من هنا وهناك

 

الحزازير الشعبية في فلسطين

زكي العيلة



 

الحزازير الشعبية في فلسطين


 
بقلم : زكي العيلة *
رغم المفهوم الذي استقر في أذهان الكثيرين الذين ينظرون إلى الأحاجي ، الألغاز (الحزازير) على أنها رديف للتسلية والسمر ، تظل الأحاجي من أقدم الأنماط الإبداعية التي واكبت حضارات الشعوب المنتجة لها ، بل أن كثيرا من الدارسين يرون أنها ردة الفعل الفطرية الأولى في محاولة الإنسان فهم خبايا الطبيعة التي أرقت وجدانه وتحكمت في مصيره فكانت الأحاجي الشعاع الخافت المفضي إلى عوالم منغلقة يود الإنسان أن يرتاد دهاليزها كاشفاً خباياها وغموضها .
بل إن الألغاز تتعدى ذلك إلى " إلى محاولة التعرف على الإنسان بصفة عامة و شخصية الذات بصفة خاصة ، فهناك روائع من القصص العالمي لا تزال تدور أحداثها حول الألغاز باعتبارها معضلات يطرحها العقل البشري و تُبذل الجهود لحلها بالعقل الذكي أو تحقيقها بالإرادة الإيجابية الواعية "(1) و التاريخ يزخر بالمناظرات التي اعتمدت اللغز محوراً أساسياً بغرض إثبات البراعة و القدرة على حسن التخلص كما في حكاية الجارية ( تودد ) في ألف ليلة و ليلة مع علماء عصرها(2) .
لقد ارتبطت الألغاز و الحزازير في صورتها الأولى بمفهوم الصراع من أجل إزالة الحواجز وصولاً إلى حقائق الأشياء مما أسهم في تغيير كثير من المواقف الإنسانية و مما لا شك فيه أن الألغاز الحديثة ما تزال تحتفظ بشيء من ذلك " و إن تخطت وظيفة الرياضة العقلية إلى القيام بوظيفتين أساسيتين هما الوظيفة الثقافية و الوظيفة النفعية إلى جانب وفائها بالسمر و تزجية وقت الفراغ "(3) وإن نسي البعض في زحمة المدنية و متطلباتها أن اللغز وسيلة هامة للتربية " ذلك لأنه يُعلم الأطفال و الكبار معاً كيف ينظرون إلى المشكلة من كل جوانبها ثم يحتفظون بعد الكد و التفكير بحس فكاهي "(4) .
ولعل (الحزازير ) تمتاز على الأمثال والحكايات الشعبية باعتمادها الكلمة الإيحائية المكثفة ذات الدلالات العميقة الموغلة في البساطة التي يمكن من خلالها تتبع الجذور التراثية التي ساهمت في صوغ الوجدان الشعبي في مراحل تكويناته المتعددة ، مما يشي بكثير من السمات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الفكرية التي يمكن تقسيمها إلى المحاور التالية :
ـ رموز سياسية .
ـ ظواهر اقتصادية .
ـ هموم فكرية .
ـ ظواهر الطبيعة .
ـ الإنسان و الحيوان .
أولاً : رموز سياسية :
تتكئ الحزازير الفلسطينية إلى ينابيع لا تنضب من الرموز المحفورة عميقاً في الذاكرة الشعبية تأكيداً على رفض مظاهر الطمس والمصادرة والاستلاب من جهة وتدليلاً على صدق الانتماء وعراقة الهوية من الجهة المقابلة .
ولعل ذلك يبدو بشكل واضح من خلال استحضار وتكريس حزازيرنا لأسماء مدن الوطن و قراه ، بل إن هذا الاستحضار يمتد ليشمل جهات الوطن العربي كأدلة على التجذر الذي لا يأبه بالحواجز :

