قصة

 

قدمناها عذراء لأولاد الكلب

عبد العزيز نايل



 

 

عبد العزيز نايـــــــل

 

هانت .... قالها لسائق النصف نقل بعد أن قطعا سويا مسافة الليلِ كلِه من ميناء سفاجة حتى عبرا مزلقان بولاق الدكرور ـ أقذر أحياء القاهرة ـ وما برح يواصل الاعتذار للرجل , عن هذا المطب وتلك الأحافير , التي تتأرجحُ السيارةُ فوقها صاعدةً وهابطةً , في اتجاه اليمين تميلُ كثيرا , ثم في اتجاه اليسار مالت قليلا , والسائق متشبث بعجلة القيادة محاولا النجاة بسيارته أولا ثم بنفسه ثانية ثم حفاظا عليه أيضا , ليس من أجل عينيه , بل من أجل ما تبقى له من الأجر المتفق عليه ,فهو لم يأخذ منه سوى عشرين جنيها , استكمل بها ما معه ثمنا لتعبئة السيارة بالديزل على الطريق , من أجل كل ذلك جاءت إجابته أسوأ من صمته و تبرمه الذي يبين على سحنته ليقول : ولا يهمك ...... بتوددٍ , أشار له على مبنى اختلف اتساعا ولونا , انه مصنع للخشب , على يمين الطريق , قال : فادخل في الشارع المقابل له على يسار الطريق , لم يُظهر السائقُ أيَ نوع من الاستجابة , استمر في صمته مؤجلا انفجاره المروّع , جراء ما عانت سيارته مذ عبرا مزلقان القطار.....إلا أنه قد رآه وهو يختلس النظر على يافطة المصنع , ثم يدير عجلة القيادة في اتجاه اليسارـ تأرجحت "سورة الإنسان " والتي طُبِعت على رقعة من البلاستيك , وهي معلقة تتأرجح في سبحة من الزجاج على طول الطريق أمامهما ؛ أسقطتها من مقصلتها الزجاجية بين رجليه , زفرة أطلقها غضبا واحتجاجا وهو يستدير في اتجاه اليسار بسرعة وقوة , جعلت توازن السيارة يختل , تفادى ذلك سريعا , ليدخل في شارع فاروق حرب , طمأنه فقال : بعد خمس حارات على اليمين تجيء حارة ربيع حسن رقم 11 , وقفت السيارة أمام المنزل , تجمّع الصبية من كل صوب وحدب , وهم يتصايحون مرحبين بصديق قديم , صافحهم واحدا واحدا , تاركا السائق يفك الحبال حول الأجولة والكراتين والحقائب , المكومة فوق ظهر السيارة بغير نظام , أطل سكان الحارة رجالا ونساء وأطفالا من الشبابيك والبلكونات , سمع للنسوة لغطا , ـــ فهمه بعد حين ـــ قالت واحدة : مسكين !!!!!, فتجيبها أخرى: بنت الحرام!!!!!! ,قالت الثالثة وهي تتأوه : على نياته يا عيني !!!!!! إنها قليلة الأصل !!!!!!! ثم رأى " أبو مبارك " خارجا من دكانه ـــ الذي خصصه لنفسه , أسفل بيته والذي أعطى لنفسه سلطة ألا يسمح لغريب أو قريب , أن يصعد لأية شقة إن لم يكن رجل البيت موجودا , , كان هذا شرطا ساعة التوقيع على عقد إيجار الشقة منذ عشرين سنة , تأكد أن زوجته وأولاده ما زالوا بخير تحت طائلة هذا القانون ـــــ ليحتويه بين زراعيه مهللا , حمد لله على السلامة , فك السائق اشتباكهما الحميم , بصوت غليظ مصطنع , أنا انتهيتُ يا باشا , فانسلَّ من بين ساعدي صاحب البيت , ليُخرج من جيبه ما تبقى من حساب السائق , سمع واحدة من إحدى النوافذ , تقول , يا ناس ... يا عالم ..... لا تدعوا السائق يمشي , غطى على صوتها صوت السائق يطلب المزيد متعللا بما جرى لسيارته من خلال المطبات , وسرد عشرات الحُجج لتبرير الزيادة المطلوبة ,لكنه تنازل عن الزيادة المطلوبة , بعد أن رأى تحرش جميع رجال الحارة به , توجه إلى باب سيارته وهو يرطن رطانة أضحكت الواقفين , وضع أبو مبارك يده تحت إبطي العائد مصطحبا إياه إلى دكانه , ليصب له من شايه الأسود كوبا لم يشربه منذ تغرب , هكذا قال له , ولم يلتفت إلى طلبه أن يستدعي , من يحمل أشياءه إلى شقته في الطابق الخامس , وعن سؤاله عن زوجته وأولاده ... لم يُجبْه , قطع مع جمهور من رجال الحارة , الأمتار الثلاث وهي المسافة التي بينهم وبين الكراسي الموقوفة أمام الدكان لمن يجلس من أهل الحارة , في نصف ساعة ..