قصة

 

صراخ صامت من بعيد

هانى سويلم



 

 

اهداء

****

اهدى هذة القصة الى كل من يتطلعون الى الانسانية العليا, و التراحم بين البشر

 

***********************************************

 

صراخ صامت من بعيد

**************

ترك لها الزمن مسحة من الجمال, وترك لها زوجها بعد رحيلة رغبة الى الجنس الآخر, انها فى سعة من العيش تجعلها فى عيون الرجال مرغوبة, اسمها "عقيلة هانم" حرم المغفور لة" شرف الدين ابو العز"

تجاوزت الخامسة و الثلاثين بقليل, ممتلئة الجسم عامرة بكل ما يجعل رؤوس الرجال تتهاوى وتنحنى, اضف الى ذلك غناها الذى يجعل منها مطلبا للرجال الذين يعشقون المال و الجما ل.

ممتلئة الجسم ذات طول مناسب,لها من العيون كل السعة مع انف دقيق , وينحدر النظر فيقع على شفتين من الكريز الاحمر, وما يلبث النظر ان يدوخ فيقع على صدر رجراج عامر بالحيوية.. اما الخصر فهو جميل مازال رشيق ,ودائما ما يترك الرجال لها الطريق وهى تسير , فالسيقان تغريك بالنظر اليها وهى تسير امامك.

ماذا يطلب الرجال اكثر من هذا!!

مال وجمال وانوثة ورغبة.

لها ابنة واحدة انها" سلمى" تدرس الان ادارة الاعمال فى امريكا وهى سعيدة هناك, ودائما ما تراسل امها اسبوعيا بخطاب تعبر فيه عن شوقها وافتقادها الى حبها الدافىء فى تلك البلاد الباردة.

كانت "سلمى" بنت "عقيلة هانم" تعيش فى امريكا مع خالها الدكتور"عصمت عرفان" فى احدى ناطحات السحاب, ولهذا الدكتور شهرة كبيرة فى مجال تخصصة.. فى القلب فهو من اوائل الاطباء الذين قاموا بعمليات القلب, فهو خبير بكل اسرار تلك العضلة التى لاتتجاوز قبضة اليد, لة وسامة خاصة فهو اخ "عقيلة هانم"

وكانت الرسائل لا تنقطع بين القاهرة وامريكا.

"سلمى" تحتاج الى  امها و نصائحها رغم انها تعيش مع خالها وزوجتة امرأة عارية من كثير من مظاهر الانوثة., انها دكتورة فى علم النفس البشرية و تبادل سلمى الحب و العطف و تشجعها على ان تقول لها دقائق اسرارها لكي تعينها و توجهها إلى الطريق السليم, بعيدا عن اجواء الحياة المسممة بالرزيلة و الفجور.. الا ان "سلمى" لم تنس امها رغم ذلك, فكانت دائمة الكتابة اليها تحكى لها اسرارها و عواطفها.. تحكى لها عن امريكا و فرحتها  الغامرة بالاشياء الباهرة التى توجد فى المدن الامريكية, فهى قد زارت مدينة نيويورك بلد رجال الاعمال و ناطحات السحاب العملاقة, وقد زارت واشنطن العاصمة التى نسقت فيها الحدائق البديعة و التى تموج بالحركة و النشاط طول اليوم, ان واشنطن كنيويورك فى الحركة الدائبة و النشاط ولكنها قليلة فى المبانى التى تعانق السحاب.

امى.. اننى لى من الاصدقاء الكثير معظمهم من البنات فلا تخشين, فأنا حريصة على الا اقع فى حب مع احد لان غالبيتهم يتعالون لأحساسهم بأن بلادهم ذات حضارة حديثة, ولكن هيهات فحضارة بلدى مصر اقدم واعرق وينقصنا الاصرار على التقدم وحب العمل.

واذا صادقت معك القول امى فإننى اقول لك ان هناك بعضا من الاصدقاء الشبان من الامريكيين لهم مزايا خاصة, فهم على درجة كبيرة من الرقى و الادب, احدهم يدعى"ريتشارد" انة خجول ولكنةغنى فوالده صاحب مصانع سيارات. اما صديقى الاخر فهو "روبرت"انه من النوع الذى يريد ان يشعرك بأنه على معرفة بكل شىء فهو غنى بثقافتة واثق من نفسة الى ابعد الحدود, ولا يمتقع لونه وهو يبادلنى الحديث كما الحال مع " ريتشارد", وهم يا أمى العزيزة يتميزون كغيرهم من الاجانب بالشعر الناعم الجميل... لا تخافى امى ان هذا لن يغرينى بأن ادعو احدهم ان يقبلنى!! فألاول خجول اما الآخر فلم ار منه حتى الان نظرة شاردة.

امى العزيزة.. اننى بخير مع خالى وزوجتة فهما يكنان لى عطفا وحبا ويوفران لى سبل الراحة و الهدوء لكى اتمكن من اتمام الدراسة هنا  فأنا فى شوق  الى رؤياك واننى اعد الايام عدا لكى اسافر اليك فى الاجازات الدراسية.

سلامى وقبلاتى اليك امى العزيزة.

كانت الدموع تتكون فى مقلتيها وتنحدر على خدها الناعم الجميل وتسقط على خطاب ابنتها الملقى على فخذيها, ولم تنتبه من موقفها هذا الا على دخول خادمتها"صابرة" تخبرها بموعد العشاء.

وعلى ضوء الشموع الخافتة – هى تفضل ذلك- كانت تجلس فى وحدة مفزعة على طاولة الطعام, الشموع هذه كانت تذكرها بأيام خلت ولن تعود.

ومن بعيد كانت خادمتها "صابرة" تنظر اليها وترثى لحالها, فقد لازمت سيدتها منذ ان كانت  سيدتها فى بيت والدها, وعندما اقترنت "عقيلة هانم"بزوجها انتقلت "صابرة" مع سيدتها  الى بيت الزوجية.

