قصة

 

محطة الملح

حسن الشيخ



                                          محطة الملح

 

 

قصة /  حسن الشيخ

 

 

 

 

القطارات تعبر الزمن الرطب على سكك خشبية مكسورة ، والظاعنون قد حملوا أمتعتهم على أكتافهم الضامرة ، ووقفوا على أرصفة محطات ملحية بلون الشهب الساقطة ، ينتظرون القطارات القادمة من مدن الشمس البعيدة.

 

وقف صادق عبد الوهاب قرب الضوضاء المتكسرة تحت أقدام العابرين ، وفتح عينيه ببلادة محدقاً في هوامش الأمطار الغزيرة ، وهمهمة البالونات التي طيرها الخوف وأعياها السهاد.

 

حدق بتركيز في وجوه القطارات بلا مبالاة ، وتلفت للبحث عن عينين عرفهما في زمنه الماضي. أصاخ دون رغبة منه  إلى حديث عابر بين رجلين خلفه.

- أرجوك ابتعد عني

- .. لكني أريد أن أحدثك في شيء ما.

- لا يهمني شيء الآن .. أخشى أن يرانا أحد ما هنا ويفتضح أمرنا.

- لا تخف ، ستسجل القضية ضد مجهول.

إلا أن صادق عبد الوهاب .. أحس أنه بلا رغبة تذكر في الاستماع إلى حديثيهما. فعاود البحث عن عينين يعرفهما ، عينين عذباه ويحبهما ، ولكن بلا جدوى ..

القطارات .. تقرقع .. بأصوات بها شيء من المرارة ، المرارة التي عرفها مرسومة على جفنيه قبل ارتدادهما للمرة الأولى. فحدق في اللون الأسود .. في أعماق الحفرة المظلمة ، والمشرقة بالضياء الحالك. وابتلع رحيق الحزن الطاغي .. كسهم مزروع في الحلق.

 

عاودت أذنه التي قضمها ساحر جبار ، يسكن مغارة جبلية منذ ألف عام ، إلى اصطياد جزء من حديث الرجلين خلفه.

- تذكر أنك شريكي في قتلها.

- نعم .. نعم أعرف ذلك. قتلناها سوياً.

- احتفظ بالسر .. واحتفظ بنقودك.

- .. ولكن ماذا عن صادق عبد الوهاب .. هل سيلقى نفس المصير؟

- .. لا أدري .. سنتحدث عن ذلك لاحقاً.

الشمس فوق الرؤوس التي هدها الطاعون ، والخواء ، طاعون الظهيرة في هذا الوقت المغسول بالأوساخ ، والمكفن بالسحب الصيفية الدكناء.

الحرارة .. تشعل المحطة المثبتة بأهداب النهار الذي لا ينتهي.

تذكر صادق .. الآن فقط أنه سمع حوار الرجلين قبل قليل .. هل ذكرا اسمه؟

لم يكن متأكداً من أنهما تحدثا عنه. رغب في الالتفات إليهما .. إلا أنه عدل عن ذلك .. فليس من طبعه الفضول. تأكد من أنه ينتظر عينين بهما زرقة سماء صافية ، وبهما نبعان صافيان .. انحدرا من جبل لم تطئه قدم بعد.

 

لم يتحرك من مكانه .. فهذا المكان بدا وكأنه ضمهما لأول مرة ..

يبدو أنه غفا قليلاً ، فالمحطة الآن أهدأ في ليل الصفيح الساخن ، والأرصفة .. وحدها بدأت تحركها ببطء .. إلا أنها تتحرك ، استعداداً للهروب الأخير من براثن طاعون المدينة الموحش. والعبرات غسلت نجوم الصيف ، فأمست أشد لمعاناً من أي ليلة مضت ، على محطة الملح.

 

تحركت الأرصفة .. وصادق عبد الوهاب واقف ينتظر عينين لن تأتيا بعد. وفي الرصيف الآخر .. كان بائع الصحف يصيح (اقرأوا .. المرأة العجوز .. التي قتلها اللصوص).

إلا أن صادق عبد الوهاب .. لم يسمع النداء.

 

 

قاص وروائي من السعودية

Shaikh31141@yahoo.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                       




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home