القلم العلمي

 

الإنتروبيا والموت الحراري

د. طلال شهوان-فلسطين



الإنتروبيا والموت الحراري
بقلم د. طلال شهوان-فلسطين

الإنتروبيا هي العنوان للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحراريه التي تعنى في مجملها بتنقلات الطاقه بين النظم المختلفه في الكون. وينص قانون الإنتروبيا على أن أي عمليه تلقائيه لإنتقال الطاقه الحراريه لا بد أن تكون مصحوبة بضياع قسم من الطاقه 'المفيده' وأن ذلك يؤدي بالتالي إلى إزدياد في إنتروبيا الكون (الشيء الذي يمكن فهمه على أنه إزدياد في الفوضى أو العشوائيه داخل النظام الكوني). والمعنى المقصود بفائدة الطاقة هنا هو قدرتنا على استعمالها للقيام بعمل ما (ما يعرف في الفيزياء أو الميكانيكا بالشغل).
ولتقريب ما ذكر أعلاه لذهن القارئ دعونا نتخيل أننا نقوم بغلي وعاء من الماء باستعمال موقد الغاز المنزلي لتحضير الشاي أو ما شابه. إن مصدر الحراره في هذه الحاله هو لهب الغاز المحترق وهذه الحراره تمر عبر الإناء الذي يحوي الماء لتصل إلى جزيئات ذلك الماء فتزيد من طاقتها الحركيه ويزداد بالتالي ضغط البخار حتى يتساوى مع الضغط الجوي ويحدث الغليان. لا يمكن لأحد منا أن يدعي بأن الحراره المنبعثه من لهب الغاز المحترق تلقائيا باتجاه محيطها قد تم استعمالها بمردود مئه بالمئه في غلي الماء إذ لا بد أن يكون قد تم 'ضياع' قسم منها وذهبت لتسخين الهواء المحيط والألواح المعدنيه للموقد. وقد يخرج من يقول بأن تلك الطاقة لم 'تضع' فلربما قمنا باستخدام الهواء الساخن أو معدن الموقد الذي ارتفعت حرارته في تذويب الثلج عن اللحم المجمد الذي استخرجناه من المبرد لنقوم بطبخه. وهو على حق إلى حد ما فهو قد يكون باستطاعته إذابة الثلج ولكن لا يمكنه أن يسترد الطاقة الحراريه 'المهدوره' مئه بالمئه ولا مهرب من ضياع قسم من الطاقة الحراريه وتحولها إلى طاقة 'غير مفيده' أو 'مهدوره' مهما تعددت الحيل والإبتكارات فالعقل البشري لم يتوصل حتى الآن (ولن يكون بوسعه أن يتوصل في أي وقت حسب قانون الإنتروبيا) إلى طريقه أو ماكينه تتيح تحويل الحراره إلى شغل بحيث يكون المردود مئه بالمئه.
وقد دفع هذا الأمر بعض العلماء الغربيين إلى طرح نظرية 'الموت الحراري'. والملخص لهذه النظريه يقول أن حقيقة وجود الكون كنظام مغلق من جانب وأن الإزدياد الإضطرادي للبشر وما يترتب عليه من إزدياد في النشاط البشري وفي استهلاك مصادر الطاقه من جانب آخر سيؤدي لا محاله إلى الوصول إلى زمن ما في المستقبل تصل فيه الإنتروبيا إلى قيمتها القصوى وهو ما سيترتب عليه إنعدام الطاقه 'المفيده' القادره على القيام بشغل ما الشيء الذي اصطلح على تسميته ب'الموت الحراري'.
وقد لاقت هذه النظريه قبولا واسعا عند العلماء الذين يؤمنون بوجود خالق للكون وبوجود بداية ونهاية للكون واستعانوا بها إلى جانب نظريات أخرى كنظرية
'الإنفجار الكبير' ونظرية 'التصميم المبدع' في مواجهة نظرية داروين وأنصارها الملحدين الذين يتنكرون لوجود الخالق ويعتبرون أن الكون والخليه الحيه كانت وليدة الصدفه وأن الحياة ستستمر إلى مالا نهايه يسود فيها النوع الأصلح.
إن قانون الإنتروبيا إلى جانب مساهمته العظيمه في فهم ديناميكا الحراره وفي تطوير نظم الإفاده من تلك الحراره إلى أقصى حد ممكن في عالمنا المادي قد أعطى بعدا فلسفيا متعلقا باستقراء الكون من نافذة معنوية إيمانيه. ولم يتوقف الأمر عند الحد الإيماني فهناك الكثير من الإسهامات من المشتغلين بالعلم بحانبه الفلسفي التي تحاول الإفاده من قانون الإنتروبيا في فهم النظم الإجتماعيه والإقتصاديه وحتى الفنيه والأدبيه.

د. طلال شهوان
أستاذ مساعد بتخصص الكيمياء الفيزيائيه والإشعاعيه




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home