قصة

 

القدم الحافي

بلال الحراق



 القدمُ الحافي )
- قصة
بلال الحراق

منتصف يناير ، شتاء طويل وكئيب ، لم يتوقف فيه انهمار المطر طوال أسبوعين ، برودة تعشش في العظام ، تحقن الوجوه والأطراف بمصلها المجمّد للدماء..
كان يسير محاذر الخطى ، يبتلع الوحل إحدى نعليه فيكاد أن يسقط أرضا ، يحافظ على توازنه في صعوبة ، تُبرق السماء وتُرعد فتعتريه رجفة ، يتوقف عن المسير وهو يشهق في خفوت ، يتطلع بعينيه الصغيرتين الدامعتين إلى السماء الحالكة المظلمة.
يتابع المشي في توجس شّادا في كفه اليمنى على القطعة المعدنية في حرص ، أضواء فوانيس بعيدة تشع كالنجوم ، تظهر وتختفي ، أنوار خابية في مداشر* بعيدة تبث في نفسه حنينا إلى الضوء . يا للعتمة القاسية !
تتسارع دقات قلبه ويحُث الخطى إذ يتناهى لمسمعه عواء ذئب الغابة تردد صداه الخنادق .
هزيع الرعد وقصف البرق ، كطلقات البنادق في موسم الصيد ، عرس من الومضات الخاطفة للبصر ، قصف مُدوي وخيط ضوء رفيع تتشقق له السماء ، تغزو الصبي مشاعر خوف شديدة فيرخي لدموعه العنان ، بينما الأمطار تنهمر كالشلال ..
يركض وجلا ، بالكاد لا يبصر الطريق ، يتنبه إلى نعله التي توشك أن تتمزق فيرتفع نحيبه .
يتوقف انهمار المطر ، وتهمد ثائرة السماء . الأرض الآن تشرب الماء في صمت مخيف ، يتوقف عن العدو ويشرأب بعنقه إلى السماء التي تلوح له عالما أسود مليئا بالأسرار والخبايا ، يرتجف ، ثيابه مبللة من عنقه إلى كوعيه ، بدأ يقهقه وسط دموعه ، يفتح كفّه فيتركز بصره على النجمة الخماسية التي تتوسط القطعة المعدنية .
ترتسم في ذهنه صورة والده جالسا كعادته ينصت للمذياع في اهتمام ، بينما سحب دخان الكيف* تظلل البيت ، الرائحة النفاذة تدوّخ ، الزوجة تُعد العشاء ، يتعالى صراخ الأب ، تهاجمه موجة السعال المعتادة ، يرتجف الصبي حينما يسمع أباه ينادي عليه والسعال يقطع عليه الكلام ، يهرع إليه ويجثو على ركبتيه بينما يباغته والده بصفعة تزلزل كيانه ، تهاجمه رغبة جامحة في التقيؤ وتتجمد الدموع في مآقيه .
- لماذا تتباطأ حينما أنادي عليك . يقول الأب صارخا.
ويردف والرذاذ يتطاير من شفتيه المكتنزتين مادّا إلى الصبي بالقطعة المعدنية :
- ستذهب إلى البقال وتأتيني بالولاّعة .
يلتقط الصبي القطعة المعدنية من راحتي والده ، ويتجه نحو الباب وهو يشهق في خفوت ، يسد الباب وراءه فيلُفه الظلام .
يلبث للحظات أمام مدخل الدار يتأمل الطريق المظلمة الموحلة الممتدة أمامه ، فينتحب في مرارة .
يستفيق الصبي من هواجسه حينما تبصر عيناه المقبرة التي لا يفصله عنها سوى بضعة أمتار ، كيف تناسى وجودها؟ بل كيف سيمر سالما دون أن تحتجزه إحدى الجنيات التي تملأ المكان ؟
لبث مترددا لوهلة قبل أن يجمع شتات عزيمته الخائرة ، تقهقر خطوتين إلى الوراء وأسلم ساقيه للريح مخترقا كالسهم ظلمة المقبرة . تتمزق نعله فيتركها وراءه دون أن يتوقف ، تعثر قدمه الحافية بإحدى جذوع الأشجار التي تمتد عبر الطريق فيسقط أرضا بينما تغمر ملابسه الأوحال ، يتابع بصره - عبر الظلمة – القطعة المعدنية التي تتدحرج من يده إثر سقطته ، يختلج صدره وتتسارع نبضات قلبه .
يحس بآلام مبرحة في قدمه التي تحطمت إحدى أصابعها إثر عثرته ، وتمتزج في ركبتيه الأوحال بعصارة الدماء ، يرنو ببصره إلى ما حوله فلا يرى غير السواد ، يتخايل لعينيه شبحا يثبّ من خلف الأشجار التي تملأ المقبرة ، فتنطلق صرخاته ، يترك نعله في مكان انبطاحه ويعدو وهو يلتفت وراءه مذعورا .
تنكسر على وجنتيه دمعتا قهر ويرن في أذنه صوت والده المتوعد الصارخ :
- سيكون حسابك معي عسيرا إن تأخرت أو أضعت النقود . هيا !
يتأمل كفه الملطخة بالأوحال والدماء فيجهش بالبكاء .




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home