63 بين حوالي خمسين طالبا . و بعد أيام اتصل بي زميلي و طلب مني ان آتي الى الكلية لان هناك اعلان من الدكتور هاني الراهب يطلب مني مراجعته في مكتبه. و كان الدكتور الراهب يعلِّم الترجمة من الانجليزية الى العربية بينما يعلم من العربية للانجليزية استاذنا الجليل محمد توفيق البجيرمي. ذهبت الى الكلية ولم أجد الدكتور الراهب في مكتبه. سألت قالوا لي تجده في مقصف الكلية مع الطلبة . و بالفعل عندما ذهبت الى مقصف الآداب وجدت الدكتور الراهب هناك . لم يكن قد رأى شكلي من قبل. تقدمت من الطاولة التي كان يجلس اليها مع بعض الطلبة و الطالبات. سلمت وقلت " دكتور هاني أنا يوسف شغري!!" هناك اعلان بانك تود مقابلتي. " قال انت يوسف شغري !! لقد تساءلت انا و الدكتور البجيرمي من هذا الطالب الذي حصل على هذه الدرجة وسألت البجيرمي ان كنت تحضر عنده لكنه أجاب بالنفي!! أريد ان اتعرف عليك" و قدم لي كرسيا وقال ماذا تأخذ قلت قهوة سادة بدون سكر و هكذا صرنا و الدكتور الراهب و فيما بعد البجيرمي من الاصدقاء. رحم الله استاذنا الراهب فقد كان مترجما و أديبا روائيا عظيما و قد دعاني عدة مرات الى منزله مع رفيف من المثقفين السوريين لمناقشة أعماله الروائية.

* كيف تقيِّم تجربتك الرقمية من خلال عملك مع عدد من المواقع المختلفة ومنها أقلام؟
ليست تجربتي الرقمية واسعة و لم أدخل هذا العالم المدهش الا مؤخرا عندما زارني صديقي اللدود الفنان التشكيلي عبود السلمان في منزلي بالمنطقة الشرقية في السعودية و عرض علي ان أنضم الى أقلام ففعلت،  محاولاً اكتشاف عالم لم أدخله من قبل. و الآن أجد ان تجربتي في هذا المجال محدودة و لكني اقيم تجربتي ايجابيا حتى الآن.
 
* كيف ترى واقع الفن التشكيلي في مجتمعاتنا العربية، وما ردك على من يتهمه بأنه ترف فكري خالص؟
الفن  بالعموم ليس ترفا فكريا خالصا كما يزعم البعض بل هو ضرورة لأي مجتمع. و هو من النتاج الروحي لأبناء امة من الأمم. انه جزء لا يتجزأ من ثقافة الأمة و تراثها و هو موضع فخرها و اعتزازها. ان فان كوخ و رامبرانت مثلا هما فخر الأمة الهولندية الصغيرة.. واعمالهما تعتبر كنزا من كنوز تلك الأمة.انها ثروة قومية لا تقدر بثمن . ان النحت الفرعوني العظيم هو فخر المصريين و العرب على مر العصور.. ان أبا الهول آبدة لا تقدربثمن تدل على عراقة الشعب العربي في مصر وعن أصالته. فكيف يكون الفن ترفا فكرياً انه جزء هام من عقل الأمة و تراثها الفكري و شخصيتها التي تميزها عن الأمم الأخرى.
أما عن واقع الفن التشكيلي في مجتمعاتنا العربية فالقصة هنا تطول و يمكن ان نكتب مجلدات . و لكن باختصار نظرا للتشوه الاقتصادي والثقافي الناتج عن الاستعمار بمختلف اشكاله و مسمياته الذي أدى ان تكون بلد مثل سوريا على سبيل المثال تبلغ نسبة الامية فيه التسعين بالمئة و أكثر مع نهاية السيطرة العثمانية في مطلع القرن العشرين، فلا بد ان ينعكس ذلك في جميع المجالات الثقافية و الفكرية و الفنية. و من هنا تنتشر الأمية التشكيلية على نطاق و اسع حتى بين المثقففين و الفنانين !! و هكذا انتقل الفن التشكيلي ليكون فن النخبة المثقفة و المتخصصة في حين أرى أنه ينبغي ان يكون الفن التشكيلي سائدا في جميع مجالات حياتنا .

*  كيف ترى دور الفن التشيكلي في نهضة الأمة؟
 يندرج الفن التشكيلي ضمن ثقافة الأمة . ان نهضة أمة من الأمم تعتمد على عدة عوامل منها التقدم العلمي و التكنلوجي و الصناعي و بناء القاعدة الأساسية للأمة من عوامل مادية كالتعليم و الصحة و الضمان الجتماعي و لكن كل ذلك لايكفي ان لم يكن للأمة تراث ثقافي مميز تفخر به و يميز شخصيتها بين الأمم . و بما ان العصر الذي نعيش فيه هو عصر الصورة و المرئيات أي انه جوهر الفن التشكيلي. فقد غدا للفن التشكيلي ( فن الصورة ) دور مركزي في تطور و نهضة أمة من الأمم و من بينها أمتنا العربية و الاسلامية.

* ابنتي تدرس في كلية الفنون الجميلة, وهي تعاني من مشكلة تلخصها بقولها إنها تفتقد الخيال، لا تستطيع إلا أن تكون في الواقع ، هل الفن لا يكون فناً إلا إذا حلّق في عالم الخيال؟
 لا يوجد انسان فاقد للخيال أبدا . ربما تقصدين الخيال المجنح و البعيد عن الواقع وفق المفهوم السريالي. أود أن أقول ان تكون ابنتك في الواقع ليس عيبا بل ميزة . ان الطبيعة و الواقع هو معلم و ملهم جميع الفنانين حتى التجريديين منهم!! و جملتك الأخيرة ليست صحيحة بالمطلق فالخيال مجرد عامل مساعد في بعض الحالات التي تعتمد على تيار اللاوعي كالسريالية . أعود فأقول ان الواقع و الطبيعة هما أساس الفن التشكيلي و حتى الخيال المجنح  يقوم على اعادة تركيب الواقع . وهذا يمكن ان تتقنه ابنتك  وهي في قلب الواقع . فمن الطبيعة تعلم جميع الفنانين العظام  وخير مثال على ذلك، الفنانون الانطباعيون الذين كانوا يرسمون المنظر الطبيعي عن الواقع مباشرة و عدة مرات في مختلف اوقات النهار ليتعلموا من الطبيعة شكل سقوط الضوء على الماء و الأشجار و البيوت ..ألخ.

* ما رايك في المنتديات العربية؟ وهل تقدم جديداً للمبدع العربي؟ أم أنها مجرد مساحات خضراء للتعارف والتعليق؟
ان وجود المنتديات العربية في رأيي أمر هام للغاية . فقد وسعت حرية التعبير عن الرأي و اعطت مدى و مساحة اوسع للمبدعين العرب لم تتِحها لهم الصحافة المكتوبة او المقروءة التي تخضع عادة للسلطات و الكتابة فيها لا يعود في كثير من الأحيان الى مقدرة الكاتب او الاديب بقدر ما تخضع للعلاقات الشخصية فتلمع فلانا من الشعراء او الكتاب و تتجاهل فلانا رغم موهبته الظاهرة.
أما فيما يتعلق بتقديم الجديد للمبدع العربي ، فلا شك ان هذه المنتديات تتيح مدى واسعا للالتقاء على مدى الأرض بكاملها مما يؤدي الى تنامي الحوار و النقد للأعمال الفنية و غير ذلك .. مما يؤدي الى تطور الفنون المختلفة و وجهات النظر المختلفة مما يغني المبدع العربي وحتى المتلقي العادي.
بالطبع هناك أيضا العديد من المنتديات العربية السخيفة و الضحلة التي تهتم بالقشور و الصرعات لكن هذا موجود في الحياة ايضا .. و في النهاية لا يصح الا الصحيح .. و لو بعد حين!!

*  وأنت تطل بين لوحات نسائية ..أكيد أنها كانت تتميز بشيء لم نألفه إلا في الكتابات ..هل يمكنك أن تعطي لنا الصورة الأخرى للمرأة من خلال اللون وتعاملها معه ..مواضيعها .. أحلامها .. هل ما زال الحزن والقهر والبحث عن الذات مميزات ألوانها ..الباحثة عن الحب ..عن الرجل ..عن الطفل ..عن الأمومة ..عن السلطة الذكورية ..عن ..وعن ؟..
 
 المشكلة في الفنانات اللائي يعرضن اعمالا فنية أنهن في أغلب الأحيان يحملن مفاهيم خاطئة عن الفن التشكيلي. فنرى عادة حالات بدائية من اللوحات في احيان كثيرة لا تستحق التعليق على الجدار!!
و لكن دعيني أتحدث عن الفنانات الجادات، فاقول ان المرأة الفنانة تعبر عن انوثتها بقوة في لوحاتها و اعمالها الفنية .. فكم امراة صورت الرجل أو الحصان كتعبير واقعي أو رمزي عن توقها للرجل الحبيب . و كذلك باختيار الألوان .. اذ تسود معظم لوحات النساء الألوان الفاتحة و الرقيقة . وانتِ نفسك تختارين اللون الأزرق و الأبيض و هما لونان باردان هادئان..لكن المشكلة ان متطلبات اللوحة قد لا تتفق مع الألوان المفضلة لدى الفنانة و هنا يسقط العمل الفني لإخلاله بشرط الانسجام ( الهارموني ). و في العادة ننصح الفنانات ان يراعين اصول و متطلبات العمل الفني لا مزاجهن الخاص.

* مزج الألوان يشعرك بالحنين إلى كتابة قصيدة شعرية أفضل من الرسم أو العكس؟
.. نادرا ما ارسم !! و كتابة القصيدة رهن بالحالة التي أعيشها و الحاحها علي حتى تولد القصيدة تلقائيا دون قسر مني.

* أين تجد نفسك من هذا التعدد الجمالي الرائع ؟
 اضيف هنا انني استمتع بممارسة كل فن من الفنون المذكورة فلكل مقام مقال كما يقولون.. فمثلا لو كنت تحت تاثير روحي و عاطفي لامرأة لا أستطيع منها فكاكاً ، أتت القصيدة تلقائيا دون جهد مني.


* ألا يمكن أن يوترك هذا القلق المتداخل بنفسك لدرجة متى تقرر أن ترسم أو تترجم أو تشعر ..أو أو؟
 ان التوتر و القلق دائم الوجود لدي عند خلق العمل الفني و كل حالة تفرض نفسها وفق مقتضى الحال.
مثلا لو كنت أقرا بالانجليزية نصا شعريا جديدا مؤثرا فان الترجمة الى العربية تلح على لأقدم هذا النص الرائع للقراء العرب فيشاركوني التمتع به .. و كذلك عندما اشاهد لوحة زيتية تثير لدي شهوة النقد فأقوم بتحليلها و تقييمها و ارى تأثير النقد على الفنان و المشاهد للوحة و تلك احدى المتع لدي.. و هكذا.


