القلم النقدي

 

الكتابة برذاذ الطفولة: قراءة في مختارات سردية للمبدعة بديعة

عبد الغني عارف



ترتئي هذه المحاولة الوقوف على جوانب من الكتابة السردية لدى المبدعة بديعة الطاهري وقد تم اختيار خمسة نصوص كنماذج للقراءة والتحليل هي: "يوم غابر" – "طفولة" – "المهبول" – "غربة" – "جنون الكاتب"، وسيتم التعامل معها على اعتبارها قصصا دون الدخول في تفاصيل التصنيف الأكاديمي الذي عادة ما يميز بين الأقصوصة والقصة. وتهدف هذه المساءلة، من بين ما تهدف إليه، إلى الاحتفاء بإبداعية هذه النصوص من جهة، وإلى محاورتها في بعض جوانبها الجمالية والدلالية من جهة ثانية، وذلك بالنظر إليها من الزوايا الآتية: - 1 - المحكي واشتغال الذاكرة؛ - 2 - الشخصيات: من الوعي القائم إلى الوعي الممكن؛ - 3 - رؤية العالم ومقصدية الكتابة؛ - 4 - بنية السرد وجماليته. ************* 1 - المحكي واشتغال الذاكرة تنطلق هذه القراءة من فرضية ترى أن كل كتابة سردية هي في نهاية المطاف محاورة للذاكرة، يتحول معها المنجز إبداعيا ( قصة أو رواية...) إلى تجليات سيرة ذاتية محتملة. ولتمحيص هذه الفرضية نسجل أن أول ما تستجليه قراءة النصوص السردية للمبدعة بديعة الطاهري هو كونها تستند في اشتغال المحكي فيها إلى عنصر الذاكرة، وبالتالي فموضوعة العودة إلى الماضي، وتحديدا العودة إلى مرحلة الطفولة، تشكل الجذر المشترك بين هذه النصوص ومفتاحا أساسا من مفاتيح قراءتها. فالكاتبة إما أن تكتب عن طفل أو عن طفلة ( يوم غابر + طفولة )، وإما أن تستمد مادتها الحكائية من مرحلة الطفولة ( المهبول ). وبما أن الذاكرة لا تحتفظ عادة إلا بتلك اللحظات والهواجس التي تركت بصمات دافئة بين شغاف القلب وشروخا دامية في مرآة الوجدان، فإن الطفولة في هذه المختارات السردية تنتصب لتـَحكي ذاتها وتـُحكى للآخرين، وبذلك تصبح ينبوعا لا شعوريا للكتابة وحقلا دلاليا مركزيا فيها. إن الحديث عن الطفولة في نصوص المبدعة بديعة الطاهري يحيل إلى الحديث عن الحضور القوي للذات التي تكاد تمثل بؤرة تستقطب إلى مركزها مختلف سياقات الحكي، فالوقائع والأحداث تـُروى تحت سقف هيمنة واضحة لضمير المتكلم : " تحثني أمي " – " أنا مفتون بكراتي الأربع " [ يوم غابر ] – " في البداية كنتُ كلما رأيته تحاشيتُ المرور أمامه. كنتُ أخاف صمته." [ المهبول ] - " انتهيتُ من كتابة قصتي. ضمنتـُها عصارة ما أملك من الجمل والتعابير الفاتنة" [ غربة ] - " أحسستُ حركة غير عادية. وجدتُ نفسي في موقف حرج " [ جنون الكاتب ]. إنها نصوص تشتغل على الذاكرة وبالذاكرة: "ما زلت أذكر صراخ أبي" - " ذاكرتنا الصغيرة لم تكن قادرة على استيعاب جميع المواقف" – " ذاكرتنا كانت متعطشة للحكي في تلك المدينة" - " أتذكر يوم طلب مني بعض أفراد عائلتي أن أصلي وراءهم" . وإذا كانت الكاتبة تؤثث مسار السرد بالعودة إلى مشاهد من طفولتها البعيدة / القريبة، وتستعيد وقائع من تلك الطفولة بوجع صامت وبتأمل مسكون بلغة حزينة، فإن المعاناة التي تكشف عنها هذه النصوص تترجح بين انتمائها للذات ( الكاتبة - الساردة ) وانتمائها للآخر( النماذج الاجتماعية التي تمثل عوامل الفعل الحكائي )، مما يجعل الذات والعالم المحيط بها يتبادلان صفة المرجعية. إن كل طرف يمثل، في نفس الآن، مرجعا للآخر، وهذا ما يفسر بلا شك سمة التقابل القائم بين عالم الأطفال وعالم الكبار : " كان الكبار يحكون ما يشاءون ولم نكن نملك سوى تصديق ما يقال" - " كانت تصيبه [ المهبول ] بين الحين والآخر نوبات صراخ حاد