كان عمر "صابرة" فى ذلك الوقت لا يتعدى العاشرة, اما هى الان فقد جاوزت العشرين من عمرها

هى فى مقتبل الشباب كما تدعى هى نفسها وتخشى ان يفوتها القطار كما تقول!!

"صابرة" ممشوقة القوام واسعة العينين لها شعر طويل لكنه مجعد دائما تخفية فى غطاء ابيض اللون وهى فى البيت, اما فى حالة الخروج للتسوق فأنها ترتدى غطاء شعر احمر اللون, لكى يشيع فى الجو المحيط بها نوع من الاعجاب, كذلك ليشع الدفء و الهلع و الرغبة فى قلب "حميدو" ذلك الشاب الذى تجاوز العشرين من العمر, فهو ينظر الى بنات حواء بنهم كبير ولا يترك احداهن تسير امام محله المتواضع الا و يصرخ بود من قلبة بجملة "يا جميل محلاك".. يتبع ذلك سيل من الكلمات الحلوة المحببة الى قلوب البنات حتى تختفى المارة من امامه فى شارع جانبى.

كان "حميدو" هذا شاب من " اولاد البلد" فخور بنفسة لة شارب كثيف يغطى جزء كبير من فمة, رقيق الجسم يرتدى جلباب وهو فى محلة, اما ايام الاجازات و الاعياد فهناك فى حجرتة المتواضعة بدلة رقيقة الحال أعطاها اليه احد البكوات, كما كان هو نفسة يقول فكان لا يخجل من ذلك, بل انه يرى ان الجلباب اكثر راحة من هذة التكتيفة و, يقصد بذلك البدلة رقيقة الحال.

و " حميدو: هذا متمرد بعض الشىء, فكان لا يرتدى طاقيتة الا عند النوم او عندما يريد ان يكون شعره جميلا فى الصباح التالى و وغالبا ما يكون هذا الصباح عطلة له من العمل المرهق الذى يؤديه فى كى الملابس لاهل الحى, ترك الدراسة بعد وفاة والده لكى يستطيع تدبير قليل من المال يقتات بة هو وامه.

ورث "حميدو" المحل عن ابية الذى توفى متأثرا بشرب الخمر و تعاطى كل انواع المخدرات التى اذا ندرت فى سوقه اياه كان يلقى فى جوفه كميات من الاقراص المخدرة التى تحضرها لة ام" حميدو" وهى متأففة وبعد سيل من الشتائم التى كانت تثير ابنها" حميدو" وتجعلهم فى شجار دائم.

ولم يشأ الابن ان يرفع يده على ابية فقد كانت لدى "حميدو" بعضا من الاخلاق.

الموت هو الذى انهى الاشكال الدائم, توفى والده وترك لة امه وهذا المحل .

لم يحزن " حميدو" كثيرا لموت ابيه وان كان قد اغلق المحل عدة ايام تاركا على بابة جملة تفيد ان والده المرحوم" عبد المعطى عبد الباسط" قد لقى ربه فانا لله وانا اليه راجعون.

تقبل "حميدو" العزاء عدة ايام فى حوش بجوار حجرتة, وفى اليوم التالى لذلك ذهب الى محله والقى بضع دلوات من الماء بعد ان ازاح التراب بعيدا, وعلى صوت " وابور الجاز" بدأ عملة فى كى الملابس بنفس راضية, اما امه فقد حزنت لفراق زوجها حزنا كبيرا, فبدأت فى الضعف يوما بعد يوم, الا انها ورغبة منها فى البقاء تركت كل هذا واتجهت لمشاركة " حميدو" فى عملة بالمحل, فقد كان دورها احضار الملابس من العمارات المجاورة, ثم تقبع بعد ذلك بجوار المحل لبيع بعضا من علب السجائر, والمناديل الورقية.

ومرت الايام بحلوها ومرها واصبحت نظرات " حميدو" اكثر جرأةً فى النظر الى بنات حواء, وكانت امه تلاحظ ذلك وادركت بفطرتها انة يريد الزواج فهمست لة بأنه قد حان الوقت بأن يختار شريكة حياته لكى تستريح امه ويهدأ بالها من ناحيته.

تردد " حميدو" بعض الشىء.. الا انه استرجع طبيعته وقال لأمه:عندما يريد الله لى ببنت الحلال

فقالت الام: يابنى انهن كثيرات وعليك ان تختار وانا على ان اكلم لك امها, مارايك فى "نفيسة" بنت " مرجان نصار"صاحب عربة الكشرى التى على ناصية الحارة, ام ماذا تقول فى "تفيدة" بنت الاسطى "عبدة" السائق.. انها جميلة و مؤدبة مثل " نفيسة" تمام, طيب.. تقول اية فى " صابرة" الشغالة عند المرحوم" شرف الدين ابو العز".

وهنا احمر وجة "حميدو", وبشعورالام وبفطرتها عرفت ان ابنها لة هوى فى "صابرة", فأكثرت المديح فيها و اخذت تعدد من مواطن الجمال فيها و "حميدو" يستمع الى امه وعلى وجهة ابتسامة عريضة, حتى كاد ان يلسع يده من المكواة.

كانت امام " فيلا القمر"التى تقطن فيها "عقيلة هانم" من الناحية المقابلة بناية من خمسة ادوار ملك المحامى المشهور " تيمور حسين" يقطن هو و اسرته فى الدور الثالث و الرابع اما الادوار الاخرى فهو يؤجرها للغير, وكان لهذا المحامى علاقة عمل مع "عقيلة هانم" فهو الذى وقف بحانبها بعد وفاة زوجها واستخلص لها حقوقها من براثن اقارب زوجها الذين طمعوا فى نهب ما يمكن نهبه , كانوا كثرة امام زوجة وحيدة لاحول لها ولا قوة, ارادوا اخراجها من الفيلا ويحتلوها لانفسم  لان الفيلا مكونة من ثلاثة طوابق, الطابق الاول مكون من صالة واسعة فى وسطها يتدلى من السقف نجفة كبيرة وعلى الارض سجادة كبيرة بأتساع الصالة وكمية كثيرة من كراسى "الاوبيسون" منسقة فى انحاء وجنبات الصالة, وهناك بار جميل وعلى جانبى الصالة يوجد فى الجانب الايمن حجرة واسعة للاستقبال تزينها احدث ما فى عالم الاثاث من رقى وذوق رفيع, و بجوار كل كرسى من الكراسى الفاخرة توجد مجموعات من الاصص لنباتات الظل اضفت على المكان راحة وجمال, اما الجانب الايسر للصالة فهو مكتب المرحوم" عز الدين ابو العز"  , انها حجرة مكتبة التى كانت تموج بالحركة و الزيارات من رجال الاعمال و اصدقاء العمل.

