دراسات هامة

 

غزة من المنظور الطبوغرافى، حلقة (1 ) التطور التاريخي.

م. زياد صيدم



تعتبر مدينة غزة واحدة من أقدم مدن العالم عامة والمشرق العربي خاصة والتي ترجع في قدمها إلى عصور ما قبل الميلاد، وتميزت بوضعها الخاص على مستوى فلسطين لموقعها الإستراتيجي والذي لعب دوراً هاماً عبر التاريخ في مقاومة الغزاة والمحتلين منذ القدماء المصريين ومروراً بالآشوريين والفرس واليهود والإغريق والرومان والصليبيين والعثمانيين والإنجليز على التوالي وحتى مجيء الاحتلال الصهيوني . لقد تمثلت في فلسطين ثلاثة حضارات محلية منذ القدم وهى: حضارة وادي غزة أو (تل العجول) والحضارة الأصولية وحضارة بئر السبع، وما يعنينا هنا هي الحضارة الأولى والتي كانت في وادي غزة. ميلاد مدينة غزة: نشأت مدينة غزة في العصر البرونزي (3100- 1200 ) ق.م باسمها تل العجول ،بناها الكنعانيون وهم سكان فلسطين القدماء وكانت تمثل موقعاً مقدساً للعبادة بجانب وادي غزة الذي ينحدر من جنوب مدينة الخليل وينتهي في البحر المتوسط مُشكلاً قبل مصبه في البحر ما يعرف بمنطقة وادي غزة . وفى العام 1720 ق.م تعرضت مدينة تل العجول إلى تدمير جراء غزو الهكسوس وعلى أثر ذلك هجر سكانها المدينة نحو الشمال قليلاً ليضعوا أول لبنة لمدينة غزة القديمة في القرن السابع قبل الميلاد، وقد ظهر اسم غزة في عصر الفراعنة و تحديدا في عهد الفرعون تحتمس الثالث من العام (1468-1436 ) ق.م وذلك حسب ما تم العثور عليه من ورق للبردي و النقوش على جدران المعابد الفرعونية المنحدرة من تلك الحقبة. وصول الفلسطينيون: كان ذلك في العصر الحديدي (1200-586) ق.م حيث ولأول مرة في التاريخ وصل الفلسطينيون قادمون من جزر يونانية تابعة لجزيرة كريت في البحر المتوسط ليستوطنوا في الجزيء الجنوبي لأرض بني كنعان بعد معارك طاحنة مع الكنعانيين والفراعنة حلفائهم حيث كانت الروابط قوية ومشتركة مع الفراعنة في مصر وكان لهم تواجدهم ..وقد ثبت ذلك بالعثور على آثارهم في منطقة دير البلح وأيضا العثور على إثباتات تاريخية على وصف كامل لطريقة قدوم الفلسطينيين للمنطقة وذلك في عهد رمسيس الثاني حيث جاء في الوصف بأنهم جاؤوا مبحرين في سفن حربية والتي كانت إحداها تحمل الاسم اللآتينى فلستيز نسبة إلى جزيرة فليتسيا اليونانية حيث تم تحريف الاسم بعد ذلك بالعربية إلى فلسطين.. وقد أصبحت الخارطة السياسية في هذه الحقبة التاريخية على النحو التالي: الكنعانيون في الشمال والوسط من قبلهم ، الفلسطينيون على الساحل الجنوبي للبحر والعبرانيون فيما بعد في منطقة الشرق الجبلية واللذين قدِموا من أراضى دجلة والفرات فيما بعد وبعد حروب مع الكنعانيين. ومع بداية القرن الثامن ق.م اجتاحت البلاد الغزوات الآشورية قادمة من بلاد الفرس وبعدها الغزو الإغريقي والروماني للمنطقة وحسب ما تم العثور عليه فإنه أمكن تسجيل العصور الإغريقية والرومانية لمنطقة غزة وهى: * العصر الإغريقي: وتعد هذه الفترة فترة غزو عابرة قياساً بغيرها من العصور، فبدأت باجتياح الكسندر الأكبر للمنطقة في القرن الرابع ق.