القلم النقدي

 

طاغور .. أكمل فنان عرفه العالم

ياسر غريب - مصر



طاغور .. أكمل فنان عرفه العالم
بقلم ياسر محمد غريب-مصر


الأديب الكبير رائد من رواد البشرية، يسبق خطاها ، ولكنه ينير لها الطريق، فلا تنقطع بينه وبينها الطريق ، وهو رسول من رسل الحياة إلى الآخرين الذين لم يمنحوا " حق الاتصال " كما منحه ذلك الرسول ، فهو يطلع من خفايا الحياة على ما لا يطلع عليه الآخرين ، وهو يحسها في صميمها مجردة
عن الملابسات الوقتية والحدود الزمنية ، يحسها كما انبثقت أول مرة من منبعها الأصيل ، وكما تدفقت غير متقطعة في مجراها الواسع الطويل . والأديب
الكبير ليس هو الذي يصف لنا الأشياء الموجودة في الحياة ، بل الذي يكشف لنا أسرار الحياة الكامنة في الأشياء .
وسيد قطب يمثل لنا الأديب الكبير بشاعر مثل طاغور الذي يصف مكانته بأنه في القمة العالية ، لأنه على اتصال دائم بالنبع الكبير ، وكل جزئية من جزيئات
حياته متصلة بما وراء الستار ، وهو قادر على أن ينقلنا دائما عن طريق الخاطرة الجزئية الوقتية إلى الإحساس الكلي بصلتنا الكبرى بالحياة ، وهذه ميزة
لا تتوفر إلا لعدد قليل جدا من الشعراء .
وإذا كانت ستون عاما قد مرت على رحيل شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور فإنه ما يزال واقفا في مقدمة شعراء الإنسانية العظام الذين وقفوا فنهم على
الدعوة إلى الحب والسلام والإخاء بين البشر .
ولد رابندرانات طاغور في " كلكتا " بالبنغال في 6 مايو 1861 م أي في السبعينات من القرن التاسع عشر ، أي في العقد الذي سجل ميلاد مواهب أخرى في أقطار مختلفة من العالم . أضافت بدورها إلى حصيلة التراث الإنساني شيئا جديدا نافعا مثل : غاندي في الهند ، ورومان رولان وأندرية جيد من فرنسا ، وأنطوان تشيكوف من روسيا ، وجون جالزورثى من إنجلترا .وفي أسرة طيبة تحترم العلم وتقدسه ، وفي دار كان يمثل قبلة للمثقفين
ومنتدى للثقافة والفن نشأ طاغور ، وكان والده قد استدعى له مؤدبين ومعلمين على مستوى راق لتعليمه في بيته – بعد فشله في الانتظام بالمدرسة – حيث أبدى اهتماما لا مزيد عليه بالدراسة والعلوم والأدب .وإذ بدأت موهبة طاغور الإبداعية تنمو مبكرا ، حيث بدأ في نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من عمره ؛ فقد لقي اهتماما كبيرا لذلك من أسرته ، ويذكر أن والده اطلع على شعره ذلك فأعجب به ومنحه عند ذلك مكافأة قدرها 500 روبية .