* الشعر تحليق في سماء الكلمة،لا تحاصر جموحه حدود، والنقد يقظة فكيف تحقق تناغما بينهما في تجربتك الفذة؟
 أيهما يشدك اليه أكثر؟ هل تنتقد القصيدة بعيون التشكيل؟ أم العكس؟
 هل توظف لغة الألوان في تجربتك الشعرية ؟
في محاضراتي الأخيرة لفنانات منتدى القطيف النسائي ذكرت ان المعرفة الانسانية تاتي عن طريقين الجانب المنطقي الصارم من العقل البشري و الجانب الروحي الذي يحلق حرا طليقا من القيود. و من الجانب الأول يحصل الانسان على جميع المعارف العلمية من رياضيات و فيزياء و تكنولوجيا الخ.. و اما الجانب الثاني وهو الجانب الروحي الذي لايخضع للمنطق العلمي و منه تأتي الفنون المختلفة كالشعر و الأدب عموما و الفنون البصرية و منها اللوحة التشكيلية .. ألخ

بالنسبة لي يميل عقلي نحو الجانب المنطقي العلمي و لذلك أجد نفسى اقرب للنقد بشكل عام و النقد التشكيلي بشكل خاص، نتيجة معرفتي الواسعة في هذا المجال. إن النقد يعتمد على التسلسل المنطقي في تحليل العمل الفني و تقييمه بينما الشعر يعتمد الطريقة التركيبة حيث تولد القصيدة بصورة غامضة غموض الروح نفسها . قال تعالى ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم الا قليلا ).. أما هل انتقد القصيدة بعيون التشكيل فأقول : هناك طبعا شروط مشتركة كالقيم الجمالية و غيرها تشترك بها جميع الفنون و لكن هناك أيضا قواعد خاصة لكل فن من الفنون فان كان قصدك عن الجوانب المشتركة فاني اقرأ اللوحة و القصيدة من حيث القيم الجمالية العامة على حد سواء . و لكن لا بد ان اركز أكثر على القيم التي تميز اللوحة عن القصيدة اذا كنت بصدد قراءة لوحة تشكيلية و العكس صحيح. فلو كنت ادرس الايقاع ، وهو من القيم الجمالية العامة , في قصيدة فدراستي تختلف عن دراسة الايقاع البصري الموجود في عمل تشكيلي. هناك خصوصية لا بد من التركيز عليها تخص كل فن من الفنون.

  * ألاترى أن غياب النقد الهادف البنَّاء سبب رئيسي في تأخر كل مناحي الابداع في وطننا الحبيب؟
ان غياب التقد هو سمه من سمات البلدان المتخلفة و هو سبب من اسباب تخلف أي أمة من الأمم. عندما يغيب النقد و تغطية الخطا، يتنامى الخطأ كدملة تزداد التهابا مع مرور الزمن حتى انها قد تقتل الجسم بكامله ان لم تتركه بأوهن وضع و اضعف حالة!!
هذا بشكل عام
أما النقد التشكيلي : فضعف أو تقريبا غياب النقد التشكيلي الحقيقي و حلول نوع من التقريظ و المديح المجاني و التسويق الاعلامي فينتشر الردئ مكان الاعمال الفنية الفذة و ينتشر المتطفلون على النقد و الفن و ينحدر المستوى الفني للاعمال الفنية و تحرم الامة من التحف الفنية و النصب العظيمة التي تعبر عن شخصيتها الثقافية و الحضارية.

ان النهضة الحضارية لامة من الامم يعتمد الى حد كبير على تطور النظم الابداعية لدى الموهوبين من هذه الامة و من اهمها المواهب الفنية في مختلف مجالات الفنون . بالنسبة لي أمارس ما اعتقد انه يصب في النقد التشكيلي البناء و تقديم و تقييم الأعمال الفنية الحقيقية و تشجيع الفنانين الحقيقيين بكل ما اوتيت من علم و كلما اتيحت لي الفرصة لذلك .. و يكفيني أني ارمي حجرا صغيرا في بركة ساكنة فربما يزداد من يشترك معي في هذا الامر النبيل فنرى او يرى احفادنا نهضة الامة في يوم من الايام!!

 * كيف يتمكن اللون من إيقاظ شهوة الحياة فينا؟
    ماذا عن الحياة خارج ألوان قوس قزح؟
سأبدأ ردي بالاجابة على السؤال الثاني ثم اعود للأول:
لاتوجد حياة خارج ألوان قوس قزح و هي الألوان الرئيسية و متمماتها . كيف يكون العالم جميلا بدون الوان؟!! ان القيم الجمالية التي تعطينا الألوان لحياتنا لا حدود لهل فهناك درجات لا متناهية من الألوان و مزجها مع بعضها .. انها منحة الهية خارقة تدل على جمال الخالق الذي أبدع الطبيعة و الوجود .

مرة سألت الفنان السوري الكبير فاتح المدرس ان كان قد لاحظ لون أوراق الدلب و الصفصاف في ضاحية دمشق الربوة بعد ان يغسلها المطر و ان كان يستطيع ان يصور ذلك اللون الأخضر المشع بعد سقوط اشعة الشمس عليه فقال: ان أعظم فنان وجد حتى الآن لا يستطيع ان يصل الى جزء بسيط من تالق و سطوع هذا الأخضر الطبيعي.
و من المعروف جمالياً اننا نطلق صفة الجميل على كل ما يذكرنا بالحياة و من الطبيعي اذن ان الألوان التي تذكرنا بالحياة هي التي توقظ فينا شهوة الجمال و شهوة الحياة.

*  إلى أي مدى تتحول اللوحة إلى قصيدة و تتمثل القصيدة في لوحة ؟
تتحول اللوحة الى قصيدة حين تصور الأشياء المألوفة بطريقة مفاجئة وغير متوقعة لعين المشاهد و كذلك بالمحافظة على القيم الجمالية العامة المشتركة من تواز ٍ و تكرار ٍ و ايقاع و ميلودي ...أ لخ
أما تمثل القصيدة في لوحة فيكون حين تصور القصيدة مشاهداً  و كأن الشاعر يرسم لوحة بالكلمات... و هذا يحدث في كلا الفنين ( القصيدة و اللوحة ).
و لكن ينبغي أن أؤكد هنا ان التركيز علي ما يميز كل فن ينتج أعمالا لا تتكئ على غيرها من الفنون فنصل في الفن الى درجة ارفع من التعبير بأخص خصوصيات هذا الفن.

* هل هناك علاقةٌ ما خفية بين الفن التشكيلي وترجمة الشعر ؟ ..
    كيف استطعت التوفيق بين النقد التشكيلي وترجماتك الشعرية ؟
بالطبع هناك علاقة ليس فقط بين الفن التشكيلي و ترجمة الشعر بل كذلك بين كل الفنون و لا شك ان الفنان متعدد المواهب تتفاعل داخله و تتماهى مختلف الفنون التي يبدع فيها و دائما يكون هناك سبب يجعل العمل الفني يظهر في لوحة او في قصيدة أو في رواية ..ألخ.

أما كيف استطعت التوفيق بين النقد التشكيلي و الترجمة الشعرية فيعود ذلك الى تبحري بكلتا ا للغتين العربية و الانجليزية .. فيحدث انني حين أقرأ بعض الشعر باللغة الانجليزية ، تشدني القصيدة بطاقتها الروحية الهائلة فيلح علي هاجس ان انقلها الى القراء العرب ليتمتعوا معي و يشاركوني تلك المتعة..هكذا تخلق معظم الحالات في ترجمة الشعر من الانجليزية الى العربية . اما العكس ( من العربية الى الانجليزية) فقد حدثت بطلب من صديقي الشاعر الفذ حسن رحيم الخرساني و أنا الآن اقوم بترجمة قصائده الى الانجليزية و ذلك يأخذ
  وقتا طويلا حتى اتقمص حالته الشعرية و ادرس معانيه و مفرداته التي تناسب جو القصيدة بالانجليزية مع الامانة بالنقل لتبقى القصيدة قصيدتة و لكن بلغة اخرى.

أما حالة الابداع الشعري، فتأتي في الحياة عندما يتملكني طقس روحي مهيمن فتولد القصيدة تلقائيا . اذن في القصيدة هناك سيطرة شبه تامة للاستسلام للحالة الشعرية التي أكون تحت تاثيرها . أي بكلمات أخرى لا أستطيع أن اكتب الشعر وقتما أشاء .. بينما أستطيع الترجمة الشعرية لان النص منجز أمامي و ما علي الا ان انقله بالشكل الصحيح الى اللغة الأخرى.

* ما هي مناطق التماس بين ألوان الأداء الأدبي والفني الذي تمارسونه ؟
* ما المؤثرات الرئيسة في تجربتكم الإبداعية والفنية ؟
إنَّ  القيم الجمالية العامة قاسم مشترك بين كل الفنون و هذه القيم عادة هي مناطق التماس بين المجالات المختلفة التي امارس.. قيم مثل التشابه و التكرار و التوازي و التناظر و التوازن و الايقاع و الميلودي .. الخ.

اما المؤثرات الريئسية في تجربتي الابداعية فهي كم كبير من الثقافة و المعارف المختلفة في ميادين مختلفة كالدين و التاريخ والفلسفة و اللغة و الأدب العربي و العالمي المترجم و المكتوب خاصة بالانجليزية وكذلك في مجال النقد الادبي و النقد التشكيلي ..ألخ.
يضاف الى ذلك البيئة التي نشأت فيها و تأثير المكان واضح في معظم أعمالي الشعرية فانا احتفي بالمكان و اتحسس تفاصيله واعيش طقوس الطبيعة و استمتع بعلاقاتي الانسانية العميقة من حب و صداقة و غيرها و اعكسها بشكل خلاق مبدع في أعمالي.. كل ذلك و اشياء اخرى أثرت في نتاجي الفني الابداعي.

* متى يكون الغموض حالةً جمالية أولاً ، سواء أكان ذلك في التشكيل أو الشعر ، ومتى يكون شيئاً مرفوضاً ثانياً ؟
في كل عمل فني، هناك نظام داخلي يربط عناصر العمل بخيط غير مرئي.. و على المتلقي الذكي التقاط هذا الخيط الذي يربط عناصر التكوين و في رايي المتواضع ان الغموض في العمل الفني يتأتى من عاملين اثنين :
1- لأن العمل الفني ناتج من نواتج الروح المستعصية على فهم الانسان بشكل منطقي و بالتالي ما ينتج عن هذه الروح الموهوبة هو ما يولد الغموض في العمل الفني.

2- عدم قدرة القارئ او المتلقي اكتشاف الخيط غير المرئي  والذي يكون عادة على غير نسق معروف من قبل.. ذاك الخيط الذي يعتمد على مكونات ثقافية و تراثية و هي نواتج روحية تراثية مما يجعل ربط العناصر المكونة للعمل يعاني من صعوبات قد تستغلق على فهم المتلقي . و لنا في بعض قصائد أدونيس و ابي تمام و غيرهم خير مثال و كذلك في اللوحات التجريدية او السريالية مثال واضح على ذلك. و في كل الحالات التي يمكن ان نتتبع الخيط الخفي اي نكتشف المنظومة المبتكرة من قبل الفنان المبدع يكون الغموض حالة جمالية في صالح العمل الفني.

