قصة

 

الكلب يقودني الى البيت

مسعود غراب



  تحياتي ، سلامي و مودتي..

              مسعود غراب /gh_ilham@hotmail.com    

قصة قصيرة:

الكلب يقودني إلى البيت.. 

      

   خرجنا فجرا كالعادة ، مستأنسين بصفاء الحال  ، الشمس لما تطلع بعد . كان أكثر مرحا مني وحيوية ، و كنت أستعين  بعصاي المتوسطة الطول ، والمعقوفة قليلا في الأعلى ، أمسكها بيد ، و باليد الأخرى اثني طرف الحبل ، والذي لست أدري أكنت أشده به أم يشدني . الأكيد أني منذ سنوات خلت ، كنت اصطحبه معي لأهم الأماكن في هذه الناحية المجاورة ، حيث كان حديث العهد بالبيت ، وبالحياة . نستمتع بالسير في الشارع الشجري ، والذي يفضي بنا إلى وسط المدينة، حيث المحلات التي قد نمر عليها أيضا في طريقنا عند العودة ..

     أخذنا دربنا المعتاد ، كنت بطيء الحركة ، ثقيل الخطو ، وكان مرحا ككل صباح ، يسبقني مرة ، ويتخلف أخرى ، يميل إلى اليمين تارة و إلى اليسار تارة أخرى ، يمر بين رجلي ، يكاد يسقطني ، ومرة يتمرغ على حافة الطريق ، أو يبسط ذراعيه ، وكأنه بذلك يعتز بفتوته ، ويستعرضها على الطريق التي ألفت رفقتنا.

 

     عندما نبتعد عن البيت يصير الكلب أكثر ملازمة لي ، وأقل حركة ، حيث يحرص ألا يتركني وحيدا ، وكأنه يحس بحاجتي إليه ، وأصير أكثر حرصا على أن لا أرخي الحبل بيدي ، فقد يلهيه شيء ما ، ويغفل عني ، أو اغفل عنه ، وأضل الطريق ...    

 

  إنه دائما يغمرني بوفائه ، و طيب العشرة بيننا ، فهو الرفيق الوحيد الذي كان يملأ علي حياتي بعدما قفرت بيتي من كل الأهل  و الأحباب .، كان ينسيني الكثير من الهموم ، وأستعيض بوفائه عن الكثير من خيانة الناس ، وغدرهم ، ومن نفاقهم ، إلا أنني دائما و مع كل ذلك كنت أحذر طبع الكلاب.

   أخذت مكانا ما بعدما أحسست بشيء من النصب ، واسترحنا . تذكرت قول الشاعر:

      كنا كلابا مهذبة

      تحفر قبل التبرز

      ثم تردم الماضي ..

      تعرفون وفاءنا طبعا

      انظروا أنتم ماذا فعلتم

      في مصائر أصحابكم

      القطط الخبيثة

      التي صاحبناها مرغمين

      لأنها تعرف المدينة أكثر

      حكت عن أعمال غريبة

      عن تفاهتكم في البيوت

      التي لا تستطيعون الوقوف في نوافذها العريضة

      آمنين ..

 

   و أنا أهم بالرجوع ، ضربت من  حولي ، لم أجد إلا عصاي ، اعتمدت عليها لأنهض من مكاني :

   - يا ترى أين ذهب ؟

أنا متأكد أنه سيعود ، ولكن ليس هذا هو الوقت الذي  يتركني فيه .. أوه ، إنني لا أستطيع العودة بدونه ، إن بصري لا يتجاوز قدمي . أوه أين غاب هذا الملعون ،  أين غاب.. ؟؟

 

     بعد فترة عاد ، وبسط ذراعيه أمام رجلي ، وكأنه يعتذر عن هذا الغياب ، هممنا بالرجوع وطرف الحبل بيدي ، لم يعد يكثر الحركة كما في الصباح ، يلاصقني ، يسبقني قليلا .

      مشينا ..،

  ها قد توقف، ربما رأى شيئا ما ..؟ ، أحثه على السير .

 لا يستجيب .

أحاول أن التفت هنا وهناك ، لم أر شيئا ، ولم أسمع .

 

     مازال الكلب رابضا مكانه ، أحثه على السير ،  أهش عليه بالعصا ولا يستجيب .

 استرقت السمع ، وقد عوى الكلب عواء خفيفا ، وحرك ذيله الملتوية التي لامست رجلي ، وكأنه يرحب بأحد ، وبقي شاخص البصر صوب الناحية الجانبية.

 حاولت أن أعرف ما الأمر ، تمعنت جيدا ، واقتربت بنفس الاتجاه ، تحرك معي هذه المرة ،

و زادت حركة الذيل ، ولهاثه ، كأنما رأى حبيبا .

 ها أنا قريب من المشهد كانا شبيهين في كل شيء ، لون واحد ، وقوام واحد ، وعينان تتبادلان الشوق .

يلتفت إلي ، ويرفع رأسه نحوي  وكأنه لا يود الفراق، ولكن شيئا خفيا كان يجذبه إليها ، في النهاية جمع  في عينيه معنى الوداع الأكيد..

  جذبت الحبل ، لعلنا نكمل طريقنا ، ولكنه بقي ساكنا مكانه ، لم يسعفني الكلب ، وراح يقترب أكثر منها ، وراحت تلعقه بلسانها .

    لقد فلت من الحبل ، وكأنه ارتبط بخيط آخر أكثر متانة ، وبقيت متكئا على عصاي ، و الحبل يتدلى بين يدي ، وراحا معا حبيبين رفيقين في الطريق ، و قد خلفا وراءهما معنى وذكرى ، وبقيت وحدي وسط الشارع الكبير.

ــــــــــــــــــــ

 * الأبيات للشاعر حسن خضر/قصيدة الليل و الكلاب.

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home