نسمعها من بعيد تجعلنا نحن الصغار نلزم منازلنا ... " – " يخبرنا الكبار" – " ينهرنا الكبار" – " نسمع الكبار يتهامسون" – " لكن تمتمة شفتيه الدائمة، حديثه الخافت مع نفسه وهو يسرع جعلاني كغيري من الأطفال أعتقد أنه أحمق" – وفي سياق هذا الاسترجاع تستعير الكاتبة صوت الساردة لتستحضر بنوع من الأسى والمرارة ملامح المدينة التي كانت مرتع طفولتها وشبابها. وفيما يشبه السيرة الذاتية تلتقط هامشا يؤثته مجانين مدينتها، " تلك المدينة التي لم تكن تملك من أسباب الوجود سوى ما يـُحكى عن رجالاتها الأبطال الذين لم يذكرهم أحد.... لا أحد يذكر مدينتنا، حتى أبناءها المتعلمين والمثقفين هجروها"[ المهبول] . إن تأمل مستويات الاسترجاع الذي تطفح به هذه النصوص وقدرة المبدعة بديعة الطاهري على تطويع الذاكرة يسمحان بالقول بأن الكتابة التي تشيد عوالمها استنادا إلى جدار السيرة الذاتية هي في عمقها نوع من التمرد ضد الذات، ولكنه تمرد لا يلغي تلك الذات بل يعيد تركيبها بهدف الكشف عن أسرارها وتعرفها أكثر... إنه اكتشاف متجدد للذات ليس في سيرورتها الزمنية، بل في معنى ومبرر وجودها أصلا. ومن هنا هذا الالتصاق الحميمي الذي نفترضه بين الكاتبة في بعدها الواقعي والساردة في بعدها الوظيفي، أي البعد المرتبط بتحويل وقائع حقيقية عاشتها المبدعة إلى متخيل محكي، مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا الافتراض لا يذهب إلى حدود القول بالتطابق التام بين المبدعة والساردة، وهو التطابق الذي تعتمده بعض الدراسات معيارا من معايير تصنيف كتابة إبداعية ما في خانة السيرة الذاتية ( كما يوضح ذلك فيليب لوجون في كتابه" Le pacte autobiographique " ). إن الكتابة في هذه النصوص تغدو مرآة تقرأ المبدعة فيها وعبرها ما كان في الماضي واقعا، وأصبح لحظة الكتابة مجرد مرجع لتخيل ذلك الواقع وإعادة ترميم عناصره. 2 – الشخصيات : من الوعي القائم إلى الوعي الممكن بقوة يطرح المنجز السردي لدى المبدعة بديعة الطاهري السؤال المتعلق بثنائية المتخيل والواقعي في الكتابة الإبداعية، فنحن أمام نصوص تطوع المادة الخام التي تمثلها معطيات الواقع وما ترسب في الذاكرة من صور الماضي وهواجسه، وتحولها، بـذكاء فني لافت للانتباه، إلى عوالم يتداخل فيها الواقعي والمتخيل إلى حدود لا نعرف متى ينتهي أحدهما ومتى يبدأ الآخر. فميساء في ( جنون الكاتب ) مثلا شخصية ورقية ولكنها تتمرد ضد هويتها الورقية لتتحول في نهاية النص إلى شخصية " واقعية " تحيل إلى الساردة / الكاتبة نفسها، أو على الأقل إلى " بطلة" لها مرجع في الواقع. ويكفي لضبط هذا التحول في شخصية ميساء من المستوى الورقي إلى المستوى الواقعي، أو العكس، أن نعيد بناء النص بناء دائريا وذلك عبر تأمل العلاقة بين العبارات الأولى الواردة في مستهل النص: (فمددت إليه بيدي الأخرى مجموعته القصصية، وطلبت منه أن يوقعها. ترك يدي تنفلت من بين يديه بصعوبة )، والجملة الأخيرة فيه: (نظرت إليه وقلت : كنت داخل الحكاية. ثم انصرفت.). إن الكاتبة تدرج العوالم التي تتحرك فيها شخصياتها ضمن مثلث دلالي تتشكل أضلاعه من التمرد والعشق والجنون، لتنسج ين ثنايا هذه الأضلاع مصائر شخصياتها التي تقف جميعها على تخوم أحلام مؤجلة، وليكون البحث عن أفق ممكن لتحقق تلك الأحلام هو مطلب الشخصيات ورهانها في هذه النصوص. وإذا كانت هذه الشخصيات تختلف من حيث مواقعها ووظائفها في السلم الفئوي للمجتمع ( خادمة، كاتب، مجانين، تلميذ، مدرس، رجل أمن، فقيه،... ) فإنها