وأرسله أبوه وهو في السادسة عشرة إلى إنجلترا ليكمل تعليمه ، فاتجه إلى لندن بقصد دراسة القانون ، إلا أنه ما لبث أن اتجه إلى الأدب وترك القانون فتفرغ لدراسة الشعر الذي خلفه شكسبير وملتون وشيلي ووليم بليك ؛ ثم عاد إلى وطنه بعد عام واحد فقط ، قضاه في لندن غارقا في خيال الشعراء الإنجليز . وكان لهذه الرحلة أثرها الكبير في أدب طاغور من جوانب عديدة ، فبجانب إطلاعه على الثقافة الغربية التي كان لها تأثير كبير في أدبه وفنه ، كان هناك جانب آخر لا يقل أهمية وهو أن إجادته للغة الإنجليزية جعلته يترجم أعماله بنفسه أو يشرف هو شخصيا على ترجمتها مما جعلها تعبيرا صادقا عن نفس الأديب
دون أي تأثير للمترجم الغريب ، كذلك كانت اللغة الإنجليزية وسيلة طاغور الوحيدة للتفاهم مع أدباء العالم المختلفين الذين التقى بهم في رحلاته المتكررة إلى بلاد العالم المختلفة .
وقد أصدر طاغور ديوانه الأول باللغة البنغالية عام 1909م وأطلق عليه اسم " جيتانجالي " أي " قربان الأغاني " وترجم هذا الديوان إلى الإنجليزية عام 1912م ، وكتب مقدمته الشاعر الأيرلندي الكبير وليم بتلرييتس الذي احتفى به احتفاء كبيرا وسعى إلى ناظم الديوان إلى أن التقيا في لندن ، حيث جمعتهما صداقة وطيدة دامت سنوات طويلة ، وانتهت بوفاة وليم بتلر في عام 1936م .
يقول بيتس في مقدمته : " لقد حملت معي مخطوط هذه الترجمة أياما ، وكنت أطالع فيه في القطارات وفي عربات الأتوبيس وفي المطاعم ، وكثيرا ما كنت أكف عن المطالعة ، فأغلق المخطوط خشية أن يلحظ على أحد جنوني به ، فهذه القصائد الغنائية قد استعرضت بأفكارها عالما كم تمنيت – في أحلامي –
أن أعيش فيه " .
واستقبل العالم الديوان استقبالا حافلا سواء في ترجمته الإنجليزية أو
ترجمته الفرنسية التي قام بها الأديب الفرنسي " أندريه جيد " حيث نال طاغور
عليه جائزة نوبل عام 1913م ، وتنازل طاغور يومئذ عن قيمة الجائزة لمدرسته
التي أنشأها في بلده .
وإذا كان طاغور لقي هذا التكريم من الغرب ، فقد تعرض طاغور على مكانته الشعرية الكبيرة ، لما يتعرض له المبدعين والنابغين من جحود ونكران في أوطانهم ، ووجد إغفالا في تقدير قيمته الأدبية ، وعندما نال طاغور جائزة نوبل تنادى قومه للاحتفال به ، فقال في شيء من الاستهانة والازدراء : ( إنهم يكرمون التكريم ) . فهم لم يفطنوا لقيمته إلا بعد أن نال جائزة نوبل .وقد استقبل بشيء من الجفاء ، وفد كبير جاء لتهنئته بهذه المناسبة ، ولم يخف المرارة التي كان يحسها لإغفال القوم لشأنه .وفي قصيدة رائعة تحمل معنى العتاب أكثر مما تحمل طابع الحقد أو النقمة ، وتصور واقع الحال في علاقته مع البيئة التي عاش فيها ...