توسط تلك الدائرة التي اتسعت رويدا رويدا بأهل حارته المرحبين , فاجتذبت النساء أيضا , وكانت غريبةٌ عليه تلك الموّدةُ التي بَدتْ على " أملْ " هذه المرأةُ الفخمة البيضاءُ والتي لم تكن تتحدث معه , قبل سفره قط باعتباره " بصباصاً " , وهي ترحب بعودته , ابتسم خلسة , عندما قالت له : ولا يهمك , ظنها مرتبكةً , مثله يوم كان يذهب إلى أية جنازة , وما كان يعرف ما الذي يقوله الناس في مثل هذه المناسبات , فكان يصافح من يعزيه في فقيده , وهو يتمتم بشفتيه بكلام ليس مفهوما , كان يعلم أن صاحب العزاء قد برمج أذنيه على الذي يريد أن يسمعه , تراخى في جلسته أمام الدكان , و الجميع حوله واقفون , أراد عندما امتدت يدُ أم مبارك حاملة له كوبَ الشاي الأسود , أن يستفسر عن هذي الدموع التي احتجزتها في عينيها , قطع عليه اهتمامه بدموعها , عندما تقدم أحمد النجار ليقول له , ولا يهمك , ربنا يعوضك خير , وقبل أن يستفسر عن مقصده , أكمل أبو مبارك : زوجتك , تركت الشقة وأخذت المقابل , بموجب التوكيل العام , كما أنها باعت قطعة الأرض التي باسمك في ارض اللواء , وأفهمت أم مبارك أن أمها وأباها وخالاتها وأعمامها وأخوالها , ومن سيأتي من ذريتهم إلى يوم الدين قد قرروا جميعا أن تتركك , ثم يا ابن عمي ــ تنهد وهو يقولها ــ المرأة التي تبيع زوجها بعد أن تحتال عليه لتجرده من كل شيء , هي في جميع الأعراف لا تستحق ملء إذنيها نخالةً , أما أخبرك أحد بأنه لا أمان للمرأة إذا امتلكت , وأن تسعين في المائة من النساء يسعين لمثل هذا بكل الطرق , لتنقلب الأوضاع في هذه البيوت فتصبح المرأةُ رجلاً والرجلُ امرأةً , هي لم تصنع ذلك رغبة منها في إبعادك .... أبدا ... أبدا , بل إن ذلك مطلبا في طبيعتها أن تملكك أو تملك ما معك , فإن لم تحظى بأي منهما , هجرتك أو قتلتك فإذا لم يتبق لها إلا الخيانة خانتك , كل ذلك يُستحدث , كما لو أنها تُخصِب قنبلة نووية في مفاعلها , وقبل سن اليأس خاصة حيث تذبل في جسدها رائحة الأنثى , ومن حكاياتها عرفت أم المبارك أن نساء عائلتها كلهن صنعن ذلك , مستلبات شوارب أزواجهن ليخبئنها بين أسنانهن وشفاههن , يومئ العائد وعيناه تتقلب في الماضي طويلا بعد أن نظر نظرة عابرة على شقته في الطابق الخامس , الرجال والنساء يتسربون من حوله بعد أن يطبطب كل منهم على ظهره في حُنُوٍّ واحد واحد , يا أخي قالها الأستاذ ميلاد ــ والذي لم يغادر الجلسة بعد ـــ امتلأت الجرائد في هذه الأيام, عن زواج المصريين من اليهوديات , أيكون ذلك من قلة النساء في مصر , ابتسم العائد , ليس من قلة ربما هربا من ضعة البعض وخستهم , قالها واستدار نصف دورة على كرسيه , ليخرج هاتفه فيتصل بأخيه الحاج سيد في قنا , أجابه بعد أن عرف منه ما حدث , في نصف ساعة سأتصل بمن سيرسل لك سيارة , تحضرك إلى هنا , وفي الطريق من القاهرة إلى قنا تداعت الأحداث القاتمة , فالتفت إلى السائق يسأله