ـ أختي في (طبرية) أخذت الناعم وخلت الخشن ليه ؟ ( الطاحونة ) .
ـ حزرتك حزازير ، يا بنت الوزير ، أمك في (عكا) وأبوك في (أزمير) ؟ ( الميزان ) .
ـ فرسنا جاي من (بيت دراس) ملجومة من طرفها مرخية من الرأس ؟ ( الإبرة) .
ـ غطا أمي رقوم رقوم من (غزة) لوادي الروم ؟ (النجوم) .
ـ بيتين أم العنب و التين لا مات فيها ميت و لا انطحن طحين ؟(بيتين إحدى قرى رام الله ، والميت لا يموت والطحين لا يطحن ) .
ـ فناجين فناجين من هون (لجنين) ؟ (أثار العنز) .
ـ باطية على باطية من هون ( لقباطية ) ؟ ( الغيم ) .
ـ راح على( القدس ) لامشى على رجليه ولا شال في ايديه ولا شاف بعينيه ؟ (الجنين ) .
ـ بنتي و بنانها و أربع حلق في دانها ( حيفا و يافا ) تلعب على دكانها؟ ( الأرغول) .
ـ مدينة في بطن أمها ؟ (مدينة جنين ) .
ـ حزرتك حزازير ، يا بنت الوزير ، أمك في (عكا) وأبوك في (أزمير) ؟ ( الميزان) .
ـ مطرق عقص بيرقص رقص ، قبل العصر وصل ( مصر ) ؟ (البرق ) .
ـ جانا ضيف من (حلب) دكته حمرا و لباسه دهب ؟ ( الدبور ) .
ـ جانا ضيف من الشام دبحنا له جوز خرفان ؟ ( الطفل الوليد ).
عبر تتبع عدد من حزازيرنا الشعبية يمكن استشفاف بعض المراحل التاريخية التي استقرت في الذاكرة حيث يبرز اسم (أزمير) كما مرّ بنا ، إضافة إلى تكرار اسم ( استنابول ) بما يجسده الاسمان من تأثير راجع لمرحلة الحكم التركي التي صبغت الحزازير ببعض رموزها ، فاستانبول تتردد هنا دلالة على الامتدادين الزماني ، المكاني الموغلين في البعد بحسب الفرز الشعبي وقتها :

ـ صف صحون من هون لاستنابول ؟ ( آثار قدم الجمل ) .
ـ قنطار فول مبذور لاستانبول ؟ ( النجوم ) .
ـ من استانبول جابوني وفي القصر حطوني و على الحرير حطوني ؟ ( المقص ) .
و لأن الوجدان الشعبي مفعم ببعض مظاهر الاغتراب التي عايشها في حقبة الحكم التركي ، نجد اللغز يستعير لفظة (تركي) رديفاً لحالات التوجع :
ـ أسمر سُمّير و أصفر صُفّير ، إن حاكاك ( تركي ) خلاك تبكي ؟ (الدبور)
ثانياً : ظواهر اقتصادية :
1
ـ نتاجات زراعية :
تكرس الحزازير الشعبية أسماء كثير من المنتوجات الزراعية التي لعبت دوراً هاماً في حياة إنساننا الشعبي المتشبت بكل ذرة من ذرات أرضه المشحونة عطاءً ونماءً في مجابهة أزمنة الاضطهاد والقهر ولعل أكثر المحاصيل التي تكوكبت حولها الحزازير هي : الملفوف ، الباذنجان ، البصل ، الرمان والبطيخ لأهميتها ، ولكونها تشكل بحكم تكوينها قماشة فضفاضة تجتذب الذهن . وهنا يمكن للمتأمل أن يلاحظ قاموساً خاصاً بكل نبتة ، فالملفوف ، الكرنب – المعروف بساقه القصيرة التي تطلع عليها أوراق كبيرة سميكة مستديرة ، أو منضغطة أو مكرمشة تلتف حول بعضها وتصلح غذاء للإنسان والحيوان – هو ( بنت الغية ، بنت الملك ، ستك –العروس – أمير ) . وهذا يؤكد على الحميمية التي تميز العلاقة التي تربط الإنسان الفلسطيني بأرضه :

ـ بنت الغية عليها ميت كوفالية ، بتقول أح ، والبرد عليّه .
ـ بنت الملك في الحاكورة ، ولابسة ميت تنورة .
ـ ستك في الجورة ، وشوشتها منبورة .
ـ العروس في الجورة ، ولابسة ميت تنورة .
ـ قاعدة في القفة ، عليها ميت لفة .
ـ ضلوعه ضلوع حمير ، وقعدته قعدة أمير .
* * *
ولا تقل ثمرة الباذنجان بأصنافها المختلفة المسودة أو الداكنة شأناً عن سابقتها حيث تغوص في الألغاز المولعة برموزها وهنا نستشف ألفاظاً بمقاس محدد خاص بملامح هذه النبتة : (عبيد ، عبد ، عبدة ، أسمر ، سود ) .