تتقاطع جميعها عند تجارب نفسية معيشة متشابهة، إنها شخصيات تعيش أحلامها بصورة مكشوفة، تحمل جراحها وحيرتها وترددها الداخلي بحثا عن إمكانات محتملة لتشييد توازن مفقود في سياق اجتماعي انحطت فيه القيم الأصيلة. لذلك اختارت لها الكتابة فضاءات تحقق التلاؤم مع ممكنها الدلالي ( الجنون / شوارع المدينة) ، ( العشق / شاطئ البحر )، ( الكتابة والإبداع / مدرجات الجامعة ). إن الأمكنة في هذه القصص ليست مقصودة لذاتها ولا هي مجرد وعاء تسكب فيه الأحداث. إنها انعكاس لما ترسخ في الذاكرة من أحلام ومواقف وما تولد عن تلك الأحلام من رغبة في مقاومة سلبيات الواقع. وكما البطل الإشكالي – كما تصوره جورج لوكاتش على مستوى الرواية بشكل خاص – نجد الشخصيات في نصوص المبدعة بديعة الطاهري تواجه عالمها بما تحمله من مشاعر التمزق بين ما ترغب فيه وما يفرضه الواقع من قيم الاستلاب والقهر، لذلك تترجح بنياتها النفسية بين كونها رومانسية ومثالية حينا ( جنون الكاتب )، أو واقعية تحاول أن تحقق تصالحا حقيقيا أو مفترضا مع الواقع حينا آخر ، لنقرأ مثلا هذا المقطع من قصة ( المهبول): " أما الرجل الطويل، لم أعد أذكر اسمه، فلم يغادر مدينتنا قط، ولم يتخلف عن جولته الصباحية والمسائية منذ عشرين سنة. لم يكن أحد يعرف من أهله سوى طفلة صغيرة كانت تصطحبه بين الحين والآخر، غابت عن الأنظار فيما بعد. ولم يسأل عنها أحد. أحسست أن هناك تواطؤا بين أهل المدينة. الكل يخفي سره. عندما نذكره يكتفي أبي بابتسامة عابرة كأنما يخاف النبش في ماضي الرجل الطويل. جدي الذي كان معروفا بصدقه وجرأته اكتفى بلعنته [بلعنه] عندما ذكرت اسمه، وحاولت أن أسأله عنه. ذات يوم. وبعد مرور أكثر من أربعين سنة أخبرني أبي أنه مات ولا أحد يعرف أين دفن. استغربت. - " قتل الرجل" أخبرني أبي. سألته: أمتأكد أنت يا أبي؟. قال هذا ما يتردد بين أهل المدينة. وكيف عرفوا ذلك وهم الذين كانوا غير مبالين به؟ لقد اختفى وخمن الكل أن يكون قد قتل. كان يخفي أسرارا... " وإذا كانت الشخصيات في هذه النصوص تحمل ما يكفي من التوتر واحتمال الانهيار أمام شراسة الواقع وصدمة الأماني المعطوبة فيه، فإن الكاتبة تتدخل عن طريق السرد لتضعها أمام اختيارات تواجه بها انهيارها، فهي لا تريد أن تصل بأبطالها إلى الباب المسدود حيث ينهارون منصاعين لقيم المجتمع المنحطة، بل إنها توجه حركية السرد في الاتجاه الذي يسمح بإنضاج مواقف الشخصيات وتسليحها بوعي يؤهلها لامتلاك خاصية التمرد والرفض. ولتحقيق ذلك تعمد الكاتبة إلى تكسير الحاجز الوهمي الفاصل بين الساردة التي تتخذ منها قناعا، والشخصيات التي تجعل منها أبطالا في قصصها أو مساهمة في صنع أحداثها، محققة بذلك تناظرا جماليا مناسبا بين تجربة الحياة (الواقع العيني الذي عاشته وتعيشه الكاتبة)، ولعبة الحكي ( مجال تشكل حياة الشخصيات). لذلك نجد شخصيات هذه القصص تنبض بشحنات انفعالية تستجمع من خلالها أشلاء أحلامها لتستنفر بها ما تبقى لديها من إمكانات المقاومة: في ( أيام غابرة ) يقاوم الطفل تخوفاته من ضياع كراته الأربع " أرمي الكرة عاليا أتابعها بعينيي، تبتعد، وتعلو وإذا بها تختفي" ، إن ضياع كراته يولد لديه الإحساس بالهزيمة، هذا الإحساس الذي لن يكون في مثل سنه سوى الشعور بانفلات أيام الطفولة التي تعدو وتتلاشى بين يديه وتبتعد لتغيب في الفراغ. وفي ( طفولة ) نجد الطفلة الخادمة تقاوم مرارة وضعها بأحلامها الوردية التي توزع عبرها ضحكاتها على الفراشات اللاثمة عبق الزهور. وفي ( غربة ) يقاوم