ماذا حدث في المحروسة يا ابن عمي ؟

قال السائق : أهي بنت أحد أقربائنا في البلد ؟

و إلى أن ذبلت ضحكته التي انفجرت على فمه, والتي جعلت السائق يتخلى عن مراقبة الطريق ليلتفت إليه , قال له :

المحروسة هو اسم مصر, ذلك لأن الله يحرسها , فيستفسر السائق بملامح بلهاء

يحرسها ممن ؟

يحرسها من الأعادي , ثم أكمل بصوت محزون , يبدو أن الله تعهد بحمايتها من الأعداء فقط , ولم يتعهد بحمايتها من أبنائها

كيف ذلك وهي لم تسلم طوال تاريخها من المستعمرين

ربما يكون المقصود هو حمايتها من التخريب حتى في وجود المستعمر

وهل ترك مهمة تخريبها لأبنائها

ربما ... ولا أدري لماذا يكتبون على بواباتها في الموانئ البحرية والجوية والبرية " ادخلوا مصر إنشاء الله آمنين " وما إن دخلت صالة الميناء في سفاجة , حتى تفرق دمي وجيبي بين الموظفين , وعلى الطريق وجدت أكشاك المرور ..... قطاعَ طرق !!!! ذهبت إلي بيتي فلم أجد زوجتي ولا أولادي , ولا حتى مسكنا لي , تآمرتْ مع أهلها على أن أخرج من حياتهم عريانا كما ولدتني أمي , ولم يك ذلك مفاجأة لي , فقد استشعرت هذه المؤامرة منذ عام وقبل أن تسبقني إلى مصر في إجازة لم تعد منها , كانت تصر وهي معي على أن أبيع كل ما هو باسمي , بحجة أن أباها , والذي استكتبتني توكيلا عاما له , سيرتب لنا أوضاعا أفضل , كانت تخطط لجرائمها بالنهار , وفي الليل تنام عارية إلى جواري , حتى في هذا الوضع لا تمل من التأكيد على البيع ,وإكمال مخططات أهلها .