م بعد أن اجتاح معظم بلاد آسيا وقد أوقفته أسوار غزة المنيعة قرابة سبعة شهور ومن مميزات هذه الفترة هو إقامة ميناء غزة وكان يحمل الاسم الإغريقي اللآتينى أنثي دون وبعد موت الكسندر الأكبر دبت في القيادة الإغريقية الانقسامات الخطيرة وأصبحت المنطقة تحت وطأة المعارك حيث كانت تهدف إلى السيطرة وفرض الهيمنة وذلك بين قيادتي بطليموس الذي كان يحتل مصر ودمتريوس الذي كان يحتل سوريه الكبرى وبالرغم من كل ذلك بقيت غزة تحتفظ بصفاتها الهامة كبوابة رئيسية تفصل بين آسيا وإفريقيا وكمدينة تجارية هامة أيضاً وقد جاء وصف المدينة على النحو التالي: تبعد المدينة مسافة 3.5 كم من البحر المتوسط غرباً وترتفع 45 متراً على مستوى سطح البحر وتقع بين خطى عرض 31.3 درجة شمالاً و34 درجة شرقاً بمساحة 1 كم مربع ولها سور منيع يحوى على أربع بوابات رئيسية تفتح باتجاه الجهات الأربعة وهى باب البحر /غرباً وعسقلان /شمالاً والخليل /شرقاً وداروم /جنوباً. وهذا وصف لمدينة غزة القديمة في العام 312 ق.م في عهد جانايوس وقد تم بناء غزة مرة أخرى في العام 57 ق.م وسُميت بغزة الجديدة ومع نهاية العصر الإغريقي يبدأ العصر الروماني بكل ما حمله من تقدم وازدهار معماري وحضري والذي ميز المدينة - سنتحدث عنه بإسهاب لاحقاً عند حديثنا عن العوامل السياسية وأثرها في النسيج العمراني لمدينة غزة. * العصر الإسلامي: تمتعت مدينة غزة بمكانة كبيرة في هذا العصر ليس كونها من أقدم المدن في منطقة المشرق العربي فحسب ولكن من جراء مكانتها كنقطة التقاء هامة للطرق التجارية القديمة بين مصر وبلاد الشام إلى بلاد أوروبا عبر البحر المتوسط . فتح المسلمون المدينة عام 634 .م كأول مدينة إستراتيجية وهامة في جنوب فلسطين تطل على الحدود المصرية. الوصف الطوبوغرافى للمدينة في هذا العصر تبلور كالآتي: أُحيطت المدينة بسور منيع في خارجها و تم تقسيمها إلى أحياء و شوارع أخذت أسماؤها من القبائل التي تقطنها، وأشتمل كل حي فيها على سوق رئيسي يتفرع منه عدة أسواق أخرى تخصصية في نوع معين أو تجارة ما، سُميت بالقيصريات وكذلك أشتمل الحي على مسجد ومقبرة، بمعنى أنه كان بمثابة مدينة صغيرة حيث احتوت الأحياء على بوابة تفصل فيما بينهما ، هذا بدوره ساعد على الإحساس بالأمن والأمان ومن تلك الأحياء التي بقيت حتى يومنا هذا مثل الدرج و التركماني . الطرق والشوارع لم تكن مستقيمة ولكنها كانت على شكل زق زاق (متعرج) لأسباب اجتماعية وكنظام أفضل للحماية والدفاع عن المدينة بوجه عام. على الطرق الرئيسية تجمعت المحلات التجارية حيث ارتفعت عن سطح الأرض مسافة 50 .