في الصباح
ألقيت شباكي في البحر
واستخرجت من اللجة المظلمة
أشياء غريبة المنظر ، رائعة الجمال
بعضها يتألق كأنه ابتسامة
وبعضها يلمع كدمعة
وبعضها وردي كأنه خدود عروس
وحين عدت إلى بيتي في نهاية المساء
حاملا غنيمتي
كانت حبيبتي تجلس في الحديقة
تنزع في كسل بتلات زهرة
وفي تهيب واحتشام
وضعت تحت قدميها كل صيدي
فنظرت إليها في استخفاف ، وقالت :
ما هذه الأشياء الغريبة ؟
لست أدري ما نفعها ؟
فأحنيت رأسي في خجل وفكرت
" لم أصارع في الحصول عليها
أنها ليست جديرة بك "
ولبثت طوال الليل
ألقيها واحدة واحدة في الطريق
وفي الصباح جاء المسافرون
وجمعوها ، وحملوها إلى بلدان بعيدة "

ويقول خليفة محمد التليسي في مقدمته لترجمة أعمال طاغور إلى اللغة العربية
: لا يعرف الشعر العالمي الحديث شاعرا استطاع أن يجمع في باقة شعرية واحدة
الشعر والدين والفلسفة ، دون أن يجور واحد منها على الآخر كما فعل طاغور ،
ومن هنا نسبت إليه صفة الشاعر الفيلسوف . ولكن طاغور لم يكن فيلسوفا
بالمعنى الأكاديمي ، ونسبت إليه صفة الشاعر المتدين ، ولم يكن طاغور متدينا
بالمعنى التقليدي المتزمت ، ولكن أعظم صفاته حقا أنه كان شاعرا عظيما اتسع
قلبه لكل القيم الإنسانية الرفيعة ، فكان منه هذا الرمز الذي يعانقه المسيحي
فيشعر بقرابة المسيحية ، ويقرأه المسلم فيشعر له بقرابة الإسلام ، ويعانقه
أي مؤمن بأي دين وعقيدة تعلى من شأن الإنسان .
وإن كان إبداع طاغور وليد ثقافات مختلفة ؛ كالثقافة الهندية التي حاول
طاغور الإعلاء من شأنها بكل الوسائل الممكنة لديه ، والثقافة الغربية حيث
أحسن قراءة الآداب الأوربية والإنجليزية خاصة ، وأفاد من هذه القراءات في
تطوير أسلوبه والظهور كشاعر مجدد في الأدب البنغالي ، فقد كان للثقافة
الإسلامية الأثر الأكبر في تكوينه الثقافي ، فقد كان الإسلام من الأديان التي
يحترمها طاغور ويعلم تلاميذه احترامها ؛ فقد ولد طاغور في إقليم البنغال ،
في بيئة يهيمن عليها العنصر الإسلامي ، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الإسلام
هو أحد ثلاثة ركائز قامت عليها الروحية الهندية والثقافية الهندية
التقليدية والمعاصرة بصفة خاصة ؛ وهي الهندوسية والإسلام والثقافة الغربية
الوافدة مع الاستعمار البريطاني . وقد تفاعلت هذه العناصر في التكوين الفكري
والوجداني لطاغور بما يظهر أثره واضحا في إبداعه .
وديوان " جنتجالي " يغلب عليه النزعة الصوفية بشكل يتفق كثيرا مع الأثر
الذي تركته الثقافة الإسلامية في نفسه فالتصوف عنده ليس ابتعادا عن الناس
والحياة الاجتماعية ، ولكنه إدماج في مشاغلها وهمومها ، والنهوض بأعبائها
ومسئولياتها ، ورفض التعلل بالانعتاق من الروابط المادية واليومية ودعوة إلى
الاقتداء بالخالق الذي أخذ على نفسه أن تكون مع خلقه في تسيير أمورهم ،
وفي ذلك يقول طاغور :

لتكف عن إنشاد أناشيدك
وتلاوة تراتيلك
من الذي تعبده في هذه الزاوية المغلقة المنفردة ؟
في معبد أبوابه كلها مغلقة
لتفتح عينيك وتنظر
إن إلهك ليس هنا … إنه هناك
حيث الحراث يحرث الأرض الصلدة
وحيث يجهد عامل الطريق ، في كسر الحجارة
إنه معهم في الشمس الساطعة
إنه معهم في الأمطار الهاطلة

فالتصوف عند طاغور ليس عزلا ونسكا أو زهدا وانصرافا عن الحياة العلمية،
ولكنه إدماج في هذه الحياة ، حتى يعاني الشاعر ويحاول أن يحقق أمالها ؛

لا يا أيها الأصدقاء
لن أكون ناسكا أبدا
مهما قلتم
فلن أكون ناسكا أبدا
إذا هي لم تقدر نفسها للنسك معي
إنه من عزمي الثابت … أن لا أكون ناسكا
إذا لم أجد مأوى ظليلا … ورفيقة لتوبتي
لا أيها الأصدقاء
لن أترك دفء الحياة العائلية وبيتي
إذا لم ترن ضحكات بهيجة
في ظلاله المرددة للصدى
وإذا لم ترفرف للريح
حافة لحاف زعفراني اللون
إذا لم تجعل همسات ناعمة
صمت الغاب أكثر عمقا
فلن أكون ناسكا أبدا

وهنا يلتقي طاغور بشاعرنا العربي إيليا أبو ماضي في تصوره للنسك والارتباط
بالصوامع ، وضرورة أن يحيا الإنسان في مجتمعه ، يعايش معاناته ليقدم له ما
يستطيع أن يقدمه ليكون نافعا في مجتمعه حين يقول :

إن تلك العزلة نسكا وتقى فالذئب راهب
وعرين الليث دير حبه رض وواجب
ليت شعري أيميت النسك أم يحي المواهب ؟!
كيف يمحو النسك إثما وهو إثم ؟!
لست أدري ..