اما الدور الثانى فتوجد به اربعة حجرات للنوم اعدوا اعدادا راقى يخال لمن يرى حجرة منهم و خاصة حجرة المرحوم كأنك فى عالم الف ليلة .. هنا كان يتلمس ويهمس.. هنا كان يقترب و يقبل.. هنا كانت الحياة و الرغبة, ولكن هكذا الايام, لقد انتزع الموت منها زوجها وترك لها الذكريات الحلوة وكثير من المشاكل مع اقاربه الذين لم يرحموها ولم يتركوها و شأنها.

وقد خصص الدور الثالث للجلوس تحت اشعة الشمش, فقد كانت جوانب الحجرات من الزجاج مغطاة بستائر جميلة زاهية اضفت على المكان جمالا, لقد كان هذا الدور مخصص لايام الشتاء المشمسة فى الشتاء, وليالى الصيف بنسماتة الجميلة فى الصيف.. ايام وليالى قضوها معا فى حب و غرام كانت نتيجته بنت تحاكى امها فى كثير من تفاصيل الوجة و استدارة الصدر مع التفاف القوام.

كان المرحوم كثيرا ما يمازح زوجتة فيقول لها: ان " سلمى" قد سرقت منك الجمال كله وتركت لك القليل, اننى احبها كثيرا واننى اذوب فيك حبا ايضا.

لقد توطدت علاقة الاستاذ" تيمور حسين" المحامى بالسيدة" عقيلة هانم", فكان عونا لها و مساعدا لها فى مشاكل الميراث, فقد تمكن ذلك المحامى من احرازكثير من التقدم عندما حكمت المحكمة بفضل مرافعتة البليغة بأحقية امتلاكها للفيلا التى تقطن بها,وفى احقيتها فى الكثير من العمارات التى كان يمتلكها زوجها فاصبحت تملك الكثير هى وابنتها" سلمى", فحمدت الله كثيرا و انزلقت دمعة حائرة على وجنتيها وهى تتجه الى المحامى لتشكره على مجهوده الكبير.

وقد كان تردد"عقيلة هانم" الى مكتب المحامى" تيمور حسين" لغرض النقاش فى امور الارث, اما الان وقد انهى لها كل مشاكلها مع الارث, فقد كان يجب ان ينقطع الاتصال بهذا المحامى .

فى امسية من ليالى الصيف الجميلة, وبعد ثلاثة ايام منذ زيارة"عقيلة هانم" الاخيرة لمكتب المحامى, زار المحامى هذا ومعه زوجتة "صفية" فيلا القمر لكى يقدموا لها التهنئة لتلك المناسبة, وتوطدت العلاقات بعد ذلك  وتبادلوا الزيارت , والتسوق معا فقد اصبحت " صفية" زوجة المحامى صديقة عزيزة عند "عقيلة هانم",ونجحت " صفية" هذه فى انتزاع كثير من الهموم و الاحزان وخاصة بعد سفر ابنتها " سلمى" الى امريكا, بعد ان اطمأنت على املاكها و املاك امها وبعد ان حصلت  فى نفس العام على الثانوية العامة و سافرت الى امريكا لكى تدرس ادارة الاعمال فى احدى كلياتها.

استقرت الحياة.. وسارت الامور رتيبة, وخيم الهدوء على فيلا" القمر".. الفيلا التى كانت تموج  يوما برجال الاعمال و الاصدقاء...........................................

  

 

اصدقاء لم يبق منهم الا عائلة المحامى"تيمور حسين".. هكذا الايام غادرة, تنصل منها اقارب المرحوم منذ الصراع الكريه الذى دار فى المحاكم.

 

افكار كثيرة متباينة كانت تدور فى رأس "عقيلة هانم" وهى جالسة بمفردها على كرسى وثير سارحة بعيدا هنا وهناك ناظرة الى الشموع المرتبة فى شمعدانات من النحاس اللامع....... وفجأة صرخ الهاتف بجوارها محدثا رنينا شديدا.

كان على الطرف الاخر من الهاتف" صفية" زوجة المحامى المعروف, تبادلن الكثير من شتى المواضيع وقبل نهاية الحديث دعتها " صفية" للسهر لديهم لاحتفالهم بنجاح ابنهم"تامر" فى كلية التجارة ادارة اعمال.

الحفلة محدودة العدد, فيوجد هناك بجوار منضدة كبيرة عم" تامر" فى حديث مع الاستاذ"فتح الله" المحامى الصديق الحميم للاستاذ" تيمور حسين", اما زوجته فهى فى صحبة مع اخريات مندمجات فى حديث اخاذ !!