سم لوقايتها من التراب والغبار وللحفاظ عليها نظيفة ، وأمامها تم إنشاء المصطبة من الحجارة وتواجدت أيضاً أمام المساجد وذلك بغرض الجلوس عليها. أما المواد المستخدمة في البناء فهي من الرمل والطين للعامة من الناس و الحجارة لمساكن الأغنياء، وسقوف المساكن معظمها مستوية وكانت تشتمل على طبقة من الإسفلت كطبقة واقية من مياه الأمطار. المباني العامة: - المسجد الرئيسي ، اشتمل على مدرسة لتعليم الكتابة وتحفيظ القرآن الكريم وكذلك احتوى على مكتبة مجسداً بهذا دور المسجد في العصر الإسلامي ، وتم استخدام الحجارة والصخور الكر كارية المتواجدة والمنتشرة بالمنطقة في عمليات بناء المساجد. - الحمام الشعبي ، كان يخدم في الصباح للرجال و في أوقات العصر للنساء، واشتمل على غرف للملابس وأحواض للمياه الساخنة ، وصالات للراحة بعد ذلك حيث تواجد حلاقون للرجال و مسرحات شعور للنساء وخدمات أخرى، وكانت هناك صالة فسيحة تُستخدم للمناسبات كالأفراح وقد استخدمت في بناء الحمام مواد مثل المرمر( الرخام)، الحجارة و الخشب . - احتوت المدينة على مكتباً للبريد وقصر الوالي واحتوت المدينة على موريستان (مستشفى). المباني السكنية: المتتبع لمدينة غزة في هذا العصر يستطيع الملاحظة بسهولة لكيفية وشكل المساكن والتي تتشابه إلى حدٍ كبير لتلك الموجودة في المشرق العربي عامة ، وكيف لا..وهى قطعة من المشرق العربي . فبالنسبة لجدران المساكن الخارجية لم تحتوى على شبابيك وإنما احتوت على فتحات صغيرة لضمان حركة الهواء وحتى يمكن رؤية من في الخارج من أهل البيت دون أن يستطيع أحد من الخارج رؤيتهم ، الأبواب الرئيسية للمساكن صُنعت من الخشب وبعضها احتوى على بروز من الحديد، وهو يفتح في ممر يؤدى إلى القاعة السماوية أي إلى غرفة الضيوف الرئيسية حيث صممت على شكل مربع و أحياناً على شكل مستطيل وأرضيتها من الرخام أو المرمر ، وفى زاوية منها يوجد المطبخ لصناعة الخبز والطعام وفى الزاوية البعيدة يتواجد الحمام وذلك في بيوت الأغنياء فقد كانت الحمامات العامة منتشرة لخدمة سواد الشعب . وبالنسبة للجدران التي تفصل بين الجار فهي بغير فتحات أو شبابيك وأما تلك التي تفصل بين الغرف فكانت تستخدم لعمل حافظات ملابس بالجدران (خزائن حائط)، وفى المساكن متعددة الأفراد كانت تلجأ إلى إنشاء طابق علوي يحتوى على شبابيك تطل على الإيوان أو على ممر موازىٍ له بعرض 1.5.متر بشكل يجعلها تطل على الداخل ، وللعلم فإن معظم البيوت لم تتعدى طابقين في الارتفاع والمواد المستخدمة في البناء كانت من الطين المخلوط بالقش لإعطائه نوعاً من الصلابة وأما بيوت الأغنياء فكانت تُستخدم الحجارة من الصخور الكر كارية كما أوضحنا آنفاً. وفى بعض المساكن احتوت شبابيكها على مشربيات متأثرة بذلك بالأسلوب والتقنية المصرية أو كتلك التي في شبه الجزيرة العربية وقد أمكن ملاحظتها بوضوح في حي الدرج (بني عامر سابقاً). كذلك تم إنشاء نافورة مياه في منتصف الإيوان لتلطيف المناخ و كعنصر جمالي أيضاً، وبالنسبة لدهان الجدران الخارجية فقد أُستخدم لذلك اللون الأبيض والذي تم الحصول عليه من الصخور الكر كارية بعد حرقها و تركها في الماء لعدة أيام وهو ما يعرف بالشيد ثم بعد ذلك يستخدم في طلاء الجدران الخارجية والداخلية على حدٍ سواء ،أو يستخدم كخليط لتماسك وتقوية البناء وتثبيت الحجارة بعد أن يتم إضافة الرمل و الرماد إليه. إلى اللقاء في الحلقة القادمة




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home