*  هل لك أن تشاطرنا آراءك في سبل الاستفادة من الفن التشكيلي في تيسير وتعزيز التواصل بين هذه الشعوب؟
لا يقتصر الفن التشكيلي على اللوحة بالتصوير الزيتي او باية وسائط اخرى و لا على المنحوتة على اهميتهما و لكن ينتقل الى فن الصورة بشكل عام في الوسائل السمعية و البصري كالسينما و التلفزيون و المسرح و فن الاعلان ..ألخ.
فنحن اليوم نعيش عصر الصورة و المرئيات بعد ان كنا في عصر المسموعات من اذاعة وخطابة و غيرها.. وهذا يضاعف اهمية الفن التشكيلي للتقارب بين الشعوب كافة فكيف بالشعوب العربية و الاسلامية .
فاذا اخذنا الوطن العربي من العراق حتى موريتانيا و من شمال افريقيا و سوريا الى السودان و اليمن وعمان و التي تشكل في رأيي وحدة حضارية فيها سمات الأمة أكثر ما في امة عريقة كالأمة البريطانية.. و اذا اخذنا بعين الاعتبار الفن التشكيلي وجدنا تاريخيا وحدة وتنوع القيم الفنية من زخرفة اسلامية و خط عربي بلغ قمة من قمم الابداع قل نظيره بين خطوط اللغات في العالم.  و حتى جذور التجريد الحديث انما اخذت من الفن الاسلامي الذي اعتمد على البعدين دون الايهام بالبعد الثالث او المنظور.. ألخ. اني أرى ان كل ذلك وغيره من وحدة العقيدة و الخلفية الدينية لشعوب هذه المنطقة يؤهلها لتكون امة واحدة، احد المكونات الهامة لهذه الامة الفن التشكيلي. و يمكن ان يمتد ذلك الى الامة الاسلامية لان المكونات الثقلفية مكونات واحدة و بالتالي فقد ابدع هذه الفنون الاسلامية ليس العرب وحدهم بل الاتراك و الايرانيون و سائر شعوب الشرق و الغرب المسلمة.
ان الفن التشكيلي البصري يلعب دورا موحدا لسائر هذه الشعوب.. و يمكن ان يلعب الفن التشكيلي عاملا موحدا لها في المستقبل.

 * أيّهما أفضل برأيك .. أن يترجم النص الشعري حرفيَّاً ووفق المفردات المناسبة دلالياً في اللغة المُترجَم إليها ، أم أن يُضفي المترجِمُ ، خاصة إذا كان شاعراً ، ظلالاً من نفسه وروحه وشاعريته على النص ؟
هل عايشت هذه الحال ؟ وهل شعرتَ برغبة أو حاجة لتخطي منغصات صعبة بالالتفاف حولها وتجييرها لصالح النص المعرَّب ؟!
كل ترجمة لنص شعري الى لغة اخرى هي خيانة للنص الأصلي بدرجة معينة . هذا لأن الشعر على الخصوص يحمل روح اللغة الأصلية التي كتب فيه, و ظلال تلك اللغة وإ يقاعها الخاص الذي لا يمكن نقله بحال من الأحوال . بالنسبة لي احاول ان تكون الخيانة بأضيق نطاق ممكن، بحيث يبقى النص لصاحبه الأصلي و ليس كما فعل أحمد رامي عندما ترجم الرباعيات عن الفارسية حيث برز سؤال هام : هل هذه الابيات الموزونة المقفاة بالعربية هي فعلا ابيات الخيام أم أن رامي اقتبس منها الفكرة فقط ثم صاغها شعرا عربيا خالصا؟ .. هل كان أمينا للنص الأصلي أم خانه خيانة مبينة؟
أقول ان الشعر ينبغي ان يترجمه شاعر يعرف بأسرار و خبايا الشعر و يصل الى اعماق النص الأصلي
ان الأمانة للنص لا تعني الترجمة الحرفية فلكل لغة تعابيرها الخاصة التي تترك ظلالا للمعاني دون ان تصرح به..

كقاعدة عامة ينبغي للمترجم ان يتحلى بالصبر و روح البحث حتى يصل الى المعنى و الصورة التي أراد الشاعر الأصلي ايصالها للمتلقي. و لقد واجهتني الكثير من الصعاب و انا اترجم الشعر على الخصوص اذ هناك تناقض بخصائص كل من العربية و الانجليزية. ففي حين ان العربية غنية بالمفردات حيث لمعنى واحد فقط عشرات الكلمات بل احيانا مئات الكلمات و بين كل كلمة و اخرى قد يكون هناك فارق ضئيل بالمعنى. في حين نجد الانجليزية على العكس هناك معان ٍ كثيرة لكلمة واحدة و لو تتبعت كلمة انجليزية في القاموس لوجدت لها عشرات المعاني بل أحيانا مئات المعاني. من هنا تأتي اكبر صعوبة في ترجمة نص دون الوقوع في خيانة ذلك النص أو التاليف على ذلك النص. دائما هناك قلق : هل استعملت الكلمة المناسبة بحيث لو كتبها الشاعر الأصلي بالعربية لاستخدم نفس الكلمة!!
و كثيرا ما الجأ بعد الانتهاء من ترجمة نص الى العربية الى قارئ متذوق للشعر لأ ستفتي ذائقتة و ما اذا كان هناك في النص اماكن خشنة تجرح حس القارئ العربي بحاجة فعلا الى تشذيب أو تنعيم بحيث تحافظ القصيدة على انسيابيتها و تدفقها.


* غرائبية التجريد في الفن التشكيلي السوري خاصة ، دفعت بعض
 ( الفنانين ) ، والقوسان مقصودان ،
أولئك الذين يملكون براعة الريشة الواقعية ، والمفهومات الأولية ، ولكنهم يفتقرون إلى الخيال المُبْدِع .. إلى ركوب الوعر ، ومن ثم محاولة ارتكاب إثم الإبداع الخلاق الذي لايمكن أن يوصف ، أعني ( إبداعهم ) إلا بأنه مزيَّف .. حين يجترحون لوحاتٍ غامضة هي عبارة عن مزيج غير متجانس من الأشياء المحسوسة التي تشوش الذهن وتعصى على التفسير . لمستُ هذا ، بل قرأته في كثير من معارض التشكيليين المندفعين من الشباب... فما رأيك ؟!!!!!

 أولا يجب ان نعرف ان الفن التجريدي بابتعاده عن التشخيص و تحديد الشكل الواقعي كذلك باعتماده اساسا على بعدين فقط و تخليه عن التجسيد و الايهام بالعمق كل ذلك مستوحى اساسا من الفن الاسلامي و خصوصا الزخرفة الاسلامية.. و بالتالي،  فالتجريد هو اصلا بضاعتنا ردت الينا بعد ان استعادها رواد التجريدية كايندنسكي و موندريان..
و لاننا امه متخلفة مهزومة نتاثر بما يأتينا من المنتصر القوي و نتماهى معه بما يقدمه لنا من الفتات الثقافي على قول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة ..
فقد اندفع و يندفع الكثير من الفنانين الذين لم تنضج تجربتهم بعد.بتتقليد ما يأتينا من الغرب حتى لوكان اصله من عندنا و ذلك لجهلهم بهويتهم الثقافية الاصيلة
وما قلته عن معارض الفنانين السوريين الشباب صحيح لحد كبير.و لكن انا لا أقول بأن ( ابداعهم مزيفا ) بل اقول ان ذلك ان دل على شئ فانما يدل على ضحالة الثقافة و ضعف الخبرة و التمرس في مكابدة التعامل مع اللون .
هذا عدا عن تقليد المفردات اللونية الأوروبية و الأميركية عوضا عن البحث اللوني الجاد في بيئتنا اللونية و اكتشاف خصائصها و التعبير عن ذلك في لوحاتهم.
ان اللون الغربي و خصوصا الاوروبي تسوده الألوان الكامدة غير الصريحة لافتقار البيئة الاوروبية لضوء الشمس القوي و المباشر على عكس بيئتنا حيث النور القوي للشمس و الجو الصحو معظم شهور السنة مما يؤكد على اهمية اللون الصريح و القوي في اعمال فنانينا .
ولكن الذي يحدث العكس اذ ان معظم فنانينا و خصوصا الشباب يقومون بنسخ التجربة اللونية الاوروبية عن وعي منهم بذلك او من دون وعي!!

 * اين يقع الشاعر يوسف شغري من مدارس الشعر اليوم ؟؟؟
في ضوء تجربتك الشعرية هل ترى ضرورة لوجود هذا الانتاج السطحي للشعراء وهل يشكل ذلك شيئا جديا ؟

أنا اكتب قصيدة النثر..
وقد يبدو للوهلة الأولى ان هذه القصيدة تفتقر للموسيقا و الإيقاع كما يظن الكثير من الأدباء لأنها قصيدة غير موزونة على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدى و لاتوجد لها قوافٍ كما هو مألوف في القصيدة الموزونة. لكني أقول ان الايقاع و القواقي الداخلية التي تتولد تلقائيا كل ذلك يأتي من تدفق النص المتوافق مع ايقاع روح الشاعروهو ايقاع جديد مبتكر ليس على نسق سابق . و من هنا سميت قصيدة النثربهذا الأسم في مواجهة القصيدة الموزونة المقفاة وفق محفوظات ايقاعية سابقة تعتمد على ذاكرة و صنعة الشاعر الناظم.
 
* في ضوء تجربتك الشعرية هل ترى ضرورة لوجود هذا الانتاج السطحي للشعراء وهل يشكل ذلك شيئا جديا ؟
كما حدث في الفن التجريدي عندما اختفى الشكل الواقعي من اللوحات مفسحا المجال أمام القيم التشكيلية بارفع تلخيص لها و بهدف جمالي سامِ, ظن بعض المتطفلين على الفن ان الأمر سهل اذ لا توجد القواعد المالوفة في الفن.. و هذا يدل على ضحالة تفكيرهم اذ عندما تخلت اللوحة التجريدية عن الشكل الواقعي .. صار الأمر أكثر صعوبة فليس هناك شكل تنسخه . عليك ان تبتكر كل شئ من المساحة الى اللون الى التضاد الى اللمسة اللونية مراعيا جميع قواعد القيم الجمالية من توازن و توازٍ و تكرار و كتلة و فراغ ..الخ وقد حدث الشئ نفسة مع قصيدة النثر الحرة التي ترفض تعريف الشعر السطحي بأن القصيدة هي الكلام الموزون المقفى. و هكذا صار ما هب و دب سيكتب قصيدة النثر.. و بالطبع لم يكتب معظمهم الا هراء و كلام لا شعر فيه و لاايقاع و دون مراعاة القواعد الجمالية الأخرى..