العائد إلى الوطن مظاهر التسلط والظلم لتهوي به آلة القهر في بئر المعاناة التي لا تنتهي حلقاتها المرعبة. وفي ( المهبول ) يقاوم المجانين تهميش المجتمع لهم بمزيد من الجنون والإصرار على ممارسة الحياة . أما في ( جنون الكاتب ) فإن المثقف يقاوم كل محاولات التدجين التي تستهدف إطفاء جذوة العشق والإبداع في روحه، فلا يجد أمامه سوى مخرج الكتابة بحثا عن معشوقته التي كلما أمسك برموشها، كلما أمعنت في الهرب من بين ثنايا الصفحات.. إن الكاتبة تـُهرب شخصياتها من عطالة الواقع الاجتماعي وتفتح أمامها إمكانات التمرد على ذلك الواقع بطريقة مباشرة ( العائد من أرض الغربة يرفض أساليب أجهزة الأمن المستفزة) ، أو بطريقة غير مباشرة يعبر عنها الحلم في قصة ( طفولة) أو الجنون في قصة ( المهبول ) أو العشق المهرب في قصة ( جنون الكاتب ). وهي بذلك شخصيات تحتمي بانهيارها الداخلي دون أن تفصح عن استسلامها ... وحدها الساردة تقتحم عليها خلوتها وتسلط عليها الضوء لتقول لنا إن شخصياتها لا تعاني من نرجسية جاهزة سلفا، بل هي تملك من مقومات الانفتاح على العالم المحيط بها ما يجعلها فاعلة فيه بطريقتها الخاصة. جاء في نص " المهبول": ( مجانين مدينتنا كثيرون )، أليس الجنون نوعا من التنازل عن الخصوصيات الذاتية وتحويل الذات إلى ملك مشترك بين الناس ومشاع في كل الأمكنة يلتقطه من يشاء : المبدع القصاص أو الباحث الاجتماعي أو رجل الأمن أو الأطفال الذين يتعقبون المجنون بنداءاتهم البريئة والمسكونة بفرح الطفوله وشغبها: ( وا المهبول ... وا المهبول ) هكذا نلاحظ إذا أن هناك وجدانا متمردا ثاويا وراء مواقف الشخصيات وحركاتها في نصوص المبدعة بديعة الطاهري. والكاتبة تشكل صورة هي أقرب إلى المكاشفة لإعادة بناء ذلك الوجدان وتقديمه في سياق بنيات دالة تفصح عن رؤيتها الجمالية والإيديولوجية إزاء القضايا التي تعالجها عن طريق السرد. 3 – رؤية العالم ومقصدية الكتابة تكشف هذه النصوص عن خاصية دلالية بارزة وهي أن الكاتبة، وهي تؤطر محكياتها بالانتماء لزمن الطفولة، لا تترك الحنين إلى ذلك الزمن يجرفها كلية، بل إنها تسيجه بوعي يقظ يسائل الظواهر ويستنطق خلفياتها في قالب سردي نجحت في أن تجمع عبره بين سلاسة اللغة ( دينامية التعبير) ووضوح الرؤية ( مقصدية الكتابة )، وهو ما حقق لهذه النصوص السردية توازنا ملحوظا بين توتر اللحظة الإبداعية ومخاضها من جهة، والبعد المرتبط ب" رؤية العالم" لديها من جهة ثانية. فهي لا تقف موقف المحايد إزاء شخوصها ووقائع سردها، بل إنها حين تركب مركب التخييل والسرد، فذلك لكي تحقق الانسجام المطلوب مع عقلها المتيقظ وتكشف عن مرارة الواقع، وتفصح عن مواقفها من نتوءاته وتناقضاته. وهي في ذلك كله لا تسقط في فخ المحاكاة التي تستنسخ ذلك الواقع كما هو، بل إنها تعيد صوغه فنيا عبر رؤية إبداعية تكسب لغتها شاعرية حالمة، كما هو الأمر مثلا في قصة ( طفولة ) حيث تتحسس منطقة موجعة من جسم المجتمع، وبلغة شعرية آسرة تلتقط أنين طفولة مغتصبة ومغلفة بالشقاء والضياع، تعكسها أوضاع الخادمات الصغيرات. ففي هذه القصة تقدم الساردة ُ البطلة َ في صورة جميلة زاهية: إنها طفلة جميلة بشعر أسود مسترسل وعينين بنيتين تباهي السماء بجمالهما، تبدو وكأنها أميرة رائعة تجمع الأزهار وتوزع ضحكاتها على الفراشات وتجثو أوراق الأشجار عند قدميها. نتيه في عذوبة المشهد الذي تضعنا فيه الساردة، غير أنها تصدمنا حين نكتشف أن كل ذلك الجمال لم يكن سوى معادلة مقلوبة لواقع طفولة