إن شعر طاغور عميق يفيض بالنضارة والإشراق ، وينشر السرور في النفس ،
ويضيف الأستاذ خليفة التليسي : قد تلتقى في شعر طاغور باللوعة ، وتلتقى بالحزن
، وتلتقى بالفاجعة ، ولكنك لن تلتقي بالتشاؤم والنظرة السوداء ، فهناك
تقبل لكل ما تقضى به النواميس الإلهية ، وعدم تمرد على إرادتها ، وشعور بأنها
تخفى في خيرها وشرها أهدافا لا يبلغها فهمنا المأخوذ بالعابر السطحي
والزائل الفاني .
وقد حلت ذكرى ميلاد طاغور الثمانين ، فاجتمع الناس للاحتفال به وتكريمه،
لكنه لم يكن في حال تسمح لهم بمشاركتهم إذ كان المرض قد سرى إلى جسده
الرقيق فأقعده عن الحركة ، وفي أثناء مرضه ذلك هرع الشاعر ذات ليلة إلى القلم.
وعلى التحديد في الليلة قبل الأخيرة من شهر يوليو 1940م وراح يسطر أحاسيسه
شعرا حتى انتظمت له قصيدة رائعة قال فيها :

ها قد أزفت ساعة الرحيل
إني أمضى صفر اليدين
لكنما الأمل يغمر قلبي
إن الطير في فضائه يحلق
لا ليجوب الفضاء
وإنما ليعود – من حيث أتي – إلى عالمه الأعظم

ولم تكن تمضي ثماني أيام على هذه الحادثة ؛ حتى فاضت روح الحارث العظيم –
فهكذا وصفه غاندي – في السابع من أغسطس 1941م .. لم تحلق في الفضاء ،
وإنما عادت – من حيث أتت – إلى عالمها الأعظم . ويصف طاغور هذا الرحيل بقوله :

كنت أظن أن رحلتي
قد أوشكت على الختام
وأن قواي قد بلغت غاية الإنهاك
وأن الطريق أمامي مسدودة
وأن زادي قد انتهى
وإنه ربما حانت ساعة الانسحاب
إلى الصمت والظلام
ولكنني اكتشفت أن إرادتك لا تعرف نهاية لى
وعندما تموت الكلمات القديمة
تتدفق أنغام جديدة من القلب
وحين تضيع الطرق القديمة
يبدو في الأفق
وطن رائع جديد

وإذا كان النقاد والمؤرخين قد أجمعوا على أن رابندارانات طاغور كان فنانا
بمعنى الكلمة فقد وصفه أحدهم بأنه " أكمل فنان عرفه العالم " وهو الدكتور
سوكومارس مؤلف تاريخ الأدب البنغالي . وأضاف : " إن المرء يحس - إذا ما
لقيه أو قرأ له - بأنه يقترب من جبل شامخ من جبال التجربة والحكمة
الإنسانيتين.
ورحل طاغور بعد أن شغل العالم بموهبته أكثر من نصف قرن . غير أن العالم لم
ينس هذه الموهبة التي شغلته وإنما استضاء بنورها وقبس من إشعاعها ، كما لم
ينس هذه الموهبة التي شغلته وإنما استضاء بنورها وقبس من إشعاعها ، كما
تنبأ أبوه من قبل ، وقال إنه كالشمس سيجوب العالم ويهتدي الناس بنوره .


المراجع

1. هكذا غنى طاغور ترجمة خليفة التليسي
2. طاغور شاعر الحب والحكمة على شلش
3. النقد الأدبي سيد قطب
4. منهج الفن الإسلامي محمد قطب
5. ديوان الخمائل إيليا أبو ماضي
6. قصة الحضارة ويل ديورانت




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home