اما خال تامر الطبيب الجراح فهو بالقرب من البار يتبادل الحديث الهامس مع زوجته ولا غرابة فى ذلك اذ انهما فى شهر العسل,  وعلى احدى كراسى حجرة الصالون جلست" عقيلة هانم" تتناول قطعة من " الجاتوة" مع كوب من الشاى المضاف الية قليلا من اللبن, وبجوارها "صفية " صديقتها الحميمة فى حديث عن هذا الولد الشقى الذى ما زال عند اصدقائه من الصباح بعد ان تأكد من النتيجة بالنجاح... واثناء الحديث عن" تامر" ظهر من بعيد وسلم على الجميع واتجة الى حجرة الصالون فى ارتباك شديد بعد ان لمح" عقيلة هانم" التى لم تتردد فى ان تمنحه قبلة النجاح و هو فى اشد الحيرة و الارتباك امام والدته, الا انة بدا وكأنة تغلب على ذلك ورجع الى طبيعته الشقية وبدأت نظراتة تغوص فى صدر" عقيلة هانم" خلسة من وراء والدته.. فهو شاب لة من الوسامة ما جعل حياتة الجامعية زاخرة بصحبة معظمهم من الجميلات, جال معهن فى جولات وكانت معهن كثير من الذكريات الحلوة... انه" تامر"ذو شعر بنى اللون مقصوص بعناية يتركة ينساب مع الهواء عند كل التفافه, حسن الحديث من النوع الذى يمكن ان نطلق علية جذاب, فهو من هؤلاء الصيادين المهرة الذين يعرفون جيدا اسرع الطرق لايقاع الصيد فى الشباك, ولقد كان سبب ارتباكة يوم حفلتنا هذه هو انة كان ينظر الى "عقيلة هانم" نظرة خاصة.. نظرة كلها رغبة , وقد فوجىء بها امامه, بل وفوجىء بها تقترب منه وتضع على خدية قطعتين من الكريز الاحمر الناضج, ولم ينس ذلك ابدا  !!

لم ينم ليلتها, فقد ظل طول الليل يخالها امامه وهى تتقدم ببطء وتقبله ورائحة العطر الفرنسى مازال شذاه حوله,اى قوام هذا واى جمال !!انها عامرة الصدر ملفوفة القوام, وما اجمل من السلسة الذهبية التى كانت ترتديها يتدلى منها عصفور رقيق من الذهب ما يكاد يظهر حتى يسرع مختبا بين نهديها.

لم ينم ليلتة هذه.. فلقد بات له انها تتعمد اثارته بصدرها الجميل وفمها المغرى.. لم ينم ليلته فقد قالت له وهى تقبلة وتضغط على يده: مبروك ياولد النجاح.

ولقد كان اهتمام " تامر" بها, منذ فترة طويلة, انه يعلم ان فى الفيلا المقابلة لهم امرأة جميلة للغاية, مات زوجها وتركها وحيدة.. ولافكار فترة  الشباب افكار, ومنذ ذلك الزمن وهو يراقبها بأعجاب مفرط , يهتم من بعيد بشؤونها فيدعو والدته ان تزورها دائما, فدائما ما يذكر والدته بهاتف المساء مع "عقيلة هانم" ويغلف قوله بشىء من التهكم ... هكذا كان يفعل.

او كان يجلس فى المساء بجوار الهاتف ينتظر رنينة معلنا ان هناك على الطرف الاخر من الهاتف "عقيلة هانم".

هى كل تفكيره, وزاد من حبه لها بعد ان منحته قبلة النجاح... اصبحت هى التفكير ذاته... انها كل حياته.فلا عجب اذا طال التفكير فى شخص ان يصير التفكير هو حياته التى يحيا بها.. كان يرغب فيها وكفى.. كان لدية رغبة شديدة ان يعوضها بعد وفاة زوجها.

كيف نام ليلته هذه.. لقد رأها.. رأى حبيبته وهى تصرخ وحولها الامواج شديدة وترفع كلتا يديها نحوه وهى تكاد تغوص وسط الامواج...... استيقظ من نومه واضاء الانوار واشعل سيجارة من التبغ واخذ منها نفسا عميقا.. ثم ارخى رأسه بين راحته وغاب فى تفكير بعيد.

لم تفت ليلته  التالية ايضا من كابوس اخر, فقد رأى حبيبتة كما لو كانت فى صحراء مقفرة وهى تجهش بالبكاء....

اما ليلته الثالثة فقد كانت بين يدية وعلى ثغرها ابتسامة حارة فى فمها.

  

اجتهد فى عمله واقام لامه بجوار المحل "كشكا" لبيع السجائر وبعض الحلوى مع جرائد الصباح والمجلات

ومرت الايام... وبالاجتهاد الشاق فى العمل تمكن"حميدو" فى ان يحول هذا " الكشك" الى مكتبة صغيرة عامرة بمعظم متطلبات الحى من اقلام وكتب مدرسية...

اصبحت الحياة شبه مقبلة عليه كرغبته فى حبيبته" صابرة"... وما العجب فانه يشقى كل هذا ويتعب من اجل ان ترضى عنه و ترضى به زوجا لها.. لقد تمكن بالكاد من توفير مبلغ ضئيل من المال, ظن انه ثروة واية  ثروة... هكذا حال الفقراء من الناس..... اصبح لديه ثروة تمكه من الذهاب مع والدته للذهاب الى تلك الفيلا التى توجد بها حبيبته"صابرة".

كان "حميدو" هذا لايعرف عن"صابرة" هذه اى شىء عن والدها انه يراها امامه حلوة يخفق لها قلبه وهى تتسوق لسيدتها, فلا بئس على سيرتها فقد مدح فيها معظم رفاق "حميدو" و باركوا خطواتة فى خطبة"صابرة" من سيدتها.

فى امسية من ليالى الصيف الحار جلس" حميدو"امام حجرة شديدة التواضع , المطلة على زقاق شديد الضيق, واخذ يفكر فى امور الدنيا , هنا الفقر المدقع, وهناك الغنى الفاحش.. هكذا الاقدار.

فجأة انتبة من شروده على صوت امه من داخل الحجرة الضيقة تناديه لكى تصرف عنه الهموم, وعلى "طبلية من الخشب اكل عليها الدهر منها اجزاء, جلس "حميدو" امام امه التى كانت تتناول طعام العشاء المكون من بضعة ارغفة عفى عنها الدهر, مع قطعة من الجبن وشرائح من الطماطم.. وفقط اللهم كوب من الماء يده مكسورة. وبعد ان دست امه فى فمها قطعة كبيرة من الخبز  قامت وهى تقول: سوف اعد لك يابنى كوبا من الشاى, ونتكلم فى امور تهمك كثيرا.