أما هل أرى ضرورة لوجود الانتاج السطحي و هل يشكل ذلك شيئا جديا؟ فأقول كل تجربة فنية جديدة يرافقها هذا الكم الهائل من الانتاج السطحي الذي يكنسه حركة نقدية مترافقة مع التجربة الوليدة و ان لم تتوفر هذه الحركة النقدية على اهميتها الحاسمة فان الزمن هو اهم و اقوى النقاد على الاطلاق
(( فأما الزبد فيذهب هباءً و اما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض))و هكذا تكنس التجارب المزيفة و المتطفلة على الفن الى مزابل التاريخ و لا يبقى سوى الانتاج الانساني الأصيل الخلاق.

* لفت نظري في سيرتك الذاتية تثبيت هويتك- كواحدة من إبداعاتك المتعددة-
كناقد في الفن التشكيلي.  هل نقد الفن أو فن النقد هو علم أم موهبة أم الإثنان معاً؟ مهما كانت الإجابة، أرى بأن الأقدر على احتراف الفن هم النقاد أنفسهم. هل توافقني في الرأي ؟!!
يمر اي كاتب بمراحل عدة قبل ان يصل الى الفيض الابداعي.. أي الكتابة و في اثناء مرحلة التكوين الجنينية هذه لميلاد كاتب يبرز سؤال هام هو ماذا اكون : هل أنا شاعر أو ناقد أو روائي او فنان تشكيلي ..الخ..
بالنسبة لي برزت موهبتي كرسام اجيد نقل الرسوم و الموجودات منذ مراحل حياتي الأولى. أذكر مثلا و انا في المرحلة الابتدائية انني عدت يوما من المدرسة و كان الفصل شتاءً. كانت امي تطبخ الرز بحليب و البخار الدافئ يتصاعد ورائحة الفانيليا تملأ المكان .. انزويت على طاولة ووضعت دفتر الرسم و جلست أتأمل امرأة عجوزاً كانت جارة لنا و هي تشكو لوالدتي آلامها الصحية و شرعت ارسم السيدة العجوز و بعد ان تناولت معنا الرز بحليب و غادرت انتبهت امي الى انني أرسم و نظرت الى الرسم و دهشت .. قالت سبحان الله لقد رسمت ام حسن و كأنها حقيقة.. ماشاء الله .. و كافأتني بان اشترت لي أدوات رسم كاملة.. و مدحتني أمام والدي الذي شجعني بدوره.. وهكذا صرت الرسام الأول في الصف .. بل في المدرسة!! و في نهاية المرحلة الاعدادية رسمت نفسي بالألوان الزيتية

و بعد ذلك تركت الرسم لأن استاذ الفنية قال اجابة عن سؤالي بأن الفن لايطعم خبزا في بلادنا و انني قد امضي حياتي دون ان اصير كمايكل أنجلو أو ليوناردو!!و هكذا اتجهت الى الأدب الأنجليزي في جامعة دمشق. و في العاصمة التي كانت تمور بالمعارض عاد العشق القديم للفن التشكيلي و خصوصا ان معظم أصدقائي كانوا يدرسون في كلية الفنون الجميلة .. و هكذا صرت اتردد الى كلية الفنون حتى عرفت الفنانين الكبار عن قرب و شاهدتهم و هم يحاضرون نظريا و شاهدتهم عمليا و هم يحكمون مشاريع التخرج لطلاب السنة الاخيرة.. و عندما بدأت الكتابة في الصحافة في منتصف الثمانينات كان من الطبيعي ان اكتب في الفن التشكيلي و عن الفن التشكيلي بشكل رئيسي بعد ان اغتنت تجربتي و ثقافتي و قد قرأات أمهات الكتب عن الفن التشكيلي و علم الجمال و الفلسفة ..ألخ
و جوابا على سؤالك أقول ان النقد بشكل عام موهبةاولا او قولي ملكة لكنها لاتكفي لوحدها بل لابد من الثقافة الواسعة و مكابدة حياة الفنانين و التجربة الشخصية مع اللون و قماشة اللوحة..الخ.. اذن النقد التشكيلي موهبة و ثقافة و علم و مكابدة مع وسائل هذا الفن.
و اريد هنا ان اقول انني اكتشفت ان في داخلي ناقدا تشكيليا و ليس فنانا تشكيليا. لان الفرق في نمط التفكير فان كان نمط التفكير تحليليا منطقيا يقترب من العلم مع توفر الميل و الموهبة و الملكة كان لدينا ناقد تشكيلي و ليس فنانا. و ان كان نمط التفكير تركيبيا كليا يميل الى ولادة العمل الفني دون ان يهمه تفسير ذلك اوتحليله مع توفر الموهبة و المقدرة على تنفيذ العمل الفني فيكون لدينا فنان تشكيلي و ليس ناقدا.

بالنسبة لي كنت كلما ارسم عملا فنيا و انتهي منه لايعجبني لكثرة ما احلله و ابحث لماذا فعلت كذا و لم افعل كذا و في النهاية لا يعجبني عملي. وهكذا اكتشفت باكر ان في داخلي ناقدا تشكيليا و ليس فنانا.
أما وجهة نظرك على ان الناقد هو الأقدرعلى احتراف الفن.
فلا اوافقك على ذلك و اظن ان الشرح المسهب اعلاه يوضح وجهة نظري.. و لا نرى في تاريخ الفن ناقدا تشكيليا او ادبيا صارا فنانا مميزا فأشهر ناقد للفن التشكيلي في ايطاليا وهو ( ليونيللو فينتوري ) ليس فنانا معروفا الا كناقد.. وكان الشاعر الكبير بودلير من اوائل نقاد الفن و لا اذكر انه رسم لوحة في حياته على حد علمي!! و كذلك روجيه جارودي في كتابه الهام في الفن التشكيلي(واقعية بلا ضفاف ) لم يرسم لوحة في حياته و حتى الناقد البلغاري الشهير راينوف ليس مشهورا كفنان تشكيلي على ما اذكر . ولم يكن الناقد الكبير (تين ) مشهورا كفنان تشكيلي.
و يمكن أن نورد في النقد الأدبي كذلك الكثير من الأمثلة فلم يكن الجرجاني مثلا من الشعراء المشهورين و لا كان العقاد شاعر معروفا .. وهكذا

* على ساحلك َ الأخضر
ثمة َ أنوثة ٌ للون
ومرايا للكلمات ..
وبين هاتين
توزع ُ الروح ُ أثوابـَها للنجوم ..
ولا تنتمي ـ طبعا ـ لعطل السواد .
وأنا من الداخل أتعطش ُ
للمنتمي واللامنتمي ( يوسف )
أين يجد الذات المتفجرة
بين هذه المجرات ..؟

- في الشعر ، اعد نفسي تلقائيا حتى نزف الروح .. و اهمس لك انني لا يمكنني ان أكون شاعرا محترفا ابدا .. ببساطة لأنني لا اجيد فبركة الكلام و تصنيع المواقف .. و ما كتبت يوما قصيدة الا بعد توهج روحي في اتون تفاعلها مع روح اخرى تهيمن بعطر شعرها على اجوائي كاقة.. فلا ترى روحي بدا من الفيض فتولد القصيدة من رحم روح واحدة مقسومة الى اكرتين!!
وقد يكون الواقع الذي أعيشه مهيمنا الى درجة يتجاوز فيها عتبة الشعر فأكتفي بان أعيشه.. ويخرس الشعر أمام جلال الحياة نفسها اذ يكون مجرد العيش أمتع من أية قصيدة اكتبها!
و كم حدث هذا..
ففي ملحمة صمود الأبطال في الجنوب اللبناني و ضرب الكيان الاسرائيلي في العمق .. خرست كلماتي لأن الحدث لدي تجاوز بمراحل عتبة الشعر لدي فالحدث أكثرشعرية من اي نص!!
و كذلك عندما أعيش حالة عشق مع امرأة تهيمن على روحي و كياني يخرس الشعر
و اعيش المرأة القصيدة .. أعيشها بدل أن أكتبها ..
و امام جلال الموت يخرس شعري أيضا.. فعندما فجعت بصديقي
( أسد محمد ) فجأة و كنت ألتقيته في ربوة دمشق بعد غياب طال اكثر من عشر سنين غربتنا و فرقتنا المنافي فيه لأكتشف العام الماضي أنه قريب مني في ( سكاكا ) السعودية.. فاتصلت به و التقينا لقاءً وحيدا بعد كل ذلك الغياب . جلسنا عند مقصف ( أبي أحمد ) بين اشجار الصفصاف و الدلب حتى الثانية بعد منتصف الليل.. تناقشنا طويلا في ( بيانه الكوني ) و اختلفت معه في نقاط عديدة دون ان يفسد الخلاف للود قضية!! و افترقنا على ان نلتقي في السعودية . و سافر قبلي الى السعودية حيث توفي ووصلني الخبر .. فخرس بياني امام جلال الموت و القدر!! ولم استطع ان اكتب شيئا عن ( أسد محمد ) الذي يمكن ان يكتب فيه أو عنه مجلدات!!

 
 * من سيرتك الذاتية يدرك القارئ أنّ محاور اتجاهاتك الابداعية تتّسِم بملامح عالمية. وبمعنى آخَر، هناك حالة تفاعُل كونية في نسيج عطائك تتجلى على سبيل المثال في ترجمتك لشعراء أجانب ودراساتك النقدية للفن التشكيلي الغربي . هل هذا تأكيد منك على ضرورة تفاعُل الحضارات وانصهارها أم لك فلسفة فنية أو حياتية أخرى ؟!!
لا شك ان اتجاهاتي تتسم بملامح عالمية..
 و لكن اتسامها بالعالمية أتى بعد فهم ذاتي كمثقف عربي و سوري..أدرك العمق الحضاري الذي استند اليه .. و أعي نفسي جيدا بأن لدي ما ابثه للبشرية .. كما استخلص من الثقافة العالمية ما يفيد القارئ العربي و يعزز انفتاحه على العالم دون الذوبان فيه .. أعتز بهويتي العربية السورية و بتراثي الغني دون الاكتفاء بالتغني بالماضي العظيم و اجتراره بل بابراز ما هو حي في تراثنا العظيم و الأخذ من التراث العالمي ما يعجل نهضتنا الثقافية و الحضارية..
انني أؤمن بتفاعل الحضارات و لكني في الوقت ذاته واعٍ و متمسك بهويتي التي لا تغتني دون التفاعل مع الآخرين على أن يكون هذا التفاعل نداً لند!!
 
