دراسات هامة

 

الفصول الفقهية شاهد على تراخي الجوهر الديني

الشيخ إبراهيم الجفيري



 

الفصول الفقهية

شاهد على تراخي الجوهر الديني

الشيخ إبراهيم الجفيري

يعجز الإحصاء عن تقديم إحصائية دقيقة، عن عدد ما ألف في الفقه الإسلامي، والمسلمون في حقيقة الأمر، لا يشتكون من قلة، في مجال التأليف الفقهي، لكن جميع هذه الكتب الفقهية، أو أكثرها، التزمت مسارا واحدا، في تبويبها وفهرستها، من دون أن ترى فروقاً جوهرية، بين كتاب فقهي، ألف في القرن الهجري الثالث، أو ألف في القرن الخامس عشر، وهذه الفهرسة معروفة، تبدأ بفصل الطهارة والذي يبدأ عادة بالكلام عن أحكام المياه، ومن ثم يأتي الوضوء، تليه الصلاة وأحكامها، ثم الزكاة وبقية العبادات تباعا، وهكذا إلى أن ينتهي كل كتاب فقهي كامل، إلى فصل يسمى فصل الديات، وهي الأموال التي تدفع عوضا في الجناية على الإنسان.

هذه هي فهرسة غالبية الكتب الفقهية بنسبة لا تقل عن 95%، ولا شك أنه ترتيب متميز كنسق فني، لكن ليس لهذا الترتيب أي فلسفة واقعية ذات أهمية، ولا هو بأمر الرسول (ص) ولم تلاحظ فيه الأولوية الفقهية الحقيقية، وإنما رتبت فصوله وفقاً للأولوية العملية للفرد المسلم، بعد أن انحسر الإسلام الحقيقي، من عقول المسلمين ونفوسهم، بفعل الإصرار الأموي الذي أصر على تفريغ الإسلام من محتواه، وتحويله إلى إسلام طيع في أيدي الولاة، يدور معهم حيثما داروا، فالمسلم الذي لم ير إلا هذا الإسلام، لا تعتبر أولويته، أولوية إسلامية، فالأهم عند هذا المسلم هي العبادة بمعناها السطحي ، العبادة التي لا علاقة لها بالعدل وإعمار الأرض ـ نعم العبادة هي الأهم في القرآن لكن بمعناها القرآني الشامل للحياة وإعمار الأرض على أساس العدل ـ فالأهم عند هذا المسلم هي العبادة وأهم عبادة هي الصلاة ولا صلاة إلا بطهور، لذلك ووفقا لهذا النسق، وهذه الأهمية، فإن الكتب الفقهية والبحوث والمدارس الفقهية، على مختلف مستوياتها، عادة ما تبدأ بفصل الطهارة مارة بالصلاة ومن ثم الزكاة وبقية العبادات ثم متابعة ذلك الترتيب إلى نهايته.

ولو كنا في مقام النقد الفني، وكان عمل المسلم الفرد، هو الأساس في هذا التبويب، لحاز هذا الترتيب درجة الامتياز، إلا أن هذا النسق الفني في عرض الأبواب الفقهية ترك أثرا سلبيا، وبدرجات عالية على التفكير الفقهي، وعلى العقل الإسلامي بشكل عام وعلى الحياة، من حيث ندري أو من حيث لا ندري، ولو بقي الأمر مجرد تنسيق للفصول الفقهية لكان فضيلة فنية، إلا أنه تجاوز هذا الحد وخلق انطباعا بأن هذه الأبواب الفقهية مرتبة حسب أولويتها في الإسلام، وهاهنا تكمن المشكلة لذلك لا اعتراض على أصل الترتيب، إنما الاعتراض على النتيجة السلبية التي انتهينا إليها بسبب ذلك والتي كان أول ضحاياها العدالة في الحياة، إن النتيجة لذلك كانت نتيجة سلبية للغاية، فقد شكل هذا الترتيب، ذهنية تؤمن بأولويات مخالفة لأولويات الإسلام، ولسنا في حاجة إلى أدلة دامغة أكثر من ممارسة الفقهاء أنفسهم، فكم يبذل الفقيه من وقت وبحث وتدريس وجهود، منذ أن يبدأ أول كلمة حتى ينتهي فقط من أحكام المياه؟ كم يستهلك البحث الاستدلالي في فصل المياه وحده، من عمر الفقيه بكل إمكانياته الفقهية، بحثاً وتدريساً وكتابة؟ قد يستهلك ذلك من عمره سنوات، وقد تذهب زهرة شبابه العلمي قبل أن يكمل هذه الأبواب الفقهية المتاخمة لحدود فصل المياه، أو فصل الوضوء، ولذلك لا نستغرب إذا لاحظنا ظاهرة لافتة، في دائرة التأليف الفقهي، تتمثل في كثرة الكتب الناقصة، وكثير منها لم يتجاوز فصل الطهارة، بسبب السنين الطويلة المبذولة في هذه البحوث، فكان من الطبيعي أن ينتهي العمر المعتاد، قبل أن ينهي الفقيه كتابه، وربما غير بعيد عن الحقيقة أن الكتب الفقهية التي لم تكتمل أكثر من تلك التي اكتملت!