لقد كان فى نبرة صوتها ما ينم الى ان حديثها سوف يتطرق الى"صابرة", وزاد من ذلك انه رأى امة تغمز له بأحدى عينيها, وربتت على كتفه بحنان الام. وعلى فراء قديم من جلد خروف مضى عليه الدهر وانتهى جلس "حميدو" ينتظر كوب الشاى, وهو يسمع من قريب صوت "وابور الجاز" و الماء يغلى بداخله.. اخذ نفساً طويلاً من سيجارته وهو ينظر الى امه وهى قادمة نحوه ممسكة بكوب الشاى, وناولته له, وجلست امامه بعد ان اغلقت باب الحجرة حتى لايسمعها احد من الجيران, وفى محاولة يائسة لتبعد عنه جزاء من هموم الحياة قالت له: ان والنبى شفت "صابرة" اليوم, حلوة قوى يا"حميدو".

هز "حميدو" رأسه مع ابتسامة شاردة انتشلتة من تفكيرة فقد قاسى "حميدو" منذ صغرة من شظف الحياة وخشونتها.. لم يتلقى تعليمة الا بضع سنوات لم تثمر عن شىء, يكتب اسمة بصعوبة مع معرفة بسيطة بمبادىء الحساب رغم ذكائة فى المدرسة, ولكن لم يجد اليد التى تحببة فى القرأءة و الحساب.. والتعليم فى حد ذاتة يعتبر ترفاً للفقراء.. فمن اين يدبر للفقير قلماً و كراسة وكتاب وهو فى حاجة ماسة لرغيف من الخبز, فلقد كان ابوة يعانى كثيرا من الامراض, اضف الى ذلك ولع

ابوه بالمكيفات, والمال قليل وظروف الحياة من الصعب تصورها لكى تكتب على الاوراق.

لم يجد ابو"حميدو" بدا من ان يشغله معة فى محلة بدلا من دراسة لاتسمن ولا تغنى من جوع !!

وذات يوم , وبدون ترتيب, فى الصباح امر" عبد المعطى عبد الباسط" من ابنه "حميدو" ان يسبقة الى المحل وعليه ان يترك المدرسة الى الابد و قال له" المدرسة لن تطعمنا ولن تقينا من برد الشتاء هذا.

ازهلت تللك الكلمات ه الطفل"حميدو".. فهو مازال فى عالم الطفولة لم يدرك الحياة بعد, ولم يستطع "حميدو" ان يمنع دمعتين فرتا من عينية وانحدرت فى بطء شديد على وجنتية, ولم ينس "حميدو" منظر امه وهى تجهش بالبكاء وتربت على كتف ابنها, والدموع تنهمر بغزارة من عينيها.

وفى صوت من الرعد سمعا " عبد المعطى عبد الباسط" يقول:بسرعة تعال ياولد بسرعة.

انفلت الابن من احضان امه, ومسح وجهه بكلتا يديه واتجة الى خارج الحجرة وسار وراء ابية منكس الرأس.

الا يعلم الغنياء ان الصدقة تطهر المال والبدن وتقى شرور الغير.

 

ربتت امه على كتف ابنها "حميدو" وهما يتناولان الشاى قامت تخفض من نور"اللمبة الجاز" لكى لا يتسرب ضوء منها الى خارج الحجرة حتى لا يزعجهما مار, وقاومت دمعة كانت تموج فى عينيها, وفى نبرة ام حنون قالت:اسمع يا"حميدو" يابنى لازم نذهب الى "عقيلة هانم" لكى نخطب لك " صابرة".. الفلوس كثير وخير ربنا اكثر والحمد لله على كل شىء.

رفع"حميدو" رأسه المنكسة, وحمد الله فى سرة ان امة انتشلتة من ذكريات الماضى وقال لامه بصوت كله حزن:علينا ان نحدد موعد مع الست.

قالت الام: لا عليك.. " الاسطى عبدة"السائق.. سائق الهانم سوف اخبره انا او تخبره انت بأن يحدد لنا موعداً مع الهانم.

قال" حميدو": فى الصباح الباكر بمشيئة اللة سوف اخبر " الاسطى عبدة" وهو يشترى علبة سجائرة من الكشك.

 

ومع انتهاء كوب الشاى كان انتهاء الحديث المقتضب., وبات "حميدو" ليلتة قلقا يخشى ان يكون هناك ما يمنع من ان يقترب من حبيبتة.

فى الفجر.. مع صياح الديوك بصباح جديد, كان"حميدو" فى طريقه الى الجامع للصلاة, ودعى ربة ان يوفقه فى زواجة, ثم اتجة الى محله وانتظر قدوم" الاسطى عبدة" السائق.

هواء الفجر منعش, يدعو الى الامل و العمل.. فتح باب محله وازال بعض الاوراق والاتربة من امام المحل, والقى بضعة دلوات من الماء, واتجة لفوره الى" وابور الجاز" ليشعله , و ليبدأ عمله فى صباح يوم جديد.

ومن بعيد شاهد امه مقبلة نحو المحل وفى يدها صحن من الفول مع ثلاثة ارغفة وحزمة من البصل, وفوق راسها حزمة من جرائد الصباح... وعلى طاولة صغيرة انتهى صحن الفول و البصل الاخضر و الارغفة , فحمدا الله على ذلك الخير.. انصرف "حميدو" الى شأنه, واتجهت الام الى " الكشك" بحزمة جرائد الصباح.

لم ينتظرا كثيرا حتى سمعا صوت حفيف سيارة" الهانم" يقودها السائق" الاسطى عبدة... بلع" حميدو" ريقه, وبدا عليه الاطراب, ورأى امه تدعو له بالتوفيق.

صباح الفل ياست" ام حميدو"

صباح الخير يا"اسطى عبدة"

صباح الخير يا"أسطى عبدة"

صباح النور يا"حميدو" يا بنى

لازم تشرب شاى معانا دلوقت, ان اريدك فى موضوع يا"أسطى"

خير يا" حميدو" ان شاء الله

والنبى يا"أسطى عبدة" تقف جنب ابنك"حميدو".. قالتها الام واسرعت فى عمل الشاى, وهى تتصنت من بعيد للحوار المتبادل بينهما.