  * هل سنراك يوما في منتدى الشعر الموزون ؟
 ربما !! من يدري؟؟
فأنا لست افضل من الشاعر الكبير (أدونيس)
شيخ قصيدة النثر و منظر الحداثة و صاحب ( الثابت و المتحول)و أخيرا سفره الموسوم ( الكتاب ) تحول الى شاعر عمودي يكتب بالوزن الخليلي و القافية امام حدث جلل كالثورة الايرانية!!
و لكني أقول أن قصيدة النثر يبدعها الشاعر كلها بقضها وقضيضها..
بما في ذلك شكل القصيدة و ايقاعها الخاص..
وليس ايقاعا محفوظا كما هو الحال في القصيدة الموزونة..
في قصيدة النثر لا يتكئ الشاعر على ما حفظه
بل يبتكر و يبدع شكل القصيدة وايقاعها و موسيقاها و صورها الفنية المبتكرة.
________________________________________


 ماذا تعني لك المرأة في تجربتك الابداعية ؟ وفي النص الجميل ا لذي ننشره لك هنا، ثمة روح ما تكاد تكون أكثر من مجرد أنثى !!! ماتعليقك؟؟

" كل مرة اسمع صوتك تشعلين بي سحر البدايات
كأنما مطر يبلل روحي أو شعاع طفل يتمطى فجراً من عينيك.
غابات الربوة تعج بتغريد همسك أو كلماتك التي تموت حباً
صوتك عبر الأميال شلال يتدفق تلقائياً كالعشق
صوتك يأتلق عمراً بالياسمين الدمشقي
وأنت تذوبين بصوت فيروز، يملأ فضاءك أو ينشيك ويلغي المسافات‏ "
                                                         

المرأة شكل و معنى وجودي الانساني , كما أنني شكل و معنى وجودها الانساني. فإن كانت ولدت من اضلعي , فقد وُلدتُ من رحمها. و ما رحلة الحياة الا التصاق المرأة باضلعي و عودتي الى رحمها!!
و في نصوصى الشعرية كما في حياتي العملية الواقعية :
المرأة هي الأمكنة التي عشت فيه ..
هي رائحة الياسمين ,
البحر،
المطر
و الصفصاف ....
انها بكلمة واحدة
الوطن بمعناه الضيق
و الواسع الى أبعد مدى!!
انها ذاكرتي واحلامي
هي خيالي وواقعي
ويمكن ان تستمر كلماتي عن المرأة الى ما لا نهاية!!


   * من أين أتيت إلى الشعر ومن هو الشاعر الذي يسكنك ؟
أتيت الى الشعر ليس من "المطلق" ولا من "حالة طهرية سرمدية "
بل أتيت من الحياة وفن العيش و التمتع في كل لحظة من حياتي.
فالناس عادة اما يعيشون في الماضي او يعيشون فيما سيأتي..
ان لحظة الشعر لدي هي اللحظة التي اعيشها بكل كياني مع آخر
( لنقل امرأة قصيدة توهجني ).هنا لن يكون هناك ماضٍ ولا مستقبل بل اللحظة بكامل روعتها و بهائها.وما القصيدة التي اكتبها سوى شئ يسير مما عشته فعلاً فأنا على عكس تصورك لولادة قصيدتي تأتي من زخم الحياة بأروع أشكاله..
بكلمة ( اتيت الى الشعر من الحياة و حب الحياة حتى الجنون عندما تؤلقني حالة متوهجة من حالات الحياة)
و لا بد ان أذكر هنا ان هناك حالات استعصت عليَّ القصيدة فعشتها شعرا
و بذلك انتفت ضرورة الكتابة
لان الحالة تجاوزت عتبة الشعر عندي.
أرجو في هذا التوضيح ان تكون اكتشفت الشاعر الذي بداخلي!!

*  كيف ترد على النقاد الذين رفضوا تصنيف قصيدة النثر كقصيدة شعرية واعتبروها مجرد نصوص منثورة ؟
الشعر يا صديقي هو الشعر سواءً أكان موزونا ام غير موزون , مقفى ام غير مقف ٍ..و ان رفض البعض قصيدة النثر فذلك لن يلغي هذا الشكل الجديد من فن الشعر .. و لغة الشعر تختلف عن لغة ما سميته ( نصوصا منثورة ) فمن اكبر الاختلافات بين النثر و الشعر ان النثر يعتمد السرد و لا يعتمد لغة كثيفة لها ظلال لا تنتهي.. الشعر يريك ما تراه كل يوم بطريقة كأنك تراه للمرة الأولى في حياتك, فتأخذك الدهشة و تباغتك الرؤية غير المتوقعة التي قدمها لك الشاعر.. وكم من النصوص المحسوبة على الشعر , فقط لانها موزونة مقفاة ، او تجتر صورا شعرية مستهلكة مكرورة لا تترك وراءها اية ظلال فهي باهتة لأنها معروفة سلفا.. و حتى ايقاع القصيدة الكلاسيكية الموزونة تنقل و تنسخ عادة ايقاعات معروفة مكرورة اتت الينا من عصر غير العصر الذي نعيش فية. فلو أخذت وزن البحر الطويل لوجدت أنه مستوحى من خبط قوائم الجمل الرتيبة و المتكررة على الرمال اثناء ترجُّل العربي على جمله او ناقته في العصر الجاهلي. فهل المطلوب مني ان انسخ هذا الايقاع الرتيب أم أعيش عصري ( بداية القرن الواحد و العشرين ) بايقاعاته المختلفة التي اقع حقيقة تحت تأثيرها . كانوا في الماضي يطلبون ممن يجدون فيه الموهبة الشعرية ان
( يحفظ ) الف بيت من الشعر ثم ينساهم فيصير شاعرا و الحقيقة ان لم تكن الموهبة فذة، نرى الشاعر المذكور يكرر الحالات الشعرية التي حفظها.. و انا اعتقد ان الشعر ضد اي نوع من المحفوظات.. انه برأيي ابداع كامل لا ينبغي ان يشوبه اي حفظ أو تكرار. و قصيدة النثر ابنة شرعية للأدب العربي..فهي تطمح ان تقترب ( ولكنها لن تستطع بالطبع ) من اعظم نص بالعربية على الاطلاق و اقصد فيه البيان الالهي المعجز( القرآن الكريم ). لقد وجد في البيان الالهي نصوصا احتار فصحاء العرب قيما يصنفونها ( سجع الكهان او الشعر ) و لم يكن النص أي من الوصفين السابقين بل هو قرآن كريم. و لا أدري لماذا لا يستوحي الشعراء من الأسلوب العظيم لأعظم نص على الإطلاق!! طبعا النص القرآني فوق مستوى البشر.. و كما ضمن الكثير من الشعراء معانٍ من القرآن الكريم . يستلهم شعراء قصيدة النثر هذا الأسلوب المعجز. أنت لو بحثت لوجدت نصوصا نثرية ( أو كانت تعتبر نثرأ ) مثل ( مواقف النفري) وغيرها. هل يمكن ان تكون هي الجذر لهذا الفن الوليد..وعلى اية حال الزمن هو الحكم و هو الذي سيؤكد و يرسخ هذا الشكل من الفن أو يلغيه.

* هل بالضرورة أن يكون الناقد التشكيلي فناناً تشكيلياً ؟ أو على الأقل مارس لعبة مزج الألوان ؟
ليس بالضرورة ان يكون الناقد التشكيلي فنانا تشكيليا و قد عرف تاريخ الفن نقادا كبارا مثل ( تين ) و (فينتوري) و غيرهما كثير لم يكونوا فنانين معروفين ..بل انني أرى ان من الأفضل ان لا يكون الناقد فنانا.. لأن الفنان سوف يرى، على الأغلب, الأعمال الفنية وفق اسلوبه هو و بذلك يبتعد عن الموضوعية التي ينبغي ان يتصف بها الناقد.. فكما قلت في رد سايق ان الناقد يميل للتحليل و ينطلق من الجانب المنطقي العلمي في بحثه في العمل الفني و تقييمه، بينما ينطلق الفنان من الجانب الروحي الإلهامي ذات الصفة التركيبية الكلية التي تتعاكس مع طريقة الناقد..
و لكن لا شك ان على الناقد الالمام بكل اسرار العمل الفني و حالات انتاجه و لابد ان لم يمارس الفن التشكيلي بنفسه ان يكون على الأقل قد زار الفنانين في مراسمهم و راقبهم و حاورهم بطريقة انجازهم للعمل الفني.. و عليه ان يكون واسع الثقافة في مجالات كثيرة و الالمام بعلم الجمال و تكنولوجيا اللون و فهم العلاقات الدخلية للعمل الفني .. الخ كما ان عليه ان يدرب ذائقته الفنية بمشاهدة وقراءة الأعمال الفنية ..الخ و عليه أيضا الالمام بتاريخ الحركة الفنية و تطورها وعلاقة كل ذلك بتراث الأمة التي ينتمي اليها الفنان.. الخ كما ينبغي عليه الالمام بتطور الفنان الذي يدرس عمله ليقرر هل تطور اسلوب هذا الفنان ام انه لا يزال يراوح مكانه يجتر ما توصل اليه سابقا .. الخ
 
  * النقاد بشكل عام ، يمكن إحصاءهم بأصابع اليد الواحدة ، من سيرتك الذاتية يبدو أنك لم تدرس النقد التشكيلي ، أليست الموهبة وحدها لا تكفي كي تمارس مسؤولية النقد ؟
 بالعودة الى سيرتي الذاتية ستلاحظ انني كنت أحضر محاضرات كبار الفنانين و الأساتذة السوريين و في فترة الثمانينات و اتابع تحكيم مشاريع التخرج لطلاب السنة الأخيرة في كلية الفنون الجميلة وقد قرأت في تلك المرحلة معظم الكتب التي كانت تدرس في كلية الفنون الجميلة ، بالاضافة لحضور المعارض و متابعة الندوات و الكتابة في الصحافة عن الفن التشكيلي.. الخ .. الخ.. بالاضافة للثقافة الواسعة في علم الجمال و الفلسفة و الأدب و غيرها من ميادين الثقافة .. كل ذلك بالاضافة الى الموهبة أعني ملكة النقد، يجعلني مؤهلا لممارس مسؤولية النقد.


* عبر كتابتك عن الفن التشكيلي.. ما رأيك بالحركة التشكيلية العربية؟
لقد اطلعت مباشرة على تجارب الفنانين في كل من وطني سوريا و في لبنان الشقيق و العراق و السعودية . و بشكل غير مباشر اطلعت على الحركة التشكيلية في بقية الدول العربية عن طريق القراءة او وسائل الاعلام المرئية و المسموعة. وقد وجدت ان هناك تقريبا نفس الاتجاهات في معظم الدول العربية فمثلا هناك محاولات لتأصيل الفن التشكيلي العربي و البحث عن هوية خاصة لهذا الفن كمحاولات استلهام التراث يبدو ذلك واضحا في الاتجاه لتوظيف الخط العربي و الزخرفة الاسلامية والفولكلور المحلي.. هناك اتجاه متأثر بالفن الأوروبي وخاصة في بعض مدارسه المعروفة كالانطباعية و السريالية و التجريدية ..الخ.. و هذا نجده في كل الدول العربية و من هنا نستطيع الحديث عن محاولة عربية لبلورة شخصية أسلوبية تميز المنطقة مستندة الى التراث الغني الذي تملكه هذه الأمة العريقة التي كانت يوما منارة في الفن و العلم للبشرية جمعاء.. لكن ينبغي ان نقرران ذلك لا يزال مشروعا ثقافيا يوحد شعوب هذه المنطقة الهامة من العالم.