فهل كل هذا البذل والجهد كان حسب الأولوية الصحيحة، هل أن الأولوية الفقهية لدى الإسلام متناسقة مع أولوية الفقهاء، وهل أن الفقهاء اعتنوا بمعرفة أولوية الإسلام الفقهية ثم حكموها في المجالات الفقهية بما في ذلك حق الأولوية في البحث والاستدلال وحق الشروع فيها قبل غيرها لما لها من الأولوية وما لها من تأثير على جميع الفصول الفقهية؟ أم أن ذلك لم يمر على تفكيرهم أساسا؟

إنه ليس معقولا أن يقوم كل هذا الصرح الكبير، من التشريع الإسلامي، من دون أن تكون له أولوية قصوى حاكمة، بمعنى سوء توزيعها على الفصول الفقهية ـ إن الذي ضيع كل هذه الجهود التي بذلت في الشأن الفقهي، وفي سائر حقول المعرفة الإسلامية، وما تزال تضيع، عدم الاكتراث ببلورة غاية الإسلام الأولى من كل هذا التشريع.

إن الذي يبدو واضحا، هو أن هذا الجانب قد أهمل على الرغم من أهميته البالغة في الإسلام، فلم يُبذل من الجهد ما يكشف عن انتباه الفقهاء، لهذه الأهمية ولو كان لبان كما يقال، إن عدم اكتشاف هذه الأهمية، أدى إلى اعتبار أن الأحكام الشرعية بجميع فصولها في مستوى واحد، وبالتالي فرض هذا الاعتقاد على الفقهاء الابتداء دائما وأبداً بالترتيب السابق، والذي يعطي الفصول الأولى حصة الأسد من جهد العلماء، ولاشك أن ذلك أثّر سلبا على الفصول الأخرى، التي لها أهمية بالغة، حسب رؤية الإسلام الفقهية، فلم تنل حظها من البحث والإهتمام بها بما يتناسب ومكانتها في الإسلام، ونتيجة لذلك أيضاً فإن الفصول الفقهية المرتبطة بالعدل، تأتي دائما في الترتيب الفقهي متأخرة، فالديات مثلا ـ وهو فصل من فصول العدل مكانه في هيكلية الكتب الفقهية في نهايتها، وهكذا فصل القضاء والحكم بين الناس، ومن ثم ما يتعلق بالشأن المالي وعناوين لها أهميتها في إثراء الثقافة الحياتية وذات علاقة مباشرة بالعدل، مثل المضاربة، المساقاة، المزارعة، الكفالة، الصلح، الرهن، الشركة، العارية، الإجارة، الوقف، الصدقات، الغصب، إحياء الموات، طرق انتقال المال، تداوله كالهبة، الوصية، الإرث، الديون، وغيرها مما له علاقة بحياة الناس، تثري ثقافتهم العملية والفقهية، لكن من المؤكد أن كثيرا من المسلمين لم يسمعوا مجرد سمع، بأكثر هذه العناوين، وذلك بسبب التركيز المضاعف على الجانب العبادي الذي سهله الإسلام كثيرا، والذي لا مجال للاجتهاد فيه، حتى قال (ص): "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولو وزنا ما كتب في الفصول ذات العلاقة المباشرة بالناس وحقوقهم والتي اهتم بها الإسلام كثيرا، وبين ما كتب في العبادات المكفولة للمسلمين، والمحددة لهم، والتي كان يكفي فيها أقل القليل مما كتب فيها، لو قارنا بين ما بذل في هذا وذاك، لرجحت بكل تأكيد كفة العبادات، مع أن اهتمام الإسلام تشريعياً واضح بكل ما له علاقة بالعدل، أكثر من غيره، والقرآن خير ما نعتمده في هذا، فعدد الكلمات المتصلة بالظلم أكثر بكثير من كلمات الصلاة والعبادة والصوم. ولأن الأهمية الفقهية القصوى، لصالح العدل في الإسلام، وجدناه هو الحاكم في كل شيء، فالطهارة لا تجوز بماء مغصوب، ولا الصلاة في مكان مغصوب، ولا النكاح في مكان مغصوب، حتى الزنا القهري يسمى في عصرنا اغتصابا، تمييزا له عن زنا آخر، ولا أكل مال الآخرين، ولا كل ما يتجاوز دائرة العدل، ويتشدد الإسلام كلما اشتدت درجة الظلم، كموقفه من مال اليتيم، ويمكن أن نلاحظ هنا كيف تأثر الجانب الاجتماعي كموضوع تعدد الزوجات باليتامى وأموالهم ـ مع أن لنا تفسيراً آخر لموضوع التعدد لكنه لا يخرج عن هذه الدائرة دائرة العدل ـ وكل ذلك بسبب تحكيم العدل كمحور له أهميته الفقهية في الإسلام.