ــــ وأنت كما " الْبَوّ " صنعت لها كلَّ ما أرادت

كلُّ الرجال يستشعرون التخليِّ والغدرَ والخيانة , يكتشف ذلك جهاز الرادار عند المرأة , فتتوقف مخططاتها مؤقتا ثم تبالغ في الغنج والعطاء فيظن الرجال بأنفسهم السوء ... يتراجعون فتبدأ المرأة ثانية في مخططاتها إنها اللعبة الأبدية للمرأة منذ اعتلاها الرجل , فتشكل للنساء حزب لا يُرى ولا يُسمع لكنه ماض في مخططه بقوة وصلابة ليطيح في يوم ما بهذا الرجل الصعلوك المغرور, ولم أك غبيا , إلا أنني كنت أجرب طُرقاً يتمجد فيها اسم الرب والإنسان معا رجلا وامرأة فاتني أن أنظر في بؤبؤ عينيها , لأرى أسلافها من الحيات والشياطين , الآن أدركت لماذا كانت دوما تغلق عند مواجهتي جفنيها على بؤبؤ عينيها , فأتيه فرحا لهذا الخجل العذري , وما كانت "بربشة " أجفانها , إلا إشارة تتأتى من جدتها الحيّة , كي تظل قابعة في مكمنها , ولم أك ذلك " الْبَوّ " هذا الكيس المحشو بالتبن على هيئة ابن البقرة , يُوضعُ أمامها كي تتحنن فتدر حليبها

لو حدث هذا معي لذبحتها في عرض الطريق

مرت كما البرق ذكريات اثنين وعشرين عاما , مع امرأة رقطاء ,حتى ثقلت رأسه وجفونه فلم يستيقظ إلا على صوت أحد رجالات أكشاك المرور , وهو يرفض أعطية السائق باعتبارها قليلة ..., التقط زجاجة من الماء , رفعها إلى فمه العطشان , ولكنه ألقى برأسه بين رجليه , فاتحا فمه وحلقه على مصراعيهما ليتفل كل الماء من فمه وجوفه , صارخا : مرارة بالماء كالحنظل .... مَرْجَح السائق رأسه عجبا !!! وهو يردد ... الماء مُرٌٌ !!!.. ماءُ النيل مُرٌ .!!!! عجبي !!!! نظر إليه متخذا وضع الحكيم ليقول له : الذين يولدون في المرارة لا يستشعرون لها طعما ...

وأمام البيت في قنا تجمع عمال شركة أخيه وتجمع أخوته وأخواته , وعدد من أصدقائهم , وفي دقائق أنزل العمال , حمولة السيارة ,وبترحيب جمّ , يفلت من أحضان هذا ليتلقفه حضن ذاك تركوه جميعا ثم تجمعوا حول الكراتين التي تفتحت من جراء , انتهاكها في الجمارك , والطريق , والإنزال المتكرر , وإذا بأيديهم تتقلب داخل الكراتين ليخرج كل منهم شيئا أراده لنفسه,

