قصة

 

الحاجز

أحمد صافي



بسم الله الرحمن الرحيم

كتبت هذه القصة القصيرة بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة ولقد فازت مؤخرا بالمرتبة الأولى في مسابقة ابداع التي اقيمت في الجامعة الاسلامية بغزة .

الحاجز

 تقترب الساعة من الثانية ظهرا, انظر إلى ورقة الامتحان بقلق, تتصبب يدي عرقا لا أستطيع التركيز فلم يعد أمامي سوى ساعة واحدة للموعد المحدد, بعدها قد لا أستطيع المبيت في منزلي. أغلقت قلمي ولملمت أوراق الإجابة سلمتها بعجلة للمراقب, ينظر إلي بعينين حائرتين كأنه يود أن يسأل لم التسرع, أتجه بنظراتي نحو الساعة خلفه فيستدرك نفسه بنظرات متفهمة يستلم الأوراق ولسان حاله يقول أعانكم الله. أسرعت نحو بوابة الجامعة وجدت أصدقائي ينتظروني هناك وقد امتلأت حركاتهم ونظراتهم قلقا وغضبا. _ لم تأخرت؟! _ حاولت أن أنهي ما استطعت من الامتحان, كيف كان امتحانكم ؟ _ ليس بمهم, المهم الآن أن نستطيع الوصول بأقصى سرعة, أم تود منا أن نبيت على (الحاجز)!! لم أعرف كيف أرد رغم ما بذلته من عجلة! , فتابعت طريقي معهم في صمت لم يقطعه سوى صوت فرامل سيارة الأجرة وصوت سائقها يطلب منا الصعود من دون الحاجة لسؤلنا إلى أين!. لم تمض سوى دقائق قليلة حتى وصلنا إلى (الحاجز), نظرت من حولي فإذا بها المعاناة نفسها, شمس صيفية تتربع وسط السماء وكيلومترات ممتدة, مريض هنا وشيخ مسن هناك, عجوز هنا, وهناك أم بأطفالها منهم من لم ير النور بعد. تنهدت بصمت لأكمل طريقي بين قصص من معاناة بشرية ترويها وجوه شاحبة مرهقة قد ملت الاستنجاد فلم يعد أمامها إلا أن تحتسب وتكمل طريقها بصمت... تابعت مسيرتي, الصور هي نفسها تتكرر كل يوم,بل تزداد اضطرابا شحوبا , لم يغيرها سوى صوت عذب رقيق تطرق إلى أذني فأتبعته بصري... قدماها الصغيرتان تداعب الأرض ببطء, ابتسامتها البريئة تقتل الإحساس بالألم طفلة بالكاد تبلغ العامين تضحك بلا هم, لا تعرف للخوف معنى ولا للموت اسم. تداعب الناس جميعا, منهم من يبادلونها العبرات الباسمة, وآخرون أعاقتهم همومهم من التبسم لطفلة صغيرة... مالت عن الطريق, تلاحق زهرة حمراء عبيرها مسك قد غطى المكان, ابتعدت أكثر بدأ يعتريني القلق لم أفكر قبل هذه اللحظات أين أمها أو أباها أو عائلتها...أهي ضائعة أم علقت في زحام الأرجل! . بدأ الوحش يتململ في مكانه, يهز قرنه الوحشي يمينا ويسارا ازددت رعبا اضيقت أنفاسي, أصبح ثلاثتنا في مستوى واحد, تناقض غريب لم أشهده من قبل, حركته كزلزال يرج الأرض براءتها كنسيم صباحي عذب, موت وحياة, خير وشر, سعادة وألم...كأن معاني الدنيا جمعيا امتثلت أمام عينيي, يتبعها بقرنه الوحشي مع كل خطوة تخطوها, تجمدت في مكاني لم أستطع الحراك انخفضت الجلبة من حولي حتى انعدمت لم يبق سوى صوت ضحكة صغيرة تنساب من بين الجموع  لتداعب أذني بلطف, أرفع نظري لأعلى حيث الوحش قد جمع كل قواه وصوب قرنه الوحشي لأنموذج الحياة, كأنها منافس عنيد أو فريسة سهلة, لا أدري قد يبدو الأمر له سيان... تزداد دقات قلبي وتنقبض, أغمض عيني وأفتحهما لأجد في كل مرة أن المسافة الفاصلة بين الموت والحياة تضيق وتضيق... أصرخ بداخلي, أحاول الحراك لم تسعفني قدماي كأنهما عامودان ثابتان في الأرض, لم يبق لي سوى الرجاء. فجأة يأتي صوت الأمل ويكسر الصمت من حولي... - ريم...ريم... مازال يتردد يقترب أكثر فأكثر, لم تمض سوى لحظات حتى رأيتها تعانق ريم تضم ريم بشدة لصدرها وتحملها لبعيد, لا أدري كيف ظهرت من بين الجموع !بكل سهولة اخترقت حاجز الخوف تعدت شجاعة الفرسان لم يكن أمام عينيها سوى ريم, تعصرها بين ذراعيها وهي تبكي وريم تبكي, تبكي زهرتها التي تركتها وحيدة, كأنها تعاتب أمها لم باعدت بينهما... تنفست الصعداء, لكني ما زلت جامدا في مكاني, يمر شريط لحظات قد خلت أمام عيني كأنه دهر كامل لم يوقظ جمودي سوى صوت أحد الأصدقاء... - هيا بنا لقد تأخرنا. - نعم هيا بنا. تمضي الأيام وتمر الأشهر تبقى ريم محفورة في ذهني لأراها في كل ما أرى, ها أنا ذا أعود اليوم للحاجز بدون حاجز, لأجد ريم على أطلال الوحش, تقطف الأزهار تلاحق الورود تنظر إلى أمها بضحكتها البريئة نفسها وتلوح بيدها الصغيرة لها, ثم تعود لملاحقة الأزهار ومداعبة الورود, أحضنها بنظراتي, أعانقها بابتسامتي, بكل خطوة تخطوها تنفرج أساريري أكثر فأكثر أود أن أضمها إلي واركض معها بين الورود. أرفع نظري لأعلى فلا أجد الوحش, أعلى قليلا فلا أرى الوحش, أعلى أكثر لأراه ليس ببعيد والدخان يتصاعد في أثره ومازال رافعا قرنه الوحشي, مكشرا عن أنيابه التي لوثت بالدماء, ومازالت تقطر دما...تتقلص ابتسامتي ولا تزول, لأن ريم التي أرى الآن هنا, أراها هناك وهي أيضا تقطف الزهور.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home