* هل هناك فارق في المفهوم الفني بين قصيدة النثر والشعر المنثور ؟
لم أرَ تسمية ( الشعر المنثور ) الا هنا في( أقلام ) و المصطلح المعروف هو
( قصيدة النثر ) و أنا شخصا أميل لتسمية ما أكتب بالشعر الحر.. بحيث تأخذ القصيدة شكلها من روح الشاعر المبدع لها دون تقييده الا بموهبته الفذة التي تحول الكلام المالوف الى الشعر. و كجواب مباشر على سؤالك أقول : ليس هناك فارق بين قصيدة النثر و الشعر المنثور.

 *  لمَ لم تشهد الفنون في القرون السابقة إبداعاً أنثوياً ساطعاً كـ إبداع الرجل ؟
في القرون الوسطى , وهي عصور الظلام في أوروبا, كانت المرأة و ما تملك ملك لزوجها بما في ذلك انتاجها الحرفي الذي منه الفن التشكيلي . فحتى الاختراعات كانت تسجل باسم ازواج المخترعات, ولذلك لا نجد اسم لمخترعة واحدة من النساء قبل القرن العشرين. أما في الفن التشكيلي فلا يذكر اسم لفنانة تشكيلية قبل القرن التاسع عشر مع بداية الثورة الصناعية الكبرى في أوروبا . وكان الفن التشكيلي قد بدأ يزدهر في أوروبا قبل ذلك مع بداية عصر النهضة.. اذن من ذلك نعرف ان لم يكن الفن التشكيلي مقتصرا على ابداع الرجل دون المرأة بل ان الظرف التاريخي و الظلم الذي وقع على المرأة هو السبب في تهميش أسماء فنانات قد ابدعن و لاشك اعمالا رائعة لكن اسماءهن لم تظهر على أعمالهن للسبب المذكور أعلاه.
و لكن مع مطلع القرن العشرين بدأت أسماء الفنانات تسجل و لكن بأعداد قليلة .أما اليوم فنرى الاقبال على تعلم و انتاج الفن التشكيلي بين الاناث اكثر و اكثر حماسا من الذكور . و قد خبرت هذا بنفسي من خلال التجربة الغنية فى سوريا و لبنان و العراق و السعودية . اذ يكاد الاقبال على الفن التشيلي ان يكون (موضة ) هنا في السعودية أو نوع من ( البريستيج ) الاجتماعي لذلك أتوقع ان نرى قريبا كما هائلا من الفنانات التشكيليات اللائي سيغنين الساحة التشكيلية و لا شك في القريب العاجل.

* حالياً تقيم في السعودية .. أي أنك شاهد على حركة التشكيل في المملكة .. أطلب منك تقيماً شاملاً لحركة الفن التشكيلي هنا .. وهل وصلت إلى مرحلة النضج بوجه عام أم أن ما على الساحة الآن هو مجرد إرهاصات لـ فن تشكيلي حقيقي لم يتجسد بعد ..؟
أستطيع ان اقول ان الحركة التشكيلية في المملكة تشهد فورة قوية في أعداد الفنانين الجادين و الذين يمكن و صف أعمالهم بأنها على المستوى العربي أو حتى العالمي من أمثال أعمال الفنان الكبير عبد الله الشيخ و عبد الرحمن السليمان و كمال المعلم وعبد الله المرزوق و علي الصفار و تركي الدوسري و محمد الصقعبي و عبد الله حماس وعلي الطخيس و غيرهم كثير من الفنانين. وهناك بحث جدي في الهوية التشكيلية لدى العديد من الفنانين الجادين و يمكن القول ان غزارة الانتاج الفني في المملكة لا بد ان يفرز لوحات ذات مستوى نوعي مميز قريبا رغم وجود حالات كثيرة تنسخ التجربة الأوروبية و تقلد ما ياتي من صرعات غربية من تشكيل المكان الى ما اسموه الفن المفاهيمي.. الخ . أما عن نضج التجربة فأعتقد ان الحديث عن ذلك لا يزال مبكرا نظرا لحداثة التجربة التشكيلية التي بدأت متأخرة عن بلدان المشرق العربي كالعراق و لبنان و سوريا.. اذن هي أكثر من مجرد ارهاصات . يمكنني وصفها بانها حركة تشكيلية ناشطة باتجاه انتاج تشكيلي ناضج في القريب العاجل.

*  بمجتمع كـ مجتمعي، الموهبة التشكيلية مهمشة ولو كانت هناك محاولات (نسوية) عظيمة في الارتقاء بنا نحو الأفضل .. إلا أننا بالنهاية موهوبات نتلقن الفن من موهوبات أكبر منا خبرة وعمراً ..
في هكذا وضع .. كيف أستطيع أن أكون (فنانة تشكيلية) حقاً ..؟
قبل ان تقرري ان تصبحي فنانة تشكيلية لا بد من ان تتأكدي من توفر الموهبة.. هل جربت مثلا الرسم بالرصاص ؟ و هل تستطيعين ضبط نسب الشكل أو نسخه من الواقع؟ فان لم تتوفر الموهبة فلا أنصحك بالولوج الى هذا المجال وأنا أرى انك شاعرة موهوبة ينتظرك اصدار مجموعات شعرية نراها في القريب العاجل ان شاء الله.
و لكن ان توفرت الموهبة حقا فاني أرى ان هناك الفنون التشكيلية منها الجمعية العربية السعودية للثقافة و الفنون التابعة لوزارة الثقافة على ما رأيت هنا في الشرقية وكذلك مركز الخدمة الاجتماعية في القطيف التابع لوزارة العمل و الشؤون الاجتماعية.. حيث هناك المنتدى النسائي النشط الى ابعد الحدود و الذي يقيم دورات في اسس الفن التشكيلي الأكاديمية تتولاها الفنانة المصرية سهير الجوهري وقد خرجت دورات من الفنانات المميزات وهن معروفات على مستوى المملكة اليوم بانتاجهن الجاد. و لا أدري الوضع القائم في المنطقة التي تسكنين . هل بحثت عن مؤسسات كالتي اشرت اليها؟

و لابد ان نشير الى ضرورة حضور المعارض و متابعة الصحافة و ماتكتبه عن الفن التشكيلي و كذلك المواقع الجادة في الفن التشكيلي كمنتدى الفنون والتصميم في اقلام.. و كذلك قراءة الكتب التشكيلية المختلفة و تلك المتخصصة بعلم الجمال.. المهم الا نيأس و ان نحاول جادين فلابد ان نصل الى ما نبتغي.

*  لو لم تأتِ إليك الصحافة ..هل كنت سـ تركض إليها ..؟
بالتأكيد ..كنت ساركض اليها ...
ان الفن الصحفي غواية و بالعامية( سوسة ) لقد تمتعت حقا بالعمل الصحفي اذ كنت اجري المقابلات فاتعرف الى الفنانينن عن قرب و اسبر اغوار انفسهم و اصل في كثير من الأحيان الى أعماق ارواحهم . ثم التقي بهم بعد نشر اللقاء و استمتع بردود فعلهم على ما عريت من أرواحهم على الملأ..

مرة كنت في صالة ( آرام ) لعرض الاعمال التشكيلية . و هناك التقيت بفنان كهل يقترب من الستين من العمر. . تعرفت عليه كان الفنان ( صبري روفائيل) . و هو من مدينة الحسكة في شمال سوريا و فهمت منه أنه قطع مئات الكيلومترات ليصل الى دمشق ليعرض اعماله و كان صاحب صالة آرام قد اعتذر منه لان الصالة محجوزة لفترة طويلة. و شكا لي الفنان روفائيل اهمال الصحافة له و قال لي أنه من مؤسسي نقابة الفنون الجميلة وابرز بطاقته التي كانت تحمل الرقم 6 او 5 لا اذكر على التخصيص . وفهمت انه لم يبع لوحة من قبل و انه موظف و يمارس هوايتة و اليوم يحمل ستين لوحة و يريد عرضها في دمشق، وعرض عليَّ لوحاته فقلت له لماذا لاتعرضها في صالة المركز الثقافي العربي بأبي رمانة ووعدته ان اساعده في ذلك و كذلك باستدعاء من أعرف من وسائل الاعلام من اذاعة و تلفزيون و صحافة لتسليط الضوء الاعلامي على أعماله الفنية و على حياته كفنان بنى نفسه بنفسه.و في اليوم التالي علمت انه سيعرض في الصالة المذكورة بأبي رمانه. و قد أجريت لقاء مطولا مع الفنان روفائيل نشرته بالعربية في جريدة( تشرين) و بالانجليزية في ( سيريا تايمز ) و اتصلت بمن أعرف في الاذاعة و التلفزيون. فاجريت معه المقابلات و كذلك اتصلت بزملائي في الصحف الاخرى و جرى تركيز على معرض الفنان ليس له مثيل. و بعد عدة أيام زرته و قد نشرت المواضيع و المقابلات فرحب بي ايما ترحيب. و قال لي : أي اللوحات أعجبتك أكثر شئ. فأشرت الى لوحة. فقال هي هدية مني لك. فخجلت و قلت له و قد هم بنزعها عن الجدار ليقدمها لي . قلت له لن آخذها الآن بل عند نهاية العرض . وان بيعت قلن أقبلها بل تأخذ ثمنها انت بعد كل هذا العناء. و في يوم انتهاء العرض زرته و قد لاحظت البشر و الفرح على وجهه. فقال لي : أ تعلم لقد بيعت لوحات المعرض بكامله. ففرحت له كثيرا و باركت له . لكنه قال : قلت لمن اشترى اللوحات جميع اللوحات للبيع ماعدا هذه !! و أشار الى اللوحة التي قرراهدائها لي.
و لا تزال هذه اللوحة في منزلي و على قفاها اهداء الفنان بخطه . و هو الآن قد توفي منذ
سنين و سمي شارع باسمه في مدينة الحسكة . وانا اليوم اعتز بامتلاك هذا الأثر من الفنان ( صبري روفائيل( رحمه الله). وهناك الكثير من القصص و الحكايات و الناس الذين تجعلك الصحافة تعيشهم .

* لأن الصحافة عشقك ، لماذا لاتمطرنا من إبداعاتك الصحيفة بـمجلة أقلام؟
في الواقع انني نشرت في أقلام العزيزة بعضاً من مقالاتي و مقابلاتي المنشورة في الصحف السورية و غيرها و لكن هذا غيض من فيض كما يقولون .. وللاسف فإن ارشيف جريدة تشرين اليوم و الصحف السورية الأخرى وغير السورية لا يحتفظ بأرشيف الا فقط من عام 2005 و الكثير من الأعمال الصحفية الهامة المنشورة لي غير موجودة على النت بسبب عدم وجود ارشيف اليكتروني لهذه الصحف .. لقد أحضرت جزءا من ارشيفي الشخصي و لكن لدي مشكلة الوقت لان هذه المواد تحتاج لاعادة طباعة على الكومبيوتر و اعداد الصور من جديد .. وانا شبه أمي في هذا الاختراع العظيم المسمى ( كومبيوتر )و بطيئ للغاية في الطباعة .. وهذا احد ألأسباب في تأخر طباعة بعض كتبي أيضا.. ولكنني من وقت لاخر انشر في ( أقلام ) العزيزة بعضاً ممانشرت سابقا في الصحف . و لوعدت الى ( مشاركات العضو) في
( أقلام ) لوجدت الكثير من المقابلات و المواد المنشورة هنا في ( أقلام )!