التقطت عايدة ساعة للحائط , وتشبثت سعاد بدراجة قديمة , أما عبد المريد أبو السبع فقد هام عشقا" بطاس " من النحاس , قال : سيستخدمها في النصب على الأهالي في قريتنا , سيزعم أنها كاشفة للكذب بعد تسخينها ليلعقها المتهم بلسانه فإن أحرقته فهو كاذب وان لم تحرقه فهو صادق , ستصبح" طاسك " قاضي القضاة , وستفتح باب رزق جديد لي ,ترك الجميع وأخذ يستعيذ بالله من امرأة في هذا البيت تصنع المكائد بسهولة ذوبان قطعة من الحلوى في فمها , ولم يدر , من أخذ ومن لم يأخذ , وما تبقى , وضعه العمال , في شقة خالية , في بيت الحاج سيد , خمسة عشر يوما قضاها ضيفا ثقيلا , على أخوته حتى أمه لم تعد متحمسة لبقائه في شقتها , إلا أن الحاج سيد تكفل بإقامته كاملة , عاد إلى القاهرة تاركا أشياءه أمانة عند أخيه , ذهب إلى إدارة التعليم فتفضل عليّه الشيطان القائم بأعمال مدير التعليم في ........... القاهرة التعليمية بالفصل فورا , وحيث انه لا يستطيع الانتظام في عمله , آثر البقاء مفصولا , ثم أخيرا وجد مسكنا لمدة سنة في التجمع الخامس , في عمق القاهرة الجديدة , كانت شقة واسعة تحتاج لأن يُحْضر أشياءه , وفي قنا لم يجد من أشيائه شيئا , تفرقت أدوات مطبخه وأدوات الكومبيوتر وكل ما له قيمة أو نفعا لم يجده , فعاد إلى القاهرة غير نادم على الذي راح منه , لم يغضب , من الزوجة المحتالة , ولا من موظفي الجمارك , ولا من قريبته صانعة المكائد , ولا من إخوته الذين رأوا أنهم أحق منه بهذه الأشياء , لأن لهم بيوتا ومنازلا , أما هو ففي الشارع , ولا من مدير التعليم , ولا من موظفي أكشاك المرور , ولا من جارته التي رأت سجادة افترشها وحيدة في شقته فطلبتها منه قائلة , أنت لست محتاجا إليها , ولا من أهل زوجته الذين استولوا على فلتر الماء والراديو القديم وبعضا من ملابسه , بقية ملابسه وكل كتبه مغتصبة عندهم أيضا , ولا من راكبي السيارات في القاهرة , حيث مازالوا يطاردونه بأقوى آلات التنبيه , كلما رأوه يعبر شارعا , فَهِمَ الآن لماذا كان الناسُ في الخارج يلقبونه " بعلي عوض " ولأنه لا يمتلك القدرة أن يغضب من كل سكان المحروسة , لذا وجب عليه , التحمُل والتحامل فقط من اجل أن يرى عاصم وعنان وعلا , كلّ فترة , مرعوبا أن يحدث معهم ما حدث لابنته الكبرى , والتي استطاعت امرأة كالساحرة العجوز أن تنتزع منها عقلها وقلبها , هذه الساحرة المتصابية والتي أقسمت أن تنتقم منه في ابنته , منذ أن احترق قلبها بزواجه من ابنتها , عرف وقرأ بأن الساحرة العجوز ستلقي بها غدا مِزقا إلى الكلاب , لذلك كان البقاء قرب أولاده الصغار مهمة تستحق العناء , وكافة الأحكام الجائرة لكل من يعرفه ,

بعد أيام من الإقامة , دون عمل ودون أصدقاء ودون الإخوة إلا من المساعدات التي تجيئه من الحاج سيد ومن المتر حجاج على استحياء مصحوبة في كل مرة بأنها آخر مرة , ثم تتكرر مساعداتهم احترازا من العار الذي سيلحق بهما لو يتركانه , فربما يلجأ إلى مسلك مشين, أما بقية إخوته فتحريضا عند المتر وعند الحاج , بأن لا تمتد يد المعونة للعائد من بلاد الذهب , لذا فقد ترك نفسه , مضغةً بين أسنان غربته , لم يشعر بغربة كهذه , يوم كان بعيدا عن مصر , فقد كان يملك أن يتصل بهم واحدا واحدا بتعريفة دولية , ساعتها كان يرى بعينيه لهفتهم ويسمع اشتياقهم ,فيسوقه العطش إليهم ليشتري قارورة من الماء , شربة تشبع أشواقه لأولاده وشربة تشبع الشوق لإخوته وشربة تشبع الحنين للمحروسة بأرضها وناسها , فكيف وهو في قلب المحروسة الآن قد أصبح ماء النيل في شقته الخربة ملحا أجاجا وله مرارة كمرارة الحنظل , وليس عذبا فراتا , وهواؤها ليس إلا رسائل بالنذير والوعيد , وطلاء من الجير هشٌ , كلما مرّ إلى جواره تفلّت من الجدران , مستهدفا صدر الغريب , فيزعج سعاله كائنات الليل , والصراصير والفئران والعفاريت , فتقاومه هذه الكائنات بالتكاثر , لتستلب منه مساحة إثر مساحة , حتى استقر في النوم والمعيشة بجوار بابها أسيرا مأسورا , يخاف الموت فيها وحيدا , وقف مرة يلوح في وجوه الأشباح والعناكب فيها قائلا : لماذا هذه الشقة تحديدا , وجميع الشقق في هذا البيت خاوية على عروشها , حتى هذه الجارة التي طمعت يوما في سجادتي الوحيدة , رحلت مع أولادها تاركة شقتها , وبقيت وحدي كعفريت "القيالة ", في عمارة كاملة , تحتوي على تسع من الشُقَقْ الخالية , والعاشرة التي اسكنها , هل ترونها قبرا , بهذه الكلمات واصل الصراخ في مواجهة كائنات الليل , فلما التقت عينه بعيون هذه الكائنات , أدرك أن السحر الذي كان في مصر القديمة لا زال معمولا به , فإذا ما جاء الليل , فينفخ السحرة في أبخرتهم , فيطلقون جنودهم , من رجال الحكومة , ورجال الجمارك , والعاملين بأكشاك المرور , ونذالة الأصدقاء القدامى , والذين رأوا في حالته فرصة للتشفي والشفاء من الدونية ومن مركبات النقص التي يعانون منها ,ومتهم بالخيانة العظمى من شباب ورجال الحزب الذي انتمى له يوما , وكذلك غضبة الأخوات اللواتي افتقدن أحمالا من الذهب والفضة في حقائبه , فخبأن الطعام عنه , وجميع النسوة الخائنات , وسائقي السيارات في شوارع القاهرة , ليتحول كل هؤلاء إلى , هذه الأشباح وهذه العناكب , وبعضا من هذه الصراصير والفئران , وكثيرا من القمل والنمل , وكائنات من بنات الظلمة مجهولة الأسماء ,قال : أخاف أن أموت هنا وحدي رعبا, وربما تقتلني هذه الكائنات الليلية فإن مت أو تعفنت في هذه الشقة , فلن يتشمم رائحتي أحدٌ ,