اية رأيك يا"أسطى" فى" صابرة" الشغالة عند " الهانم"

بنت حلال والنبى يابنى

طيب انا عايز اخطبها

خير ما فعلت, زين الصبايا

طيب ممكن تكلم الست فى ذلك!

عيونى الاثنين يابنى.. ربنا يوفقك.. انا ح اكلم" الهانم" وارد عليك فى المساء او باكر ان شاء الله.. سلامى عليكم.. السلام عليكم يا"ام حميدو"

سلام ورحمة الله يا" اسطى عبدة" والنبى تكون معانا فى الموضوع دة

عيونى يا"ام حميدو" سلامى عليكم

سلام ورحمة اللة.. سلام ورحمة اللة.

انصرف " الاسطى عبدة" فى حفاوة من الابن و الام مع دعائهم له بالتوفيق فى صباحه هذا.

وامام" فيلا القمر" ركن " الاسطى" السيارة تحت احدى الاشجار المرصوصة على جانبى الطريق, ثم اخذ طريقه الى باب الفيلا, فأيقظ حارس البوابة بصعوبة وتناولا طعام الافطار معا.

 

لم يستطع" الاسطى عبدة" ان يكلم"عقيلة هانم" فى موضوع" حميدو" هذا لانها لم تخرج ذاك اليوم .. وكان من الصعب ان يتعدى" الاسطى عبدة" اكثر من "جراج الفيلا", وعلى كرسى بجوار "الجراج" اخذ يقرأ جريدة الصباح المفضلة عندة.. ويختلس النظر كل لحظة الى الباب الداخلى للفيلا آملا فى ان تظهر" عقيلة هانم" بجمالها الاخاذ.. فيسعد يومه ويوصلها حيث تريد.. زمن بعيد جاءت" صابرة" نحوه والقت عليه الصباح الجميل, فرد عليها التحية وطلب منها ان ترجع اليه مرة اخرى بعد ان تتم احضار طلبات اليوم.

وقال لها: الموضوع مهم لك يا"صابرة".

خفق قلب "صابرة" عند سماعها ذلك واسرعت لتدبر امرها.

 

وفى مساء ذلك اليوم الطويل, زارت" ام حميدو" جارتها "ام محمد" اخت" الاسطى عبدة" لتخبرها بالامر و برغبة ابنها فى الزواج, وانها لاتقوى على الانتظار حتى الصباح لترى" الاسطى عبدة" و افصحت لها عن رغبتها لزيارة" الاسطى عبدة" فى بيته.

رحبت" ام محمد" بزيارتها وقالت" والنبى احنا زرنا النبى ياختى"

يعز مقدارك يا"ام محمد " يا زوق يا صاحبة الواجب

يالله بينا

توكلنا عليه

واخذا طريقهما الى بيت" الاسطى عبدة" فى الحارة القبلية وهى قريبة ليست ببعيدة.

بيت " الاسطى عبدة" ذات صالة ضيقة , هنا كنبة وهناك كنبة وفقط اللهم الا طبلية مركونة على الحائط هناك,وعلى صراخ ابنه الصغير المحمول على كتف امه دخلن والقين السلام فى ود ظاهر.

رحبت زوجة "الاسطى" بهما كثيرا, وقامت لتصنع لهما اكواب الشاى المشروب الموجود الوحيد و الحمد لله.

واثناء ذلك خرج "الاسطى عبدة" من حجرتة مرتديا جلبابه وطاقيته على رأسه, ورحب بهما, وجلس يشعل سيجارتة واخذ منها نفساً عميقاً،  بعدها نظر الى "ام حميدو" وقال لها: لم استطع ان اكلم " الهانم" فلم تخرج اليوم من الفيلا .

قالت " ام حميدو": ليه كفا اللة الشر؟!!

فقال لها "الاسطى": خير يا"ام حميدو" انما هى ساعات وايام لاتخرج ولا استطيع ان اقابلها الا عندما تركب السيارة وتأمرنى بالذهاب الى حيث تريد.

تدارك" الاسطى عبدة" الموقف وقال" الا اننى قابلت" صابرة" هذا الصباح.

فاستبشرت" ام حميدو" خيرا, وواصل " الاسطى عبده" حديثه فقال" ولقد فاجأتها بالامر واحسست ان لها هوى فى ابنك... فعندما ذكرت لها اسم" حميدو" غضت بصرها فى حياء.. ولكننى عندما اخبرتها برغبته فيها وانه يريد ان يخطبها من سيدتها.. ابتسمت وفرت من امامى.. هكذا البنات.. واعتقد ان السكوت علامة الرضا.. الا اننى ارى ان ابتسامتها و فرارها من امامى لحظة ذكر  رغبة" حميدو" فيها فان ذلك اكثر من علامة للرضا.. بالتوفيق ان شاء الله يا"ام حميدو".

ظهر البشر و الفرح على وجة" ام حميدو" من كلام "الاسطى", وشكرتة وطلبت والحت فى الطلب ان يتحين الفرصة المناسبة لكى يخبر" الهانم" بالامر, فوعدها" الاسطى عبده" بأن يفعل ما فى وسعه لكى يخبر "الهانم" بالموضوع هذا, وقال: "حميدو" هو ابنى يا" ام حميدو" و يستأهل "صابرة".

 

كان فى قلق بالغ ينتظر امه فى لهفة, لتعود له بالاخبار.. ولم يقدر على الجلوس فى حجرته.. فقد شعر بضيق المكان, وبأنفاسه الحارة المضطربة, فخرج سائرا حتى وصل الى بداية الزقاق .. يتلفت يمينا ويسارا فى انتظار امه.. وما ان راى من بعيد اثنين من الاشباح, حتى عرف امه فيهما, فمرق مسرعا نحوهما فى اشتياق لمعرفة الجديد من الاخبار.. الا ان امه قد ربتت على كتفة فى حنان واضح وابتسامة مشفقة وقالت لة: " الاسطى عبده" لم يقابل " الهانم" اليوم.

لم ينم ليلته وازدات هواجسه... وعند نداء الفجر سجد لله داعيا.. وسمع صوت امه تدعو الله فى خشوع.