* هل تؤيد من يقول بـ أن من يكتب الشعر المنثور هو مجرد جاهل بـ أصول وقواعد الشعر العربي الصحيحة وعاجز عن النظم الصحيح فـ يهرب من هذه الشروط إلى قطعة نثرية يسميها قصيدة ..؟
ان من يقول ذلك مخطئ و لا ريب . فقد تعلمنا في المدارس أوزان الشعر الخليلي. و بشيئ من المران سيستطيع أي انسان حتى لو لم يكن موهوبا شعريا ان ينظم الكلام و يجد القوافي المناسبة .
كانت العرب يدربون الشاعر بالطلب منه حفظ الف بيت من الشعر العربي ليدربوه على العروض و حفظ القوافي اي على الصنعة . ثم يطلبون منه ان ينسى كل ذلك . و يبدأ كتابة الشعر!!
ألا ترين معي انهم يسلكون بذلك مسلك أي حرَفي صانع كالحداد و النجار .. الخ.
اذن ليس النظم هو المشكلة بل الموهبة الشعرية و الثقافة الواسعة و بالطبع بضمنها معرفة العروض ولكن ليس شرطا ان يكون بارعا في العروض و الأوزان الخليلية . هذا رايي.
انا لدي قناعة ان ايقاع العصر الذي نعيش فيه تغير كثيرا عن ايقاعات العصر الذي صيغت فيه بحور الشعر . و ان الشاعر عليه ان يبدع ايقاعاته الخاصة و موسيقا قصيدته ينبغي ان يكون مناسبا للصور الشعرية و انتقاء الألفاظ .. ألخ.
ان شاعر قصيدة النثر أمامه ان يبتكر كل شئ و ان يدهشنا و يترك رعشة في ارواحنا من ناحية التصوير الفني و الايقاع و الموسيقا الداخلية كل ذلك لا ينبغي ان نكون سمعناه من قبل ..
و هنا يمتلك الشاعر ارواحنا و يترك فينا هزة الشعر التي نفتقدها في الكثير من الشعر الموزون للأسف. اذن شاعر قصيدة النثر ليس بالضرورة جاهل بأصول العروض و القوافي التقليدية الكلاسيكية بل انه اختار هذا الاسلوب لانه أكثر ملاءمة للعصر و لروحه و للحالة التي يعيشها الشاعر .

و لنا في الشاعرة المتألقة إباء إسماعيل خير مثال فهي تكتب بالطريقتين : قصائد موزونة و قصائد نثرية . و أنا ارى أنها تبدع في كل ذلك .. فهل يمكن ان يطلق ما قلت عليها؟؟!

* سقراط يقول : ( الشاعر ضوء ، شيء مجنح مقدس .. وهو لا يبدع ما لا يُلهم ويفقد وعيه ..ويبطل فيه عمل العقل )
ما رأيك بما يقول ..؟
ليقل سقراط ما يشاء،  أنا أقول الشاعر انسان موهوب روحه متميزة و متألقة و هذا ما يجعله يرى العالم بطريقة مدهشة و بايقاع و موسيقى روحه التي أبدعها.. ولذلك فهو يستولي على احساسنا و ارواحنا اثناء التفاعل مع قصيدته.. هذا رأيي.

*عندما تجد موهبة أمامك سواء شعرية أو تشكيلية كيف تتعامل معها ؟
وهل ينطوي تشجيعك على المجاملة أحيانا؟
 (مع أني أعلم بـ شدة بـ أنك تكره المجاملة كما تكره (شارون)
عندما أجد امامي موهبة سواء شعرية او تشكيلية اوكانت من أي نوع كان ، فان شعوري الأولي هو الفرح و الابتهاج .. فوجود موهبة يعني ان رؤى جديدة للحياة غير التي ألفناها ستاتي الى الوجود و ان هناك جمال جديد طازج سوف يؤلق أرواحنا قريبا .
و في الحال أشعر بمسؤوليتي اتجاه هذه الموهبة و احاول ما استطعت ان آخذ بيدها بكل ما أملك من معرفة و خبرة ان كانت في المجال الذي أعرفه أو اوجهها الى المنبع الذي يمكن ان تتهذب و تغتني به .
ان الانسان هو اجمل مخلوق في الوجود, وانا أفرح و ابتهج اذا رايت نبتة تنتش و تتفرع اوراقها اما عندما تزهر فكأن الحياة تتألق جمالا و حبورا
فكيف اذا كان ما يتفتح موهبة انسان..
ذلك هو الفرح الأكبر ..
و قد احتفيت أثناء مسيرة حياتي بالعديد من المواهب التي أعطيتها كل ما أستطعت من الثقافة و العلم و المعرفة و الخبرة.

أما عن المجاملة، فقد اصبت كبد الحقيقة فأنا أكرهها أكثر مما أكره شارون و اولمرت و جورج بوش.. ألخ..
وفي الحقيقة حفظت المثل الذي يقول ( صديقك من صدقك لا من صدَّقك ) و انا لا أزال طفلا صغيرا ..,
 وازددت تمسكا به مع مرور الأيام.
وان كنت في موضع لا استطيع ابداء رايي بحرية فاني ألزم الصمت
و لكني لم و لن اجامل أبدا
لان في ذلك خيانة للشخص الذي اجامله و كذب صريح يتناقض مع ما تربيت عليه من القيم و الأخلاق.

*  قطرات حنينك .. على من تنـزل ..؟
تنزل قطرات حنيني أولا على روح ملهمتي .. ثم على كل روح شفافة تحس بنبض الروح في لحظة المطر!!

* هل الحرف مقدَّس أبداً ..؟وإن كان ، فـ متى يُدنَس ..؟
الحرف .. الكلمة هو الانسان .. و لا اميل ان اضفي صفة القدسية عليه .. و لذلك فالحرف .. الكلمة .. القصيدة التي تخرج من القلب تصل الى شغاف الروح كما قالت العرب منذ القديم.. و من هنا فما هو حقيقي و ناجم عن موهبة حقيقية لا يدنس أبدا .. اما اذا رأينا حرفا مدنسا فهذا يعني انه ناجم عن روح مدنسة بالأصل .. وتلك ليست روح الشاعر الأصيل.

* لوحة طُبعت بـ روحك وذاكرتك ..لمن ..؟وحبذا لو وصفتها لنا ..
في الحقيقة ليست لوحة واحدة بل الكثير من الأعمال الفنية التشكيلية تأخذ بلباب روحي .. و اتمتع أيما متعة أثناء تأملي لها ..
ان هناك لوحات يصل النغم البصري فيها الى اعلى ماوصلت اليه أعظم سيمفونيات في عالم الموسيقا فانا مثلا أرى في جداريات مايكل أنجلو على قبة كنيسة السيستين أروع من سمفونية بيهوفن التاسعة (نشيد الى الفرح ).. كما ارى في( جرنيكا ) بيكاسو أعظم صرخة ندت من صدر الانسانية تجاه التعسف و الديكتاتورية و الحرب..
ويمكن أن استمر هكذا الى ما لا نهاية فالتحف الفنية في الفن التشكيلي كثيرة لا يمكن حصرها هنا.. المهم المقدرة على التذوق و التمتع باعجاز الابداع البشري الفذ.

* قصيدة لـ غيرك كتبتك ..؟ لمن وما هي ؟
كذلك في عالم الشعر كما في عالم الفن التشكيلي. هناك الكثير من القصائد العظيمة التي أدهشتني فعلا و لن اسرد لك قصيدة ما بل ساذكر آخر قصيدة هزت روحي فعلا و تركت في داخلي رعشة لا تنسى و هي قصيدة
 ( سمفونية الفجر و النار ) للشاعرة المتالقة إباء إسماعيل.. فاني اقرؤها كلما تعبت من اعباء و متاعب الحياة اليومية الروتينية المملة .. و اقف أمام تعبيرين هما ..( هينمة عينيكَ ) و (هينمة شفتيكِ ) .. إنني أكاد اسمع هذه الهينمة لقد اخترعت الشاعرة هنا تعبيرا يعبر عن الحركة و الصوت . و ظلال كثيرة تكاد لا تنتهي ..شي يشبه ما فعله الجواهري العظيم حين قال:
و سرت قصدكِ لا كالمشتهي بلدا و لكن كمن يتشهى و جه من عشقا
فتأملي معي هنا تعبير ( يتشهى ) و هو اقوي بما لايقاس مع قوله ( يشتهي ) و هنا استعار من شهوة الجنس لقوتها عند الانسان ليضفيها على البلد
 ( وهي دمشق هنا) ..
هذا و لم اتحدث الا عن تعبير واحد استولى علي في تضاعيف القصيدة. و قد قلت في تعليقي على القصيدة انها اكبر من ان تقطع اوصالها بالتحليل . فلا يجوز في حضرة الفن الأصيل سوى التمتع بهذا البهاء الذي قل نظيره!


*  شعور الغبطة بـ آخر مرة تجاه مَن أحسسته ؟
الشعور بالغبطة احسسته تجاه ملهمة لقصيدة من قصائدي لم التقيها الا عبر النت. وهي تجربة اخوضها للمرة الأولى في حياتي . لقد كانت قوتها الروحية قادرة على الاستيلاء على روحي حتى ولدت القصيدة رغم المسافات الهائلة التي تفصلني مكانيا عنها .. وكان تلكم اخر مرة شعرت فيها بالغبطة الحقيقية.

*  هل من مستفزة لـ حرف يوسف ..أم أنه يعاني الخواء ..؟
الشاعر الحق لا يعاني الخواء ابدا.. و دائما هناك مستفزات و محرضات تستكتبه .. وما ذكرته في السؤال السابق يعطيك دليلا على ما أقول.

* أنت ممتلئ داااائما بـ ....... ؟
بـ ماذا ؟؟؟
 إنني دائما على أهبة الاستعداد للامتلاء بفيض من روح تشبه تلك التي استولدتني قصيدة عبر النت دون ان اقابلها فعلا.. وهو ما لم يحصل في قصائدي السابقة أبدا. فقد كانت التجربة الواقعية بزخمها هي ما يولد القصيدة في داخلي.