ـ أربع عبيد جايين من الصعيد ، كل عبد ع راسه عود .
ـ عبدة عريانة قاعدة في الجنانة.
ـ أسمر بط نايم في الخط .
ـ شيخ أسمر وطربوشه أخضر .
ـ مدينة بيضا وسوارها سود ، سكانها بيض ، مفاتيحها حديد .
تحفظ حزازيرنا الفلسطينية " البصل " في مكان لائق ، ولا غرابة في ذلك فهو رفيق الإنسان الشعبي في حله وترحاله ، في شقائه وراحته في أزمنة القحط والجوع ، الفرج والشبع مما أعطي البصل دوراً يتجاوز دوره المعهود :

ـ قد الطبة وعليها اتناشر جبة .
ـ بنت السلطان طالعة من الأرض ونافلة شعرها .
ـ طية على طية يا حزام البدوية .
ـ قد الكباية وتلبس ألف عباية .
ـ قد الطابة ، علية مِيت اِعصابة .
ومن المحاصيل التي حطيت بموقع بارز في الأحجية الشعبية (الرمان ) بجلده الأملس ولونه الأصفر المشرب بالحمرة وبثماره ذات البذور الحمراء المائلة للبياض . والرمان من أقدم الفواكه ، وشجرته معمرة ارتبط ذكرها بكثير من الموروثات الشعبية :-

ـ طاسة ترنطاسة في البحر غواصة من جوه لولو ومن بره نحاسه .
ـ حجرة ستي وسعت مِيت واحد ، وما وسعتني .
ـ صفّته أمك ع الرف ، فرطته مِية و ألف .
ـ قبة فيها ألف حبة .
لعل الشكل الخارجي للبطيخ الذي يتنوع بين أخضر داكن أو مبيض أو مخطط بلبه الداخلي الحلو ذي اللون الأحمر ، وبذوره الصغيرة السوداء أو البنية التي تحمص وتؤكل قد دمغ الحزازير الشعبية بأختامه :
ـ شابطة في شباطها ، ولحيتك في شطاطها .
ـ بِيحَلِّي ويسلي وبعيش الحمار .
ـ مدينة حمرا و أسوارها خضرا ، سكانها عبيد ، مفاتيحها حديد .
ـ إن وقعته عن جبل ما بينكسر ، وإن حطيته بين جبلين انكسر "بذر البطيخ "

تمتد حزازيرنا لتشمل معظم الخضراوات والفواكه التي لفتت انتباه الفلاح الفلسطيني لتصبح جزءاً من نسيج حياته اليومي عبر ألفاظ ومعان سهلة منتزعة من خبراته ، لكن التوصل إلى إجابة لها يشكل تحدياً للسامع ويلاحظ هنا ابتعاد الصور عن التكلف والتعقيد والتصنع حيث أنها موجهة للسواد الأعظم من الناس :
ـ أمر من المرار وأحلى من العسل وأصغر من الجوزة و أكبر من الجمل . (الزيتون)
ـ صابون صابون في الأرض مدفون . ( البطاطا )
ـ بتدخل المغارة لابسة ، وبتطلع عريانة. "حبة الزيتون عند الأكل "
ـ قد الكبيبة ، له شوارب ، وله هيبة . " كوز الصبر "
ـ هبر هبر مليان إبر إذا ما عرفتوش اسأل عنه أبو عمر . " كوز الصبر "
ـ بنت السلطان لابسة فستان تعض خصرها بترميه . "حبة الترمس "
ـ أجا يبوسها ، قلع ملبوسها . "حبة الترمس "
ـ كعبة للحيوان ورأسه للإنسان . " القمح "
ـ صفرة صفرة ولها قرون . " البامية "
ـ زلمة لابس أخضر ف أخضر . " حبة الكوسا ".
ـ شايب مالو شوارب . "راس الثوم "
ـ لونها أحمر على شكلين شعرها أخضر مالهاش عين . " الجزرة "
ـ قصر فوق قصر وفوقه رايات خضر . " عود القصب "
ـ بزرها على قشرها . " حبة التوت "
ـ بيت فوق بيت ما بيسع وقية زيت . " الفستق "
ـ بيتنا العالي وسكانه تتر ، والقيد قيد الله ومفتاحه حجر. " الجوزة "
ـ لها قرون ومالها عيون . " الموزة "
ـ مفاتيح سيدي تيجي كل الناس ما تاخذها من أيدي . "الحناء "
ـ ياعجب ياعجب ، الكفن حلاوة ، والميت خشب . "حبة البلح "
ـ عزيزتنا شرف الله قدرها ، بتحمل وبتولد من جدايل شعرها . " النخلة "
ـ أول زماني لولو أبيض ، وتاني زماني زمرد أخضر ، وثالث زماني ياقوت أحمر ، فسّر يا أسمر وخذلك ذهب أصفر . "البرتقال "
ـ حبل بيشرب و الحمارة بتنتفخ . " القرع ، اليقطين "