 

تناولا طعام الافطار المكون من المقرر لهم كل صباح, ثم اشعل سيجارتة وركن الى الحائط فى انتظار كوب الشاى الذى تعده له امه.

 

جلست"عقيلة هانم" تقلب فى الماضى.. تقلب فى " البوم" ضخم يحوى الكثير من الصور بالذكريات الجميلة التى كانت تجمع بينها و بين زوجها... فى هذة الصورة وهما فى برج القاهرة.. اما تلك فهذه" سلمى" تلعب مع القرود فى حديقة الحيوان... وهذة وهما فى الاهرامات الخالدة..... وتلك.... وتلك.. آة من الذكريات.

وماذا فى هذه الصورة, كلب ضخم بجوار  ابنتها" سلمى".. انة "تيجر" كلبها المدلل وهو الآن قابع بجوارها مادا رجليه للأمام, محركا ذيلة فيلامس رجليها فى رقة بالغة.

اما تلك الصورة لـ"تيجر" فهى فى المزرعة التى تمتلكها "عقيلة هانم" بالهرم على بعد يقدر بالكيلومترات القليلة من فيلا القمر.

انتبهت"عقيلة هانم" على دقات رقيقة على باب حجرتها.. انها "صابرة" جاءت اليها بصحف الصباح وبريد اليوم.. وما ان لمحت خطاب من ابنتها" سلمى" حتى اختطفته بين راحتيها تقبلة فى شوق.. كان يرقب ذلك كلبها الذى انتفض واقفا واخذ طريقة خارج الحجرة. اما"  صابرة" فقد انصرفت الى شئونها المنزلية او الى شئونها الخاصة فهى دائما ما تخلط بين الاثنين!! خاصة اذا كانت تقوم بتنظيف المرآة.. اهو حرص على نظافة المرايا !! ام هو حرص على شىء آخر!!

 

كانت رسالة ابنتها" سلمى" خليط من العواطف و الخواطر.. فقد نجحت ابنتها فى الامتحانات وهى منقولة الان الى العام الثانى الجامعى, وقد حصلت على تقدير مرتفع, فقد كانت تدرس الانجليزية فى احدى المدارس الخاصة باهظة التكاليف, فلم تجد ادنى صعوبة فى  التحصيل, الا ان والدتها و بغريزة الام لاحظت نبرات الضيق فى عباراتها لها.. كتبت عن اصدقائها وخاصة صديقها" روبرت" قكتبت تقول" اننى لا اطيق هذا الشخص المدعو" روبرت"  لقد انتهزها مرة ونحن نرتع فى المروج وامسك يدى واقترب منى محاولا تقبيلى... لكننى نهرتة بشدة وبقوة كادت ان تضعف لولا ظهور احدى صديقاتى من خلال الاشجار.. اماه لقد زجرتة انا و صديقتى"نادية" من احدى البلاد العربية.. من دمشق.. فتاة جميلة.. فهى صديقتى الحقة التى  الجأ اليها فى بعض المشاكل الصغيرة.. واتمنى يامى العزيزة ان تتعرفين عليها فى الاجازات فقد دعوتها لزيارة مصر ومشاهدة الاهرامات.

امى منذ هذه الواقعة لم اكلم هذا ال"روبرت".......

   

هذا" الروبرت" المغرور الذى يعتقد ان البنات خلقن فقط له, اما صديقى الاخر الخجول " ريتشارد" فقد زادت علاقتى به واصبح الان اكثر تحررا, انة صديقى الحميم الان, فكثيرا ما نتسوق معا, ونذهب ثلاثتنا هو و" نادية" وانا ونتنزة فى الحدائق الكثيرة المحيطة بالكلية, وفى العطلات الجامعية كثيرا ما نذهب الى الاماكن الجميلة, فقد سافرنا الى مدينة "ديزنى لاند"  واعجب بها كثيرا فى متعة ليست للصغار فقط ولكنها متعة للكبار ايضا, ولقد سعدت ايضا باخت " ريتشارد", انها فتاة رقيقة المشاعر غاية فى الجمال قريبة العمر منى واصبحت صديقة لى, فكثيرا ما نتجول فى شوارع "كاليفورنيا" للتسوق وشراء الكتب والمراجع.... امى الحياة هنا جميلة ودائما هناك لكن... لكن تواجدك معى سوف يكون لة وقعا جميل, الا اننى سوف اجتهد للحضور الى مصر فى الصيف القادم بعد انهاء العام الثانى الجامعى, اخشى ان احضر الى مصر وعندى مادة لم انجح فيها.. اخشى ذلك وسوف اجتهد كثيرا للبعد عن هذا الخاطر, ولكم انا اعد الايام عدا لكى اكون بجوارك امى العزيزة.. اننى اعرف ان مجرد دعوتى لك بالحضور الى امريكا مستحيلة فانا اعلم انه ليس هناك من يدير مصالحنا فى القاهرة حتى الان.. وفقك الله امى.....

اما من ناحية اخبار خالى" عصمت" فأنا سعيدة بة فخورة فهو مشهور جدا هنا, دائما يسأل عنى فى اوقات فراغه القليلة... اننى احبه كثيرا, ودائما يقول لى ان ارسل تحياته اليك, وكذلك زوجته التى ترعانى واخبرها عن بعض مشاكلى هنا ونعمل على حلها معا.

امى الغالية.. ارجو ان تكونى جميلة مشرقة كعهدنا بك, كما ارجو لك السلام... والسلام.

 

 

نهض" تيجر" من مكانه وراء سيدته التى طوت الخطاب واودعته فى درج الخطابات الخاص بأبنتها "سلمى", ثم ربتت على ظهر كلبها, وعادت الى مقعدها الوثير, تقلب فى صحف الصباح بطريقة سريعة, ثم عادت الى بقية الخطابات التى حضرت اليوم.