*  هل فتحت أمامك الغربة عن وطنك الأم سوريا نوافذ الضوء على إبداعك أم غلّفتْهُ بالسواد؟! ..
لا احد منا اختار الغربة بل اضطر لمغادرة وطنه و الاسباب كثيرة .. ويحصل ان تستولي الغربة علينا فلا نستطيع منها فكاكا!!
يمكنني ان اقول انني كنت أعيش حياتي ، خصوصا في دمشق ، شعرا، قصائد يومية , و لم يكن لدي الوقت الا نادرا كي اكتب الشعر .. لان الحياة نفسها قصيدة ، و الشخوص الذين اختار صحبتهم قصائد تسير على الأرض..من زميلات و حبيبات و صديقات و اصدقاء!!.. ففي اللاذقية و دمشق عشت الشعر أكثر مما كتبته و تمتعت بالفن و كتبت عنه و قابلت فنانين كانوأ أكثر روعة من القصائد و اللوحات.. و قد تمتعت بصحبتهم و العيش معهم..

أما هنا في الغربة فقد كتبت و قرأت الكثير . و اليوم أعرف معظم الوسط الثقافي في المنطقة الشرقية من السعودية على الخصوص و البلاد بأسرها على العموم.. و لكن الحياة في دمشق امر مختلف!!
هنا كل شئ يسير ببطء: ايقاع الحياة نفسها ايقاع بطئ ..
الاهتمام أقل ..و هنا يندر النشاط الثقافي مقارنة بدمشق.. حيث كل يوم هناك جدول بالمواعيد و الاشخاص الذين ينبغي ان اقابلهم او الأحداث الفنية التي ينبغي ان احضرها.. ألخ
و نحن هنا فقدنا كثيرا اسمنا في وطننا .. فلا انا و لا انت معروفون كما ينبغي و بحجم قامتنا الثقافية كما لو كنا نعيش في دمشق.. وهذا خسارة على المستوى المعنوي ..و لكن لا يمكنني ان اقول ان الغربة غلفت نوافذ الضوء بالسواد ..
بل أقول انني لو استمرت حياتي في دمشق لكنت أكثر انتاجا من الناحية الثقافية و اكثر مكانة مما انا عليه اليوم.


* حين رادار الابداع، تظهر بوادره على المبدع والمحيطين به، كارثة ما، جنوناً ما ، شحنة مخبّاة في ورقة أو خزانة أو مدرسة ما ...
لأن الابداع وبوادره لايمكن أن تكون هادئة (كالعادة ) ،أو صامتة حسب(الأصول)... خارج أطوار العادة، وبعيداً عن طبيعة الفصول المألوفة عند بقية الأطفال العاديين .لامهرب إذن من أن تعترف لناوأنت أمام محكمة أقلام ، بظواهر إبداعاتك الجميلة منذ الطفولة على جميع محاورها
وماخفي عنا أيضاً ؟!!!!

لا بد ان للمواهب التي ظهرت على الطفل يوسف وهو الابن الثاني لاسرة كبيرة مكونة من خمس أخوات و أربعة أخوة مصادر في الاسرة نفسها ,
فجدي محمد شغري , وهو شيخ الجامع ، كان قد حفظ اثر عودته من السفر برلك ملاحم شعبية يتخللها الاشعار التي كان يغنيها غناء ويقص قصا ساحرا مثل ملحمة الظاهر بيبرس و قتاله للصليبيين . وقصة الزير سالم وغيرها ..كان يحفظها عن ظهر قلب .. و كانت الأسرة من أبنائه و زوجاتهم و ابنائهم و بناتهم يتحلقون حوله ينصتون مسحورين بروعة القص وجمال الاشعار التي كان , رحمه الله , يغنيها بصوته الجميل.
و المصدر الثاني كان زوجته الطرابلسية خديجة الحسن و التي كانت تحفظ من الحكايات ما لا ينتهي ابدا و كانت، رحمها الله،  تقول باسمه بوجهها الأبيض المضئ "سأمد يدي في الجراب و اطلع لكم حكاية!!" و كانت في كل مرة تروي قصة ممتعة تساوي لدي كل ما تقدمه وسائل الاعلام المرئية و المسموعة اليوم!!.
. و ازال الى اليوم تسحرني قصص والدي عن الحيوانات ( كالجحش و الزرع الذي أكله بدل ان يحرسه وكيف كان عليه ان يحلف على البحيرة و يحاول ان يقفزالى قمة شجرة اللوز!! لكنه يسقط في البحيرة حيث تسحبه أم عامر
 ( الضبعة) لتأكله....) و كذلك تعلمت من والدي ، رحمه الله ، اللغة الانجليزية التي كان قد تعلمها شفهيا من الانجليز الذين أتوا الى سوريا لانسحاب القوات الفرنسية من سوريا.

وفي مرحلة التعليم الابتدائي , عشقت الرسم و بدأت أرسم من الواقع و انسخ من المجلات المصورة كمجلة بساط الريح و سوبرمان اللتان كانتا تصدران من لبنان و مجلتي ميكي و سمير اللتان كانتا تصدران من مصر..
و قد كنت متفوقا في اللغة العربية و في التعبير على وجه الخصوص .
كما كنت دائما في اللجان الفنية في المدرسة الى ان جاء احد الفنانين ليعلمنا الرسم . و كان فنانا حقيقيا وقد اطلعنا في ذلك الوقت المبكر من حياتي على أعمال كبار الفنانين منذعصر النهضة عن طريق عرض كاتالوجات عن اعمال اولئك الفنانين اعتقد انها ملكه الشخصي. كما علمنا كيف ننظر الى العمل الفني و كيف نتحسس الجمال في الأعمال الفنية .
وقد سالته في يوم من الأيام ان كنت ساصير يوما مثل هؤلاء الفنانين العظام . فقال :" ان الفن في بلدنا لا يطعم خبزا و قد تمضي حياتك دون ان تضيف شيئا الى ما قدمه الفنانون قبلك .. و من يدري ربما تفعل."
هذا القول جعلني اتوقف عن الرسم و التركيز على اللغة الانجليزية التي تفوقت بها . حتى اذا دخلت الجامعة انتسبت الى كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية بجامعة دمشق. اما الظواهر الابداعية من تلك المرحلة فقد ضاعت للأسف كلها
و كان آخرها لوحة بالألوان الزيتية رسمتها عن المرآة لنفسي في نهاية دراستي الاعدادية . لا ازال احتفظ بصورة فوتو جرافية لها قبل ان تنتهي اللوحة. و كان هناك الكثير من الكتابات في تلك المرحلة .. لكنها كلها ضاعت للأسف الشديد!!

* بما يشبه الكلمات المتقاطعة ،
خلطنا الأوراق هنا، كمحاولة لسبر أبعاد شخصيتك المبدعة
من خلال ماتعنيه لك الكلمات التالية:

1- والت ويتمان
سحرني ويتمان من اللحظة الأولى لقراءتي لقصيدته الموسومة ( أغنية نفسي )
( A song of myself)
 و خصوصا استعماله الفعل الحاضر مما اضفى طزاجة على عباراته البسيطة و العميقة..
I celebrate myself, and sing myself,
And what I assume, you shall assume,
For every atom belonging to me as good
 belongs to you.

I loafe and invite my soul,
I lean and loafe at my ease observing a spear of summer grass.

انظري التأمل في الطبيعة و التصوير البسيط .. انه السهل الممتنع .. فنان عظيم استمتعت بقراءته بلغته الأصلية و ترك و يترك غبطة في روحي كلما تصفحت روحه في مؤلفه الموسوم (Leaves of Grass) .

2- الحداثة وهم أم واقِع؟!!
الحداثة واقع. و في كل زمان و عصر كان هناك حداثة . و هذه الحداثة سرعان ما تتحول المنتجات الابداعية الحقيقية الى كلاسيكية بالنسبة لما سيأتي بعدها اي انها تتحول الى تراث يضاف الى تراث الأمة . هذا ما حدث مع الانطباعية و غيرها من المدارس الفنية التي كانت تشكل ثورة في عصرما و خروجا عن السائد..  ولكن ينبغي ان نؤكد ان الحداثة ليست باتباع و تقليد ما ياتينا من الغرب .. كأنه الموضة .. بل بنفض التراب عن تراثنا و اغنائه والابقاء على الحي فيه و الانطلاق منه مستفيدين من آخر ماتوصل اليه العلم و الثقافة. اي ان الحداثة تكمن في تراثنا و فولكلورنا و لكن ليس بنسخه بل بالخروج عليه و لكن بعد فهمه و استيعابه..
و بالتأكيد لسيت الحداثة بتقليد ما يأتينا من الغرب الذي يريد ان يقولبنا وفق رؤاه الخاصة ومصالحه .

3- فان كوخ
فنان عظيم كان لتلقائيته و عاطفته السبق في ادهاشنا ابداعيا و لونيا و تعبيريا .
انه فنان حقيقي عظيم بكل المقاييس .
كان الفن بالنسبة له يوازي الحياة نفسها ..
وأنا لا امل من تأمل لوحاته :ألوانها القوية الجريئة التي تأسر الروح..
لفان كوخ مساحة من ارواحنا جميعا..
انه ساحر الروح و العاطفة أبدا!!

4- اللاذقية أو .. البحر
قلت في احدى قصائدي ( بحر اللاذقية .. صديقي القديم )..
أذكر في مطلع حياتي أنني أدمنت توديع الشمس يوميا على كورنيش اللاذقية.. أتأمل الغروب الدامي.. و لا أزال احب الى اليوم تلك الألوان الصريحة: أحمر فيرمليون و تدرجاته حتى البرتقالي و أزرق كوبالت بتدرجاته الساحرة
 ( كوتراست ) مدهش يترك دراما بصرية ممتعة.. و في اللاذقية عشت سنوات عمري حتى الثامنة عشرة.. وكنت كلما تعبت اتسلل وحدي الى ركن يكون البحر قريبا من قدمي .. وأتأمل الوانه و عمقه و غموضه و انصت الى سيمفونية موجه التي تشبه سمفونيتكِ الموسومة ( سمفونية الفجر و النار ) فتهدأ نفسي ، واعود مغسولا حتى حافة الروح.

5- حلم يستدرجكَ إلى واقِع
كل حالاتي الشعرية هي اما واقع يستدرجني الى حلم أو حلم يستدرجني الى واقع . و كلما حدث أحد الأمرين ، و كان حقيقيا ، اترك روحي لتلقائيتها .. و دائما أصل الى تخوم مخضوضرة ريانة أبدا. و في ذلك متعة من اعظم متع الحياة..

6- أدهم اسماعيل
الفنان السوري الكبير أدهم إسماعيل بالنسبة لي أول محاولة جدية لتأصيل الفن التشكيلي السوري.. بعد مرور الفنانين السوريين بتقليد الأسلوب الكلاسيكي و الأكاديمي من رواد الفن التشكيلي السوري..
أدهم اسماعيل لمسة هامة في اضفاء الشخصية العربية السورية باللون و تلخيص الشكل بالاضافة للموضوع في الفن العربي السوري ..

لمتابعة الحوار مفصلا، يرجى زيارة الرابط

http://www.aklaam.net/forum/showthread.php?t=11116




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home