2-
صناعات يدوية :
وهناك صناعات يدوية وحرفية نشأت على هامش هذه المحاصيل زرعاً، حصاداً ، جمعاً ، تخزيناً خاصة ما ارتكز منها على القمح والزيتون الحصنين اللذين يحتمي بهما الفلاح الفلسطيني لما يجسدانه من معاني الخير والبقاء . من هنا كان احتفاء حزازيرنا بتلك الصناعات والأدوات التي لا غني عنها :

ـ شايب أسنانه في بطنه . " لوح الدراس"
ـ له أكثر من عين لكن ما بتشوف . " الغربال "
ـ الدنيا بتمطر والتل بيعلا . "المنخل"
ـ تقيل مابتقدر تزحزحه، بيجري ليل نهار وبيظل مطرحه. "الطاحون"
ـ عجوزتنا نايمة وعصاتها قايمة . "الطاحون "
ـ شوف شوف بيشرب شرب الخروف. "العجين"
ـ افتني يا فارس بشيء شفته جالس ، بيقضي حقوق الناس وعمره ما دخل مدارس "الميزان"
ـ جمل راقد بين المراقد ، بيوكل وبيشرب وهو قاعد . " فرن الطابون "
ـ جملنا بارخ ، وذنبته بالسما بتشارخ . " فرن الطابون"
ـ أبيض ناعم ، أحمر قايم . " الرغيف "
ـ أسمر برنه ، قاعد في القرنة . " القدر"
ـ بقرتنا الهرشة لفت البلد بلا كرشة . "السلة"
ـ طبقة على طبقة ، معلقة بزيرفونة دايرة وعبد بيده مطرقة . "معصرة الزيت"
ـ عبد معلق من دانه . "إبريق الزيت"
ـ نصها ملح ونصها زيت موجودة بكل بيت . " الصابونة"

وهناك كثير من الصناعات اليدوية التي اشتهر بها إنساننا الشعبي ، تناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد يحفظون خطوطها الجمالية المعبرة عن ثراء البيئة الفلسطينية ، ويحافظون على بقائها شاهداً حيًا يدل على ذوق أصحابها الذين لم يركنوا إلى التواكل أو الصمت ، بل تمتعوا بروح الابتكار والخلق بحيث وفروا بإمكانيات مادية بسيطة مشغولات نافعة يمكن من خلالها استقراء الشخصية الفلسطينية التي أبدعتها :

ـ قاعد بدكانه وبيمص مصرانه . "السراج"
ـ مابيعبي الكم ، لكن بيعبي الدار . "السراج"
ـ قد اللمونة ، وما بنلاحق عليه مونة . "السراج"
ـ قاعد وبيسيل من قاعه . "السراج"
ـ جبته في كمي ، وملا بيت أمي . "السراج"
ـ الحبل في رقبته ، والدق في صلعته . "الوتد"
ـ جملنا بارخ ومصارينه تحته . "الخيمة"
ـ عجل معجل ، وأسمر محنجل ، وبطنه أسمر زي الثور . "الخيمة"
ـ طي طي والميت شابك في الحي . "الرسن"
ـ عجوز وله بعبوز . "الإبريق"
ـ في النهار كركش كركش وفي الليل فاتح تمو وما بينش . "الإبريق"
ـ عبد أسود قرقع أمك في الواد . "الجرة"
ـ أم كرش بقصرها حاطة إيدها على خصرها . "الجرة"
ـ أمك وراء الباب باسوها كل الشباب . "الجرة"
ـ ثلاث عبدات متقارنات . "الموقد"
ـ طويلة وكثيرة العقد فيها ، أكلها حلال ، وما بتنفع إلا لما بترميها . "الشبكة"
ـ ميت ومات ودفناه وفات ، أجا الحي ومسكه قام الميت وكمشه . "الفخ "
ـ جملنا هدار نط من دار لدار كوى حاله بالمسمار . "البكرج"
ـ قط محشي ما بيقدر يمشي . "المخدة"
ـ قلب خالي وصوت عالي . "الطبلة "
ـ طويل طويل ظله بعبه . "البئر"
ـ كلب أجرب دايماً يشرب . "الدلو"
ـ إن حطيته على عينك بيفيدك ، وإن أكلته بيضرك . "الكحل"

يظل البيت بما يحمله من معاني الأمن والأمان هاجس الفلسطيني الذي




 

اطبع الموضوع  

Home