القلم العلمي

 

عندما نطق السراة ومكونات ثقافة الأمة

أ.رضا رجب



عندما نطق السراة ومكونات ثقافة الأمة

أ.رضا رجب

تطبيق أية خطة تنموية أو نموذج واحد على بلدين مختلفين باتباع نفس المعايير، لا يعني على الاطلاق الحصول على نفس النتائج في كلا البلدين، فقد تنجح الخطة الاقتصادية في هذا البلد وتفشل في البلد الآخر نتيجة لاختلاف الثقافة. ولأهمية دور ثقافة أي مجتمع في نجاح أو فشل البرامج التنموية، ودور ثقافة العاملين في أية مؤسسة، نجد اليوم أن الجامعات قد أدخلت في مناهجها ما يعرف بــ (إدارة التغيير الثقافي) كأحد المواد الحيوية في علوم الإدارة نظراً للموضع الإستراتيجي لثقافة أي مجتمع في النهوض أو التدهور الاقتصادي.

لقد أدرك علماء الاقتصاد والاجتماع والإدارة وغيرهم حيوية دور الثقافة في بناء رأس المال الإنساني (Human Capital) الذي يُعد أهم وأكبر مصدر من مصادر النمو الاقتصادي إضافة لرأس المال الطبيعي (Natural Capital) ورأس المال المادي (Physical Capital )، بل توصلت بعض الدراسات المعاصرة إلى أن نسبة مساهمة رأس المال الإنساني في أي نمو اقتصادي تفوق نسبة الخمسين بالمائة مقارنة بالمصادر الأخرى، وفي حين يُعد رأس المال هو المحرك لأي نمو اقتصادي، أضحت القاطرة الفعلية لهذا المحرك هي القاطرة الإنسانية بوقودها الثقافي وعاد الكثير من الخبراء لبحث العلاقة المباشرة بين سياسات التعليم والتدريب من جهة والتنمية من جهة أخرى، وينظر اليوم إلى أي تراجع في رأس المال الإنساني على أنه بداية للتراجع في معدلات النمو الاقتصادي، فأصبح الإنسان هو البؤرة التي يتم التركيز عليها في أي خطط طموحة للنمو الاقتصادي وأضحى رأس المال الإنساني يقاس ويتم احتسابه في الميزانية العامة للشركات والمؤسسات المختلفة في الدول المتقدمة.

الأمة في التقارير الدولية

لقد مثّل التراجع الحاد في مؤشرات التنمية الإنسانية والوضع الاقتصادي المتردي على الدوام علامة بارزة عند الحديث عن الدول العربية والإسلامية من قبل المحللين السياسيين والاقتصاديين، فجميع التقارير الأممية حول الوطن العربي والدول الإسلامية الأخرى تتفق جميعها تقريباً في توصيف واقعنا الراهن بالمتخلف والمتدهور وفي أحسن الأحوال يتم وصفها بالنامية مقارنة بالدول المتقدمة. ويمكننا أن نلحظ تفصيل ذلك في تقارير التنمية الإنسانية العربية المتتالية الصادرة عن الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة والتي كان آخرها تقرير عام 2004.

ونظراً للدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة الخاصة بأي مجتمع في التنمية الشاملة، فقد عكف العلماء على تحليل هذا المفهوم وتفكيكه والولوج إلى مكوناته في محاولة لفهم دوره في حياة الإنسان وصياغة سلوكه العملي، فاتفق العلماء بشكل عام في تعريف الثقافة على أنها ذلك المركب الكلي والنمو التراكمي المخزون في الذاكرة والمكون من محصلة العلوم والمعارف الإنسانية والأفكار والمعتقدات والأخلاق والفنون والآداب والقوانين والأعراف والتقاليد والموروثات التاريخية واللغوية والبيئية التي تصوغ فكر الإنسان وتمنحه الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تصوغ سلوكه العملي في الحياة وتؤثِّر في تفكيره وفي فهمه للأشياء. هذا المخزون الحي قد يتمثل لدى الشعوب على شكل عقيدة حية فعالة محركة لما يصدر عن أفراد الشعب من قول أو عمل، وما ينجزه على الصعيدين الفكري والعملي الفردي والاجتماعي على السواء من مهام ووظائف. وحيث أن الثقافة تعد الركن الأساسي لأي بنيان حضاري، فإن هذه الحضارة وبعد قيامها تشكل مكوناً أساسياً جديداً للثقافة المستقبلية، في علاقة نمو متبادل بين الثقافة والحضارة. فالثقافة تحدد الإطار العام لإنسانية أي إنسان ومعارفه، وركناً أساسياً في سمو أي حضارة ورقيها.