مغتصبة، فالأميرة الرائعة المتداعية في الحلم لم تكن في واقع الحال سوى طفلة خادمة أقصى ما تحلم به أن تكون لديها دمية جميلة، وأقصى ما تشتهيه أن تكون بين يديها قطعة خبز تسد بها رمق الجوع. تستفيق الطفلة الخادمة من أحلامها الجميلة على وقع أقدام تركلها وألم تحس به لتعيدها إلى سيرورة شقائها اليومي حيث لا سماء ولا طيور ولا عصافير ... الكاتبة، بهذا المعنى، لا تقف عند حدود ذاتها التي تقدمها عبر تدخلات الساردة، بل إنها تعيد تركيب شظايا ذوات الآخرين لتجعل منها مرآة لذات جماعية لها تطلعاتها المستقبلية، فتسائل اللحظاتِ المنفلتةَ من مجرى الصراع الذي تعانيه الذات وهي تمارس انتماءها اليومي لشبكة العلاقات الاجتماعية وما يؤطرها من أخلاقيات وقيم وتمثلات، وحين تكتب فلكي تستعيد العناصر التي يتجسد عبرها ذلك الصراع وتتخذ إزاءها الموقف المناسب لاقتناعاتها والذي يحقق انسجام رؤيتها الإبداعية للكون ولوجود. إنها تنطلق في كتابتها من حس نقدي تستثمره في تفكيك بعض مظاهر الواقع والتعبير عن معاناتها إزاء الظواهر الاجتماعية التي ترصدها، وعن رغبتها في فضح خلفياتها المجتمعية والحفر في مسبباتها... وبتنوع مستويات السرد في النصوص تتنوع زوايا النظر إلى الظواهر الاجتماعية الملتقطة، بدءا من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا، ليكون المشترك بينها هو نزوع الكاتبة نحو فضح تلك الظواهر والنظر إليها بعين ناقدة، والتنبيه إلى ما تنطوي عليه من دلالات التخريب الذاتي للمجتمع. ففي قصة ( يوم غابر ) نجد أن زميل الفصل لا يتراجع عن الوشاية ببطل القصة إلا إذا تلقى رشوة ( قطعة بسكويت )، و ماجد يتحايل على تصحيح الأخطاء التي ارتكبها دون أن ينتبه إليه أحد، و جميلة لا تبذل أدنى جهد في العمل و تكتفي بنقل ما أنجزته زميلتها فاطمة، والأستاذ يفرض على تلاميذه دروسا خصوصية... إنها صور لبعض الأمراض التي تنخر المجتمع ( انتهازية، أنانية، رشوة، استغلال... ). أما في قصة ( غربة ) فتختزل الكاتبة المسافة بين الكتابة الإبداعية ومقصديتها الفكرية، إلى حد التقريرية المباشرة، لتكشف بذلك الغطاء عن مظاهر الفساد المالي وقضايا الاختلاس العديدة التي طالت جميع القطاعات في المجتمع، وكذلك استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة عندما يتم إلقاء القبض على أناس أبرياء ويقدمون إلى المحاكمات بدون أن يرتكبوا أي جرم، فهذا مواطن يعود من بلاد الغربة ويتم اعتقاله بدون أي سبب إلا بسبب فكرة شيطانية راودت مخيلة ضابط الأمن عندما افترض إمكانية أن يحدث هذا العائد أهله عن كيفية تنظيم الناس أنفسهم في بلاد الغربة، وهو الحديث الذي من شأنه – في نظر مؤسسة السلطة القمعية - أن يزرع بذور الرفض والتمرد في نفسيات وأدمغة من يستمع إليه، ويشوش في المستقبل على أمن الوطن واستقراره (؟) . وبما أن خير البر عاجله، فإن منطق التسلط يرى ضرورة استئصال هذا الخطر المحتمل واعتقال المواطن العائد إلى وطنه، تحوطا من أن يتحول إلى مشروع ثائر. وبسخرية لاذعة تسلط الكاتبة الضوء على مظاهر التسلط وانحراف السلطة بين أيدي القائمين على أمورها: « يختلي الضابط برئيسه ويسأله عن حقيقة الزائر[ المتهم ] فيخبره أن الروتين يستدعي أن يسجن أحد ويتهم بالعنف والتخريب". إنها السخرية المرة التي عبرها تكشف الكاتبة عن مناطق متورمة في جسم المجتمع، وتسقط من خلالها الأقنعة عن مظاهر الرياء والاستغلال وقمع الإرادة والوجدان لتضع بذلك، من منظور إبداعي واع بوظيفة الكتابة، المنظومة المجتمعية