القلم الفكري

 

رغداء زيدان - سوريا

حرية التفكير و إلزامية التشريع الإسلامي



حرية التفكير و إلزامية التشريع الإسلامي
بقلم رغداء زيدان / سوريا


لعل هذا الموضوع من الموضوعات التي شغلت العقل البشري كثيراً. وكلّ انسان في وقت من الأوقات يسأل نفسه لماذا ألزمنا الله بالتشريع الذي دخل في كل أمور حياتناولم يترك لعقلنا مهمة ايجاد التشريع المناسب لنا؟ولماذا ألزمنا بالتشريع الإلهي و لم يعطينا الحرية في اختيار القوانين التي نرغب بها؟للإجابة عن تلك الأسئلة نقرأ أولا قوله تعالى " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة* رسولا من الله يتلو صحفا مطهرة*فيها كتب قيمة"/البنة 1-5هذه الأية الكريمة تبين لنا أن الحرية الحقيقة هي في اتباع تشريع الله سبحانه ,هذا التشريع الذي جاء ليفتح مجالا واسعا لعمل العقل ,وقد جاء لتهيئة الظروف المناسبة لتسهيل عمله , فقد خلق الله الأرض و جعلها تسير وفق قوانين محددة لا تتغير فالإنسان لايعيش بدون طعام و هو ضروري لحياته و لاستمراره, و لم يشعر الإنسان أبدا أنه مقيد بهذه الحاجة لأنه يعلم بأنها ضرورية لوجوده, و كذلك التشريع الإلهي ضروري لوجود الإنسان و لاستمرار الحياة على وجه الأرض , وهو لم يأتي لمنع حرية الإنسان و تفكيره و لكن جاء لتمهيد الطريق لحياة أفضل و أكمل و أحسن.يقول تعالى " و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون "/البقرة 179.فالتزام التشريع الإلهي في مجال العقوبات مثلا فيه حياة و خير للبشرية , وليس فيه تقييد للحرية , بل فيه صيانة و حماية لها من عبث العابثين , و الله تعالى عندما خلق الكون ترك للعقل البشري متعة الإكتشاف و الإختراع ضمن قوانين الطبيعة التي خلقها الله و التي إذاحدث فيها أي خلل كان له أثره السيء على البشرية كلها .فقوانين الطبيعة هي لتسخر هذا الكون للإنسان , و قوانين التشريع التي تحكم حياة الناس هي لتبين لهم كيفية استخدام هذا الكون , و العقل البشري من أجلاكتشاف قوانين الطبيعة , و من أجل تطبيق قوانين التشريع الإلهي عليها , و الهدف هو حياة أفضل للإنسان على وجه هذه الأرض . وصدق تعالى إذ يقول " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لما حشرتني أعمى و قد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليومتنسى "/ طه 124-126.بالإضافة إلى ذلك فإن الله تعالى خالق هذا العقل جعله يعمل ضمن حدود معينة لا يستطيع أن يتعداها فهو يحكم على الأمور من خلال الحواس و هذه الحواس محدودة القدرات و الطاقات و قد يصيبها التشويش بسبب الظروف الخارجية التي تؤثر عليها , من غضب و جوع و ألم و مرض و غير ذلك.و مجموع العقول لا تستطيع أن تتجاوز هذا النقص و هذه المحدودية , و ذلك لأن مجموع الحواس تبقى محصورة ضمن حدود معينة , خذ مثلا تفاحة تراها مجموعة كبيرة من الناس , فإن مجموع هذه العيون لاتستطيع أن ترى داخل التفاحة مثلا ، و قد ترى كل عين هذه التفاحة من زاوية مختلفة , و قد يأتي حكم بعض العيون خاطئا و يظن التفاحة كرة أو طابة صوف أو أي شيء آخر بسبب ظروف خارجيةتؤثر على الحكم و من المستحيل أن نرى جميع الناس قد اتفقوا على حكم واحد لهذه الحالة البسيطة فكيف يمكن أن نترك أمر ايجاد القانون الذي يحكم حياة الناس لهذا العضو الضعيف و المحدود؟فسبحان الله الخالق الكامل الغني عن جميع المخلوقات و الكائنات , و الحمد لله المنعم الكريم الرحيم بعباده.و قد يقال لماذا لم يخلق الله العقل بالكمال المطلوب حتى يكون باستطاعته ايجاد ما يناسبه من أحكام؟و نجيب إذا كانت العقول كاملة فهل يقبل الناس أن يكون لهم مشرع منهم ؟ بمعنى أن كل انسان بعقله الناقص الآن يرى نفسه أعقل الخلق و لا يرضى أن يحكمه إنسان مثله و تراه يعترض على كل ما يراه أمامه فكيف إذا كان صاحب عقل كامل عندها سيكون رفضه أكبر و إباؤه أعظم .لكن هذا الإنسان الضعيف يستشعر عظمة الخالق و كبرياؤه و بالتالي يكون سعيدا و راضيا بأن يكون الله جل جلاله المشرع الذي يضع القوانين التي تحكم الناس .ومن رحمته سبحانه أنه جعل هذه التشريعات توافق العقل , فلم يحرم إلا الخبائث و لم يحل إلا الطيبات , يقول تعالى " يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهم "/الأعراف 157.و قد جعل الله أوامر التشريع تخاطب العقول و ربط بين التفكر و تنفيذ أوامر الله و هو لايقبل عمل عبد من عباده ما لم يكن هذا العمل قائما على أساس ايماني عقلي تاموكثيرا ما جاءت الأيات مختتمة بقوله تعالى" تعقلون" " تتفكرون " و في هذا حث للعقل على العمل و التفكير .و في الختام نذكر قول الله تعالى " فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * و إنه لذكر لك و لقومك و سوف تسألون "/الزخرف 43-44




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home