القلم السياسي

 

في كلّ بيت ثأر ونكبتان ....!!

جميل حامد



 

 

في كلّ بيت ثأر ونكبتان ....!!

جميل حامد

 

ما يحصل في غزّة هاشم لا ينذر بفرج قريب، ما يحصل في غزّة كارثة لا يمكن بأيّ حال معالجتها، ضمن المستويات القياديّة الّتي فشلت في صيانة الوطن وحماية أركانه، بل تعدّى الأمر إلى حدّ نسيان الصّراع مع المحتل كلّيًّا، والأكثر من ذلك، هرولة هذه المستويات إلى كافّة الأقوياء في العالم، للبحث عن قنواتِ تَواصُلٍ مع هذا المحتلّ، وكأنّه فعلاً هو صاحب الحقّ الأوّل والأخير، في تحديد المستويات النّاطقة باسم المغلوبين على أمرهم، في  الأراضي الفلسطينية ...!!

 

الصّمت الغريب تجاه الدّم الّذي يسيل في كلّ بيت غزّاوي الآن، من قبل القيادات العليا بكافّة مسميّاتها، هو الحقيقة الّتي طالما اختفت وراء الخطابات النّاريّة والشّعارات الثّوريّة..!

 

اليوم يمرّ المرء على الدّم النّازف من شريان كلّ الوطن، كأنّه يمرّ عن إحدى قنوات المجاري الّتي شقّتها هيئة الأمم، في مخيّمات اللّجوء...

لماذا يحوّلون رائحة الدّم إلى رائحة كريهة، وكلّ الشّعب بمن فيهم، من يحمل بندقيّته ويعتلي أسطح البنايات، ليطلق النّار على زميل له، أمضيا زمنًا على مقعد الدّراسة، أو رفيقًا له في العمل، أو جارًا له في السّكن وفي الصّلاة وفي الحياة، عانى من الاعتقال والاضطهاد  والذّلّ على يد الاحتلال وأعوان الاحتلال، وأصدقاء الاحتلال، بمن فيهم، من ورطت فلسطين وكلّ الأمّة العربيّة بورطة الاستسلام، لمتطلّبات العصر الحديث، والزّمن الحديث "العولمة".

 

 في الثّمانينيّات من القرن الماضي، أي قبل أقلّ من 30 عام، كانت مظاهرة على مدخل مخيّم في الضّفّة الغربيّة، أو قطاع غزّة، كفيلة بعقد جلسة لمجلس الأمن الدّولي..

لكن؛ "وهنا  الحديث يدور عن أطفال وفتيان لم يتجاوزوا سنّ السّابعة عشرة"، وكانت كفيلة أيضًا بخلق تحرّكٍ على أعلى المستويات الفلسطينيّة والعربيّة، ولم تكن لتتوانى المنظومة الدّوليّة عن إصدار قرارات إدانة للاحتلال الإسرائيليّ، أو في أضعف الإيمان، بيان شجب أو استنكار، أو حتى توبيخ من تحت الطّاولة ...!!

 

 قبل ثلاثين عام، كانت البيوت الفلسطينيّة في الضّفّة الغربيّة والقدس وغزّة مسرحًا للأعراس الوطنيّة، وكانت زغاريد الأمهات تنطلق من كلّ بيت، للتّرحيب بقدوم نعش الشّهيد، أو رجعة أسير من معتقله إلى أهله، أو نجاح طالب في امتحان الحياة أو .. الخ من اشكال المعاناة التي قابلها  الفلسطينيين  بالزغاريد وهي كثيرة .

 

وبعد ثلاثين عام، أصبح في كلّ بيت في القطاع الغزّاويّ ثأرًا لهذه العائلة أو تلك، وأصبح  المستقبل يتحدّث بلسان حال الثّأر والانتقام، لهذا الّذي قتلته هذه الجهة، أو لذاك الّذي أعدمته تلك الجهة..