بأكملها في قفص الاتهام والمساءلة. وتتسع دائرة هذه النظرة الناقدة لتشمل مستويات أخرى، متداخلة أو منفصلة، من العلاقات الاجتماعية القائمة على نوع من التقابل الضدي، وهو تقابل توظفه الكاتبة للتعبير عن رفضها لمضمون تلك العلاقات ولحمولتها الثقافية والإيديولوجية. ومن ذلك التقابل الذي تؤطره النظرة المجتمعية الذكورية: " علمتني أمي أن أقدس الرجال وأخبرتني أنهم أفضل مني بكثير." (غربة) - " النساء يتممن ما قد بدأنه من أشغال منزلية، والرجال يتوزعون على الحانات والمقاهي." ( غربة ). أما في قصة ( يوم غابر) فنلحظ ذلك الصراع الذي تكون فيه الطفلة مطية لتمرير توتر خفي بين الأب والأم: فالأم تطلب من ابنتها أن تسرع في تناول فطورها بينما ينبهها الأب إلى أن الأكل بسرعة مضر بالمعدة، ليتبين أن الاختلاف بينهما ليس سببه هو واقعة الأكل في حد ذاتها، بل إنه يتجاوز ذلك ليمس فكرة السلطة داخل الأسرة : من " السيد " الحقيقي في هرم السلطة ؟ من له الحق أن يوجه الأبناء؟ إن الأصوات تتداخل لتكشف عن ذلك التوتر: " يعلو صوت أمي: أسرع. يصرخ أبي في وجه أمي ". إن هذا التقابل المسكون بالتوتر بين الأب والأم تقابل توظفه الكاتبة على لسان الساردة لفضح تلك الصورة التقليدية النمطية التي تكرس علاقة غير متكافئة بين الرجل والمرأة ( الأب يصرخ في وجه الأم + الأم: آلة تتنقل بين الغرف والمطبخ، وفي المقابل الأب: يحتسي قهوته ، يرشف سيجارته + أبي يمنعني ..) إنها الصورة التي تعكس البعد الذكوري المؤطر للعلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع : فالأب يصرخ ويمنع ويأمر والمرأة تكتفي برد الفعل ورجعه الصدى. ولأن الكاتبة تنطلق في بناء رؤيتها للعالم من وعي تام بضرورة التصدي لمظاهر تفسخ القيم في المجتمع والثورة ضد سلبيات الواقع، فإنها لا تلبث أن توجه شخصياتها نحو ما يؤسس لذلك الوعي الرافض للنظرة الدونية للمرأة. ففي قصة ( غربة ) تنتفض البطلة لتتمرد ضد الأسوار التي يراد تسييج وعيها خلفها: " انصعتُ إلى أوامرها [ الأم ] ردحا من الزمن، لكن تبين لي أن أمي لم تكن على حق". إنها بواكير وعي تتشكل معالمه لدى البطلة لتكتسب عبره شخصيتها في الحياة وفي النظرة إلى الوجود، ولتنتقل بمفعوله من مستوى الوعي القائم إلى مستوى الوعي الممكن. وحتى في دائرة الجنون نجد تقابلا بين الجنون الحقيقي والجنون المزيف ( شخصية رجل الأمن الذي يرتدي قناع الجنون ليتصيد الوقائع والأشخاص، ولا يثير وقوفه أما المؤسسات التعليمية انتباه الآخرين وشكوكهم إلا حين تـُحـَاصـَـر بسرعة إضرابات التلاميذ ليتساءل الجميع : ترى من سرب الخبر بهذه السرعة؟). لنتأمل أيضا ذلك التقابل الضدي في قصة ( جنون الكاتب ) والذي يعكسه تباين مسارات الحياة بين كاتب عاشق ومهووس بالإبداع والكتابة، وزوجة لا تعترف له بما يكتب ، بل لا ترى له فائدة، فالكلمات في نظرها لا تغير العالم... في نفس السياق نلاحظ أيضا ما يمكن تسميته هيمنة موضوعة الحرمان في هذه المختارات السردية، فالطفل في ( يوم غابر) محروم من كراته، والطفلة الخادمة في ( طفولة ) محرومة من حقها في الاستمتاع، ومشروع الكاتبة في " غربة " محرومة من تتمة قصتها ومرغمة على وأدها في حفرة ، و الكاتب في ( جنون الكاتب ) محروم من "شيمائه" التي تغادر أوراقه وتتركه وحيدا في عراء الشاطئ..... 