مكونات الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة ومصادرها

لنا أن نحدد ثلاثة مصادر رئيسية تشكل الينبوع الذي نستقي منه هذه الثقافة، أولها وأهمها، الإسلام والحضارة الإسلامية، ويليها في الأهمية تلك الحضارات العربية القديمة التي عرفتها المنطقة، كحضارة عرب وادي النيل والحضارة السومرية والبابلية والآشورية والأكادية والفينيقية والفارسية وغيرها، أضف إلى ذلك ما نأخذه اليوم من الحضارة الغربية وما يترتب على الاحتكاك المباشر بين شعوبنا.

تلك المكونات ومصادرها نجدها مخزونة إما في ذاكرتنا، أو يمكن الرجوع إليها في حوامل رئيسية أو قواعد بيانات تضم الآلآف المؤلفة من كتب التفسير والحديث والروايات والتاريخ والجغرافيا وغيرها...

ماذا جرى لمصادر الثقافة العربية الإسلامية؟

الواقع الراهن للأمة والإنسان العربي والمسلم هو محصلة تراكم الماضي بكل تفاصيله وجزئياته، وثقافة الأمة التي تعد الركن الأساسي لحضارتنا اليوم، ووقود رأس المال الإنساني للعربي والمسلم، هي تراكم لمحصلة ما سبق.

ولكن هل نبتغي من وراء هذا السرد توجيه اللوم للإسلام؟! أو الحضارات العربية الأولى ؟!، وهل نرمي من وراء هذا الربط إلى القول بأن تخلفنا يقبع وراءها أو أنها السبب في ما آل إليه حالنا؟!!

لا يستطيع أيٌ كان توجيه اللوم للإسلام المحمدي، الذي شعّ بنوره على قارات الأرض جميعا، فالحضارة الغربية المتقدمة برمتّها.. مدينة للإسلام، ولا يكاد أي مفكر أو فيلسوف غربي منصف يمر بالتاريخ إلا وذّكر بهذه الحقيقة، ولعل مقولة "أناتول فرانس" حول التراجع العربي في الأندلس لخير مصداق على هذه الحقيقة (أن أسوأ يوم في التاريخ هو يوم معركة (بواتييه) عندما تراجع العلم والفن والحضارة العربية أمام بربرية الفرنجة، ألا ليت شارل مارتل قطعت يده ولم ينتصر على القائد الإسلامي عبد الرحمن الغافقي) وهي المعركة التي شكّلت هزيمة المسلمين فيها بداية التراجع في الأندلس. إذ لولا الحضارة العربية الإسلامية لما قام إنسان الكهف القديم من سباته ليؤسس ما عرف لاحقاً بالنهضة الأوروبية.

ولا يستطيع أيٌ كان توجيه اللوم للحضارات العربية الأولى التي علمت البشرية، والتي أنصفها المؤرخون أخيراً حينما وجدوا بما لا يدع مجالاً للشك أن حضارات الإغريق والرومان مدينة لها في كل موضع بلغته، وأن حضارة الإغريق في مجملها لم تكن سوى شرفة من حضارات الشرق العربي الأولى ـ على حد تعبير المفكر الفرنسي الراحل "بيير روسي".