بعد ثلاثين عام، أصبح الوطن مسرحًا للجريمة الّتي لم يجرؤ أيًّا كان في منتصف الثّمانينيّات لارتكابها، فما الّذي حصل، ليصبح الوطن وكرًا للجريمة بشتّى ألوانها وأشكالها ...!؟

 

لقد بنت الأجيال الّتي أعقبت هزيمة العرب عام 1967 قناعاتها، على شعار: "من هو ساقط أخلاقيًّا هو ساقط أمنيًّا، وتدرّجت على سلّم النّضال والمقاومة، ضمن هذا السّياق لعشرات السّنين، ولم تكن لتخرج عنه، لولا اتّفاق أوسلو الّذي غيّر عناصر اللّعبة، وتلاعب بالحروف  وهو بالأصل يتلاعب بقناعات شعب بأكمله، ويدمّر قيمَهُ وأخلاقيّاتِهِ، تحت مبرّر التّواصل مع العصر الحديث، والاندماج في الثّورة المعلوماتيّة الّتي غزت العالم، وتعميم الحداثة على كافّة المستويات ...!!؟

 

هنا احتلّ اللّون الأسود مكان اللّون الأبيض، وأصبح العاهر والخائن أحد أعمدة التّواصل مع الحداثة، فهو القناة الّتي عمل الاحتلال وداعموه على  تدريبها، والإبقاء عليها لتخدم مرحلة، قد تكون القاصمة في مسيرة شعب  ومصير أرض وقضية..!؟

 

  كان الأصل في القاعدة، "من هو ساقط أخلاقيًّا هو ساقط أمنيًّا"، يجب فضحه ومقاطعته إن  تعذّر إصلاحه، لكن ما حصل أن من بثّوا هذه القاعدة وروّجوا لها، بين عناصر الفعل على السّاحة الفلسطينيّة، وأقصد هنا بين النّشيطين والميدانيّين، قلبوا كلّ المعايير، وبدّلوا القاعدة  بقواعد اللّعبة، وكأنّ حقبة نضاليّة كاملة، لم تكن أكثر من فخّ،  للإيقاع بأكبر نسبة من  المناضلين في شرك الغباء، لإيمانهم حينها، بأنّ من هو أرفع درجة في هذا التّنظيم أو ذاك،  هو مقدّس ومنَزّل من السّماء، ومنزّه كلّ ما ينطق به من وحي الثّورة الّتي عشقتها السّواعد في تلك الحقبة ...!!

 

هذه الأجيال الّتي فرضت مِرارًا على الاحتلال عَقْدَ جلساته الطارئة، سواء لحكوماته المتعاقبة أو لبرلمانه، للبتّ في خطورة هذا الجيل على مستقبل  إسرائيل وشعب الله المختار، لم تكن لتدرك حينها، أنّ الثّورة ستتحوّل ضمن التحوّلات الدّوليّة المرسومة، إلى غصن زيتون  يقلّمه المقصّ الصّهيونيّ بطريقته الخاصّة، والمقصّ المتصهين في بطن الثّورة والمقاومة بشكل آخر!!

 

إنّ اجتياح جموع المناضلين لمكاسب أوسلو الطّليعيّة من وزارات ومؤسّسات منبثقة، قسّم الشّعب الفلسطينيّ، وأدخل المغريات الّتي حذّرت منها قاعدة التّحذير، من التّساقط في شرك اللاّأخلاقيّات الّتي تمسّ روح الوطن والشّعب، إلى روح الوزارة والمؤسّسة والهيئة، ليصبح الفساد لسان حال سلطة، لا حسيب ولا رقيب عليها من جهة، ولينشأ على الجهة المقابلة حالة من التقزّز والقرف والرّفض، لكافّة هذه اللاّأخلاقيّات الّتي أركعت جموع الشّعب بأكمله، تحت ضغط الرّاتب وكوبون المساعدة، وبطاطين الدّعم العربيّ، وبالتّالي انتزع أوسلو من شموخ هذا الشّعب الكرامة وعزّة النّفس والكبرياء، فكانت المرحلة الأولى الّتي بنى عليها الاحتلال خططه، لتدمير الصّورة الّتي حرصت الأجيال على ترسيخها في الذّهنيّة العالميّة والعربيّة، وهي بذلك ستسحب من هذا الشّعب، كافّة المكتسبات الّتي أنجزها الدّم على  مسرح النّضال والمقاومة ..!