4 - بنية السرد وجماليته بتأمل المختارات السردية التي اعتمدناها في هذه القراءة، يتضح أن الكاتبة تتقن اللعب باللغة، فنصوصها تكشف عن قدرة فائقة على مراودة اللغة وتطويع البنية السردية عبر نظام حكائي يتنامى فيه السرد وفق إيقاع يترك للشخصيات مساحة أوسع للحركة. إن الكاتبة تكسر الخط الأفقي لتصاعد الأحداث وتنسف بنية السرد التقليدية، فكأنها شهرزاد تحكي الليلة تلو الأخرى وتولد نصا داخل نص لتضعنا أمام دوائر سردية تتلولب فيها الوقائع وتتداخل فيها الأدوار ( من يسرد ؟ ومن يتلقى السرد؟ ) ، ففي قصة " جنون الكاتب" مثلا نقف على ذروة التجريب في بناء الأحداث والشخصيات، إذ يتخذ الحكي لنفسه مسارات متقاطعة، فنجد أنفسنا أمام نوع من كتابة تيار اللاوعي حيث تتداخل، بشكل مكثف، وقائع الأحداث والأزمنة وحالات الشخصيات النفسية، فالساردة لا تترك للحبكة المدى المناسب للتطور، بل تتعمد تحويل مجراها بإيقاع يستفز أفق الانتظار لدى المتلقي ليصبح مطالبا بتشغيل مخيلته أثناء إنجاز فعل القراءة وتمثل المسارات الممكنة والمحتملة لحركية الأحداث. وهي في ذلك لا تستجدي التشويق المجاني في تتبع القارئ لمسار تلك الأحداث تتبعا خطيا مريحا، وإنما تعمد إلى ترك فجوات يملأها فعل القراءة بما يتناسب والشحنة الوجدانية التي ينطوي عليها فعل الكتابة نفسه، فيغدو التقابل/ التداخل بين فعلي الكتابة و القراءة ميثاقا يحدد مستويات التلقي واحتمالات التأويل. ولأن القصة شبيهة بجبال الجليد التي تخفي أكثر مما تظهر، فهي تفصح عن تلك الشرارة السريعة التي تتقاطع فيها انفعالات المبدع مع لحظة مختزلة من تجربة أوسع لا يسمح المجال البنائي للقصة أو الأقصوصة بعرض وقائعها المفصلة. من هذا المنظور نعتبر الكتابة القصصية لدى المبدعة بديعة الطاهري مرآة لذلك الجبل الجليدي، فهي تكتفي بنقل الانفعالات لحظة توهجها، تاركة للمتلقي فرصة إعادة تركيبها وفق ما تركت في نفسيته من آثار وما ولدت لديه من إيحاءات. أما في قصة "غربة" فإن الكاتبة تلجأ إلى تشييد جمالية الكتابة عبر نسج حكاية داخل حكاية، وبمكر لغوي فاتن تستدرج القارئ المندهش ليكون شاهدا على تكون فضاءات المقروء، بل ومشاركا في نحت معانيه ودلالاته الرمزية. و في اللحظة التي يعتقد فيها القارئ أنه انتهى من تشييد المعنى الخاص به، تطوح الساردة بوهمه وتدخله في متاهة سردية جديدة: " أعتذر أنني سرحت بكم في متاهة كلام عابر.. أعود إلى قصتي.. " وتعود به إلى قصة أخرى لا تنتهي إلا لتبدأ تمفصلات حكائية جديدة يشكل ضمير المتكلم الخيط الناظم لبنية السرد فيها والمنظم لمتتالياتها الحدثية. وهو نفس النظام الحكائي الذي نصادفه في قصة ( جنون الكاتب ) إذ نكون أمام بؤرة حكائية مركزية [ اللقاء الذي تم بين طالبة جامعية وكاتب أثناء توقيع مجموعته القصصية ] . وعن هذه البؤرة تتفرع سيرورات حدثية موازية يمثلها خروج "البطل" ( الكاتب ) إلى شاطئ البحر هروبا من جحيم بيت الزوجية وطلبا لخلاص وجداني مفقود ، وهناك سيلتقي بأمرأة ( ميساء ) تعلق بها ورأى فيها مخلصته من حالة الحصار الذي يعاني منه في منزله حيث زوجته لا تقدر موهبته... وتتطور الأحداث إلى أن تضعنا الكاتبة في متاهة سردية تتمازج فيها الشخصية " الواقعية" التي تروي مجريات الأحداث بضمير المتكلم (توقف للحظات ممسكا بيدي. أحسست حركة غير عادية. وجدت نفسي في موقف حرج.) مع شخصية ورقية موازية تحيا بين سطور القصة. (عندما انتهيت من قراءة القصة وجدت المدرج فارغا. خرجت أبحث عن زميلاتي، فإذا بكاتبنا في ركن من فضاء الجامعة .عندما رآني توجه نحوي وسألني : أين اختفيت ؟ لقد بحثت عنك كثيرا ولم أجدك. لقد عشت حالة نفسية صعبة كانت مصدر شجار متكرر مع زوجتي. نظرت إليه وقلت : كنت داخل الحكاية. ثم انصرفت.) هكذا نجد ثلاث محكيات في قصة ( جنون الكاتب ): 1- قصة اللقاء بين الطالبة والكاتب القصصي أثناء حفل توقيع مجموعته القصصية. 2- قصة عمة الكاتب التي يخونها زوجها الذي يحفظ القرآن وتستسلم مفضلة الانطواء على جرحها الداخلي بدل الفضيحة. 3- قصة اللقاء بين الكاتب وعشيقته على شاطئ البحر. إن الكاتبة واعية باختياراتها الفنية ولذلك فهي لا تتردد في توليد مستويات حكائية تتباعد في إيقاعاتها السردية ولكنها تتآلف في بناء مقصديتها ودلالاتها. كلمة أخيرة إن هذه الرحلة الجميلة في عوالم المبدعة بديعة الطاهري تسمح لنا بالقول بأن هذه النصوص السردية تراهن على تغذية المنحى التجريبي للكتابة القصصية بالمغرب ( ونستعمل هنا لفظة التجريب بحمولتها الإيجابية)، وهي بذلك نصوص تستمد قوتها الإبداعية من تمكن كاتبتها من تقنيات الكتابة القصصية وأدواتها الفنية، وهو ما ينبئ بصوت جديد ستكون له بصمات قوية في تأثيث المتن الإبداعي السردي المغربي والعربي مستقبلا. فبين الصوت المهموس والمتأمل في قصة ( طفولة ) والصوت الصارخ المحتج في قصة ( غربة ) تمارس هذه النصوص جماليتها عبر مشيرات إبداعية تتداخل فيها عناصر اللغة والتخييل واستيحاء الواقع وتوظيف "تقنيات" التجريب الذي تلتجئ إليه الكاتبة بهدف استنطاق مستويات اللاوعي لدى الشخصيات، مما يحقق لنصوصها دينامية دلالية مقنعة ويجعل شكل الكتابة القصصية لديها يتجاوز كونه مجرد سطح تعبيري، إلى كونه عمقا يرشح فيه المضمون بامتدادات رمزية عميقة. وبذلك يصبح التجريب مؤشرا على الوعي التام بالضوابط الفنية للكتابة القصصية واختيارا دلاليا بالدرجة الأولى. إن الكاتبة، وهي تنتصر لضحايا مرحلة بأكملها، من خادمات ومجانين وعشاق لم تنصفهم دوائر الأقدار فاغتالت أمانيهم وحكايا حبهم في منتصف الطريق، أشبه ما تكون بتلك الفراشة التي تحترق بالضوء الذي تحوم حوله، إنها كاتبة تحترق بموضوع كتابتها، فهي لا تكتفي بالوصف المحايد ولا تقف عند حدود الرصد البارد للوقائع والأشياء، بل إنها تحمل نداءها الداخلي وتحوله إلى صرخة في وجه الواقع وإلى شجرة إبداعية وارفة الظلال تستمد اخضرارها من ينابيع طفولتها. وهي حينما " تؤرخ" لتلك الطفولة، لا يغريها الشكل التقليدي للسيرة الذاتية الذي يراهن على استحضار التفاصيل والاحتماء بدفء الحنين إليها، ولكنها تؤرخ لها بنوع من البوح المشرع على نداءات مرحلة النضج، فتتأمل صفحة تلك الطفولة الهاربة لتستقصي عبر امتداداتها في الحاضر ركام الخيبات والتراجعات والآمال المعطوبة والأحلام المجهضة، إنها بذلك لا تكتب سيرة عن طفولتها بالمعنى البيولوجي للكلمة، ولكنها تكتب برذاذ الطفولة عن سيرة جماعية ، فتتحول طفولة الكاتبة / الساردة إلى طفولة مشتركة، إنها طفولتنا جميعا، طفولة نخطو فيها وراء مجانين مدننا وهم يسقطون الواحد تلو الآخر، نحتضن بين ثناياها جمرة الحب التي ينغرس لهيبها بقوة في الفؤاد والوجدان رغم انجرافات الزمن وتحولاته العاصفة، نعيد عبر أناشيدها ترميم المساءات الجميلة المتناثرة على شواطئ الذاكرة، نتأمل فيها مرآة الماضي فنـُصاب بلوثة عذاب كله عذوبة.... إنها بكلمة واحدة: طفولة جيل بأكمله يقرأ حاضره بلغة تتشكل حروفها من مرارة الانهيار المدوي لمنظومة كاملة من القيم والأفكار والمبادئ، ومع ذلك يصر أن يتحدى الجراح وينتصر بالحلم والأمل وبالكتابة والإبداع..... عبد الغني عارف arif58ma@gmail.com




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home