هذة رسالة من خفير المزرعة, وتلك من وكيل عمارتها فى شارع المبتديان.... وهكذا حتى ضجرت من هذه الحياة الجافة , فأتجهت الى سريرها والقت بجسدها عليه .. على الفراش, غارسة اصابعها الرقيقة فى مخدعها الوثير... ثم قامت الى المرآة...... واطالت النظر..... انوثة... واى انوثة, قوام... انة قوام جميل... تعرف هى ذلك وتشعر به عندما تكون فى حفلة, او بالاحرى عندما تتواجد فى مكان به الرجال.... تعرف ان الجميع يريدها, ولكنها لن تلقى بقلبها الا الى الرجل ذو الاخلاق والقيم, الرجل الذى ليس لة غرض مالى, الرجل الذى يحبها لذاتها... انها تبحث عنه لتعطيه قلبها... تبحث عنة لتعطيه جسدها كله... بحثت عنه .. عن الرجل, وقد وجدته, الا انها لم تتأكد بعد بأنه يبادلها نفس الشعور.. الاحساس.... الحب.

لقد وجدت الرجل, انه ذلك الشاب الوسيم الذى يعرف كيف يختار ملابسه وربطة عنقه, انة الفتى بنى الشعر... اتعرفونه.... نعم انه هو... هو"تامر" ابن المحامى المشهور.

بدأت تراقبه منذ ان كان فى المرحلة الثانوية, كانت تختلس النظرات اليه, وهى لاتعرف مذا تفعل ولماذا هو بالذات؟!! لقد كذب من يقول ان المرأة تريد رجل.. اى رجل! ولكن المرأة كالرجل تحب الجمال وتعشقة.. والجمال لا يحب الا الجمال.

قد يميل الرجل الى اى امرأة فى الطريق لكن المرأة لا تبتسم الا لمن حظى بقدر من الوسامة و الذكاء فى معاملة النساء.

كانت تلك الشروط وغيرها كثير متوافرة فى"تامر", ساهم فى تفكيرها فيه ان والدتة" صفية" كانت كثيرا ما تتحدث عنه اليها وعن نوادره و تأخيرة ليلا عند اصدقائة... تحدثها عن شقاوته وعن معرفته بكثير من الفتيات وهو مازال فى بداية ايامه الاولى فى الثانوية... تصورى يا"عقيلة" التليفون لا يخرس رنينه ودائما مشغول بأصدقائه وصديقاته من فتيات النادى واخريات لا اعرفهن!!

هكذا الامهات يتفاخرن بأبنأئهن من خلفهم,وامام ابنائهن فهن حريصات على ان يوجهن اليهم النصح وذهب ولا تذهب .

تصورى يا" عقيلة".. كان يسير بجوارى ذات يوم ونحن فى طريقنا الى خارج النادى, يده لم تكف عن التلويح الى فتيات كثيرات.. الامهات انفسهن ارى الاعجاب بهذا الولد الشقى .

كان ودائما هذا الحديث ما يطرب "عقيلة" وتحاول الا تظهر اى اهتمام مبالغ فيه وهى تبادلها الكلام عن "تامر" وتريد من " صفية" ان تتكلم وتتكلم عن"تامر".

كانت "عقيلة" تستمع الى حديث " صفية" وكأنه حديث عابر  الا ان الامر قد اختلف عندما شاهدتة"عقيلة" ذات يوم فى صحبة صديقة له.. انه يضحك.. انه يهمس.. انه...

 

لقد كان "تامر" من هؤلاء الذين يعرفون جيدا فن الحوار معهن.. جذاب دائما لهن, ويوظف كل ذلك لخدمة اغراضه بعد ان تكون الضحية فاقدة الوعى امام نظراتة وكلماتة المخدرة.

ولا تنسى"عقيلة" يومها عندما التفت" تامر" فجأة نحوها فحمرت وجنتاه ارتباكا واتجة ناحيتها يسلم عليها, فمدت له يدها وشدت عليها مع ايماءة برأسها ذات مغزى.

 

كان الاعجاب ب"تامر" هو اول كل شىء لديها لدى"عقيلة".. ثم الاهتمام بمعرفة اخبارة.. ثم مراقبتة فى النادى يوميا من خلال نظارة سوداء تخفى جزءا كبيرا من تعبيرات عينيها.. خفق له قلبها.. ارهقت من التفكير فيه.. هى فى صراع مع نفسها ومع التقاليد.. كيف ولماذا هو بالذات.. انه القلب.. انه الحب.

تتذكر دائما تلك الحفلة التى اقامتها له والدته  تكريما لنجاحة فى الجامعة.. انها تتذكر جيدا..لقد كانت هناك بعضا من شعرات شاربه الجديد قد غرست برفق فى خدها الحريرى وهى تقبله.. انها تتذكر جيدا ولا يمكن ان تنسى خدش تلك الشعيرات لخدها.. فماذا لو خدش شاربه بجميع شعيراته خدها !!

اتراه قد فهم وعرف مغزى همستى له فى تلك الليلة .. اتراه كذلك ام انة قد اخذ الامر بسطحيته ولم يتعمق فى معنى الثغر الهامس.

افكار و افكار تدور فى مخيلة" عقيلة" وهى مستلقية فوق فراشها الوثير الناعم, تغمض عينيها بين الفينة والاخرى تبحث عن عالم جديد يضمها وحبيبها فقط.

 

كثيرة التفكير هى, ومحبة للعزلة ,تقلب الامور, انه يصغرها فى العمر.. فماذا تفعل؟!

ونتيجة اعتكافها.. كان لة تأثير سىء على" حميدو".. هل " الاسطى عبده" اخبر" الهانم".. ورفضت؟

ولماذا رفضت؟ واخذ يحدث نفسة بشعر سمعة فى مولد " السيدة زينب" , وامة صاغية اليه, ولم تتمكن من منع الدموع.

اما ما سمعته من شعر ابكاها :

ان حظى كدقيق فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يزم ريح اجمعوه

صعب الامر عليهم قل قوم اتركوه

ان من اشقاه ربه كيف انتم تسعدوه.

 

ردت علية امه تواسية بشعر ايضا سمعته فى احدى الموالد:

ولرب ناذلة يضيق بها الفتى ذرعا  وعند الله منها المخرج




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home