جلس يتطلع إلى سقف الغرفة الجديدة التي استأجرها في حي مكتظ بالناس والحيوانات والديدان ,سواسية كأسنان المشط , مستمتعا بتساقط التراب فوق رأسه , مع كل دقة من دقات الهاون , وكذلك يطرب لصوت هذا الهاون الواضح النقي في أذنيه , تدفعه طاقة الحياة ومتعة مشاركة الآخرين لأن يمسك بعصا , جاءت مع ركام كراكيبه المتناثرة , في الغرفة , آخذا في الرقص على دقات الهاون , تحت وابل من ذرات التراب المتساقط من سقف غرفته , ما أشبهه بالكرنفال , يُحَرضهُ على القفز فيحجلُ بين كراكيبه وكتبه وبعضا من أدوات المطبخ المتناثرة على أرضية الغرفة مترنما على السلم الموسيقي لإيقاع الهاون وما أخل بصحة الإيقاع إلا هذا الطرقٌ المتواصل على باب الغرفة , فتح فإذا بامرأة تصرخ في وجهه , مساء الفل يا باشا , من أول ساعة لك في الغرفة , سَتُسقِطُ على رؤوسنا سقف الغرفة , أعتذر لها كثيرا , لكنها أبتْ إلا أن تهدده بأنها المرة الأولى والأخيرة , ولو تكرر منه هذا الإزعاج , لصعدت إليه وألقت بأشيائه في الشارع , أغلق الباب وكان سعيدا حيث أن الناس هنا يسمعون دبة النملة وهذا ما أراده , هربا من الوحدة القاتلة في ذاك التجمع الكئيب ,

أغلق عينيه لينام وهو مطمئن , في خمائل الضجيج , نام متوسدا أصواتَ الرجال والنساء والأطفال وهدير السيارات , نباح الكلاب , عراك النساء بأقبح الألفاظ .

رأى حين عودته في الثالثة عصرا , بخفي حنين , بعد جولته على جميع مدارس الحي باحثا عن عمل , رأى أناسا يُثَََبِِِِّتون في الأرض أخشابا لسرادق كبير عرف بعد ذلك انه ليس للموت , بل من أجل عرس بنت الجيران , وحيث أن أباها تاجر المخدرات المبَجَّلْ ....فسيكون فرحا , هكذا سمعهم , لم تشهد الحارة مثله من قبل , بارك للجميع , ودعا لهم بوابل من الأفراح .