إن الأولوية الفقهية يجب أن تنبع من اهتمام الإسلام بالعدل ونشره بين الناس عموم الناس، كما هو واضح من الغاية الكبرى لبعث الأنبياء عليهم السلام، قال سبحانه (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(الحديد: 25).

إن قيام الناس بالقسط هي الغاية الكبرى لبعث الأنبياء، منذ أول نبي إلى خاتمهم صلى الله عليهم جميعا، وحينئذ يجب أن نتساءل، ألا يجب أن نرى روح هذه الغاية، منبثة في كل منعطفات هذا الدين وتشريعه وقضائه وعقائده وعباداته وسائر مجالات أحكامه وتشريعاته؟؟ حتى أننا لو ظفرنا بحكم يخالف هذه الغاية، وفي أي فصل فقهي ألغينا ذلك الحكم، بل لو وجدنا حكما شرعيا صحيحا، لكنه يستغل استغلالا ظالما، وجب تجميد هذه الحالة، والمنع من استغلال الحكم الشرعي، وفقاً للقاعدة التي أسسها، الرسول (ص) ومن منطلق أولوية العدل في الفقه الإسلامي (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، إنه لما كانت الغاية من الحكم الشرعي هو العدل ألغى الرسول (ص) حق سمرة بن جندب في التردد على نخلته، لأنه أراد استغلال الحكم الشرعي للإضرار بالآخرين, هذه هي الأولوية الفقهية وهكذا يجب أن تسيطر وتحكم، فكان من اللازم فقهيا اكتشافها أولا، ومن ثم العمل على تحكيمها بالمستوى الطبيعي المنطقي، الذي يؤدي بنا أخيراً أن تكون العدالة في مستواها الذي يريده الإسلام من حيث اهتمام الفقهاء بها، والدعوة إلى تطبيقها وإبراز أهميتها في ثقافة الناس الفقهية والعملية، ومن حيث حظها ونصيبها في البحث والاستدلال، ما يكشف مكانتها في الحياة، حتى يكون كل من العبادة والعدل في موقعه، ومن دون ذلك، لن تكون حتى العبادة في موقعها المناسب، لأن موقعها المناسب حينما ترتبط هي أيضاً بالعدل قال سبحانه (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان: 13).

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home