لقد وجهّنا الدعوة للأمة من خلال مشروع "عندما نطق السراة"، بضرورة الفصل بين مفهومين متشابكين في أذهاننا، وهما الثقافة الإسلامية وثقافة المسلمين المعاصرة، فالثقافة الإسلامية والإنسانية التي خرجت من تعاليم السماء والأنبياء والمصلحين والمعلّمين التي نبعت في هذه الأمّة ثمّ خُتمت بالنور الذي شعّ من مدينة الرسول (ص) هي التي أعطت العالم تحضّره ورقيه، وهي التي تدين لها حضارة الغرب المعاصرة في ما وصلت إليه، في حين أن ثقافة المسلمين المعاصرة هي في مجملها محصلة ذلك المركب الكلي والنمو التراكمي للحقب التاريخية التي أعقبت البعثة المحمدية، والتي امتدت لها أيدي فريق من اليهود عندما أدرك خطورة الدين العالمي الخاتم على البرامج والمخططات التلمودية، ناهيك عما فعله الحكام الأمويون والعباسيون والعثمانيون وغيرهم من الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت على رقاب المسلمين من عبث في تراثنا وتاريخنا تحقيقا لأغراض سياسية، فنجد حاكماً مسلماً يقوم بسجن من يقول بخلق القرآن، يتبعه حاكمُ آخر يقوم بسجن من يقول عكس ذلك، لتخرج الأمة من ظلام إلى ظلام، فهذه المحصلة هي التي ساهمت وبقوة فيما نحن فيه من ذل وهوان وفشل حطّ على الأمة وكأنه من سنين الأبد.

إن النتيجة التي خلص إليها مشروع "عندما نطق السراة"، هي أن راس المال الإنساني للأمة ـ والذي لن تكون لنا قيامة من دونه ـ قد تكبد أضراراً فادحة، تارة على يد أبنائها وتارة على يد أعدائها. فالبنية التحتية لثقافة الأمة والمتمثلة بالمركب الكلي والنمو التراكمي المخزون في ذاكرة الإنسان العربي والمسلم قد تعرضت للتحريف والتشويه، والحوامل الرئيسية التي تضم هذه المكونات والتي تغذي ثقافة المسلمين المعاصرة قد تعرضت للعبث، وبالتالي مُسخت تلك الثقافة الأصيلة النقية التي جاءتنا من الحضارات العربية الأولى في سومر وبابل ووادي النيل وغيرها ومن مهبط الوحي عبر الأنبياء (ع) سيما خاتمهم (ص)، واستبدلت بما أراده أعداء هذه الأمة لها.

الآثار التي ترتبت على تشويه ثقافة الأمة

"الإسلام صالح لكل زمان ومكان"مقولة يرددها الكثير من المسلمين، لا تستقيم هذه المقولة للبحث العلمي ولا المنطق المتجرد من العواطف، إذ تتنازع الكثير من المفاهيم التي يعتقد بها العديد من المسلمين ( ثقافة المسلمين لا الثقافة الإسلامية) ويروجون لها مع فطرة الإنسان السوّي، في تناقض واضح مع قول الله عزّ وجلّ في محكم كتابه (..فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ..) (الروم:30)، ولعل الحكم الفقهي بنجاسة غير المسلمين والموقف من الموسيقى والعديد من المفاهيم الأخرى ترد إلى ذهن القارئ وهو يقرأ هذا الموضوع.

نرى أن موضع المرأة اليوم في الحياة العامة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يرجع إلى جذر ثقافي ذي صبغة دينية، ففي حين يرى الباحث كيف عظّم الإسلام من مكانة المرأة وأخرجها من مهانتها قبل البعثة المحمدية، نرى في الوقت نفسه كيف تم تغييب دورها اليوم، بل وسجنها اجتماعياً في بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة استناداً إلى بعض المرويات التاريخية المنسوبة للنبي (ص)، وبالتالي تم شطب نصف الأمة من خلال مسخ منظومتنا المعرفية بما لذلك من انعكاسات حادة على أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ونحن على يقين أنه لو قام عدد من الخبراء بتحليل الآثار الاقتصادية فقط والخسائر التي تمخضت عن تغييب دور المرأة والقيود التي تم نسجها من مخيلة فهم خاطئ لتعاليم السماء، لصدمت الأمة من هول هذه النتائج.

ونرى أيضاً كيف انقسمت الأمة الى فرق واشتعلت حروب الطوائف والمذاهب بعد أن وحدها الإسلام على يد رسول الله (ص)، نجد في المرويات ما يغذيها ويعمق الهوة بين أبنائها، فسوغت هذه الحروب لفعلٍ طالما حذر منه خير البرية النبي محمد (ص)، إلا وهو (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، فاتجهت طاقات المفكرين والعلماء كلٌ لإثبات صحة وجهته، عوضاً عن توجههم لردم هذه الهوة ومواصلة تحقيق الأهداف السامية التي بُعث من أجلها النبي محمد (ص). ونترك للقارئ تقدير الفوائد التي كانت ستعود على الأمة فيما لو توحدت طاقات علمائها ومفكريها لنشر مفاهيم الدين العالمي الخاتم ونشر ثقافة السلم التي دعى لها الإسلام.