 

لا شكّ بأنّ الحرب القاسية الّتي يخوضها المواطن الفلسطينيّ، هي حرب نادرة..

فهو ابن وطن لا يمكن له الانسلاخ عن همومه النّاجمة عن الممارسات اليوميّة للحياة..!! وهو ابن وطن تمزّقه صراعات لا نهاية لها، ضمن الجيل الحاليّ من المستوى القياديّ الموبوء..!!

وهو ابن وطن تدمّر اقتصاده وأغلقت مصانعه، وأغلقت كافّة سبل العيش الكريم في وجهه!!  وهو ابن وطن يرتبط بعادات وتقاليد، لم تنجح  كافّة أشكال الحداثة وما نجم عنها من فساد في  كسرها، كما فعلت باقي الدّول..

وهو ابن وطن تلفه الجدران الدّوليّة والعربيّة والإسرائيليّة من كلّ اتّجاه ...!!

وهو ابن وطن يتطلّع إلى المستقبل، بعيون كرهت كلّ المناظر الّتي رسمها أوسلو في الشّوارع، وفي الوزارات والمؤسّسات والحارات وعلى رأسها الانتخابات..!!

وهو ابن وطن ينظر إلى الأجيال، بعيون حزينة وبألم يعتصر قلبه، فما سيتركه هذا المستوى القياديّ من إرث، سيحتاج إلى معجزة إلهيّة وإلى عشرات السّنين، لتطهير فلسطين من تبعيّات هذا الجيل من المستوى القيادي..!؟

 

المواطن الفلسطينيّ أدرك أنّ وطنًا ينطق باسمه من اسقطوا أخلاقيّاته وقيمه، هو نتاج  صمته" المواطن "، ومهادنته للرّاتب الّذي وضع الوزير بلحظة، أمام كشك الرّاتب ذليلاً أمام الدّولارات الأمريكيّة، وهو الرّاتب الّذي زجّ بكافّة المحتاجين، من الّذين يهدّدهم خطر الفقر والجوع الّذي اعتمدته أمريكا وجماعتها من الغرب والعرب، في هذه التّكوينات الّتي بات مصطلح "إجرام"، لا يعطيها حقّها وسط هذه البشاعة الّتي ترتكبها بحقّ فلسطين، من خلال تنفيذها لمخطّطات تدمير القضيّة الفلسطينيّة، سواءً عن دراية أو عن جهل...  

لكنّه المواطن الفلسطينيّ لم يدرك، بأنّه يشارك في تدمير وطنه بصمته، وخنوعه لأشكال الصّراع بمختلف مسمّياتها، لأجل رغيف الخبز المغموس بالذّلّ، وهذا ما أوصل الحالة الفلسطينيّة إلى مستنقع الانتقام والثأر، وأوصل الفلسطينيّين إلى إنهاء مسيرة نضالهم بأيديهم...!؟

 

 يبقى السّؤال الّذي يسأله كلّ فلسطينيّ الآن، للمستويات القياديّة العابثة بمصير الشّعب الفلسطينيّ وقضيّته، قد يرحل الاحتلال في أيّة حقبة، وفي أيّة مرحلة، وقد يكون رحيله قريبًا أو بعيدًا، لا أحد يعلم بالمستجدّات والمتغيّرات على هذه القرية الكونيّة، لكن هل ستتوقّف حالة القتل تحت طائلة الانتقام والثّأر، بعد أن أصبح في كلّ بيت مصيبة ...!؟

 

 Hjam32@hotmail.com

كاتب وصحفي فلسطيني / رام الله المحتلة




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home