ونرى اليوم كيف تم ترسيخ مفاهيم في ثقافة الأمة نُسبت للإسلام زوراً، دُست من قبل أعدائها لتحقيق مآرب لا حصر لها، من قبيل الخضوع لولي الأمر برا كان أم فاجرا، والخلط ما بين الذل والضعة والتواضع، فأصبح الخضوع والاستسلام للضيم في ثقافة شرائح متعددة... تواضعاًً، أو في أحسن الأحوال تسليماً لقضاء الله وقدره. الدعوة الإسلامية لتحرير الناس من الاستعباد والتي تمثلت في مقولة " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " لم تجد لها موطئ قدم في ثقافتنا، فالاستبداد وانعدام الحريات قد اختفى من العالم أو كاد، إلا أنّ هذه الأمة ـ التي علّمت العالم معنى الحرية ـ قد كُتب لها أن تعيش كحال أوروبا في قرونها الوسطى، ولعل القارئ يدرك صورة النتائج التي يمكن أن تتمخض عن دراسة آثار هذه المفاهيم المغلوطة على واقعنا الاقتصادي والاجتماعي.

اغتصاب فلسطين هو الآخر قد تمت التوطئة له ثقافياً، من خلال ترسيخ الإسقاطات الجغرافية لكل التسميات التوراتية للعشائر اليهودية البدوية على المنطقة من الفرات إلى النيل، ففي حين لم يتطرق القرآن الكريم من أوله لآخره إلى أي ذكرٍ لفلسطين أو جنوب سوريا أو أي حق لليهود في هذه المناطق، نجد أن المعلومات التي ترسخت في ثقافة الأمة تقول أن فلسطين هي أرض الأنبياء (ع)، وأنه كانت هناك لبني إسرائيل مملكة في يوم من الأيام، وأن رحلات إبراهيم (ع) من أور (العراق) إلى مصر وادي النيل كانت من خلالها، فأضحت من المسلمات لدينا ولدى العالم أن أرض إبراهيم هي الواقعة بين النيل (جمهورية مصر العربية) والفرات (العراق)، وأن موسى (ع) كان في مصر وادي النيل، في مغالطات تاريخية دفعت الأمة لها من حاضرها ومستقبلها ما لا يمكن احتسابه، ولعل القارئ يدرك معنا أن تحرير الأرض يتطلب هدم الأرضية المعرفية المزيفة التي وطأت لاحتلال الأرض.

نجد أن المفاهيم الأخلاقية التي جاء بها القرآن قد أصبح كثيرُها مفاهيم سائدة في المجتمعات الغربية، بل وعلوماً تدرّس في جامعات الغرب، وورش العمل المدفوعة الأجر، وسيجد كل مطلّع على أدبيات الإسلام أن كثيراً من المفاهيم الأخلاقية التي نادى بها القرآن والنبي محمد(ص) قد أضحت بنية تحتية لعلوم القيادة والإدارة في جامعات الغرب – وإن تنكرت تلك الجامعات لذلك - ، إلا أننا نفتقدها في ثقافتنا التي أخذت تراوح بين الاستبداد والكهنوتية، ذلك الذي دفع عالماً مفكراً كالسيد جمال الدين الأفغاني أن يقول عندما وصل أوروبا انه وجد هناك (في أوروبا) الإسلام من دون المسلمين، ناهيك عن مختلف العلوم الأخرى التي تغلغلت في مختلف التخصصات العلمية.

فمشروع "عندما نطق السراة" كان دعوة لغربلة مكونات ثقافتنا، وبالتالي ترميم رأس المال الإنساني لهذه الأمة والذي أصبح بعد العبث به ممسوخاً مشوهاً، وأضحى من العسير حصر آثار هذا التشويه ونتائجه، إذ لم تنج أي من الحوامل الرئيسية ( المكاني ـ الزماني ـ السكاني ) من التحريف والتزوير، إلا أن حْفظ الله عزّ وجلّ لكتابه الكريم يبقى على الدوام هو الأمل وشعاع النور الذي يُرتجي من خلاله التوفيق لإصلاح كل عطَب، بعد أن ترفع عنه أية وصاية تدّعي معرفة الحقيقة المطلقة.

جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home