عندما بدأ تجريب الميكرفون , قفز من مكانه محتجا على هذا الصوت العالي , نظر من النافذة فإذا بالميكرفون معلق على نافذته , ولما كان قد انتهى لتوِّه من ترتيب الغرفة ووضعْ الأشياءَ في أمكنتها , قال : ليست مشكلة , أن يكون اليوم للفرح,ففتح نافذته بطريقة خاصة ليرى مراسم العرس ولا يراه أحد , ذلك لأن كل النوافذ التي في المنزل المقابل معبأة بالنساء الكاسيات العاريات , يخاف لو لمحنه , وهو مازال في وضع الغريب في هذه الحارة , فلا يعرف ما سوف يحدث .

صوت " الدي جي " في هذه السماعات والميكروفونات يمكنه أن يخفي صوت قنبلة لذا فقد بدأ يكلّم نفسه بصوت عال , مستعرضا حياته طفلا محروما , وسني المراهقة كلها مرت دون أن يُقبِّل امرأة أو بنتا ,ولم يرَ سنتيمترا واحدا فوق الركبة لامرأة إلا في السينما , وحتى في السينما كان ما فوق الركبة بالأبيض والأسود , أليس هذا سببا كافيا لأن يخطئ في اختيار شريكته ,سقط لأنه رأى لحما حقيقيا , وكيف وهو صاحب الصنائع السبعة , ينتهي به المطاف إلى هذه الغرفة , ليموت فيها وحيدا , ولكنه لن يتعفن , فسيحمله الناس فورا إلى مقبرته , كيف وأنا الذي تمترست على جبهة القتال خمس سنوات متواصلة لأدفع عن المحروسة أعداءها , ثم تتنكر لي هذي المحروسة وكل الذين يأكلون المن والسلوى , وقد خرجوا من مخابئهم مدقوقين في عروشهم دقا و مرشوشين في أحياء مغلفة بالحدائق والأسلاك الشائكة ,وكانوا قد استعملوني حارسا لحدود المحروسة بجنيهين وثلاثين قرشا في الشهر,خمس سنوات وأنا اقتات خبزا مغموسا برملها وترابها , قفز يواجه سحنته في المرآة الصغيرة و ليخزق بسبابته المرآة , متهما نفسه بالغباء , صرخ يقول : ما أشبهني بالقوّادْ , حين قاتلت حتى تحتفظ المحروسة بعذريتها , وتفاخرت بنفسي وتفاخرت بأشلاء الممزقين بالقنابل و النابالم أمام عيني ؛ لنقدمها عذراء فينتهكها أولاد الكلب , لم تنهض من سريرها ولم تغتسل قط , وما برحوا يتقسمونها كل ليلة حتى اتسع فرجها ودبرها , فلما افتقدوا المتعة معها , صاروا يبيعونها قطعة قطعة أو يؤجرونها لكل من يملك قضيبا كبيرا , , ثم يجندون الآن زوجتي لتختطف أولادي , وهم أنفسهم الذين استصدروا الأمر لمدير التعليم أن يلقي بي إلى الشارع ,ثم ساقوني إلى هذه الغرفة المقبرة والتي أعدت للشاهد الوحيد المتبقي , حيث لا تقوى المحروسة أن تنظر في عينيه , بعد أن امتهنت البغاء والدعارة ,كانت تعرف أنه سَجَلَ في رأسه أسماء كل مغتصبيها , وهم أيضا يعرفون ....... أحس بدوخة فمادت الأرض تحته , تشبث بسور النافذة , نقرٌ من الآلام لا يحتمل يتصاعد و يدق ظهره وصدره , وما عاد يقوى على المقاومة , إنها شوكة الموت ــ هكذا صدقت ظنونه ــ تجرفه إلى الأعالي , فيتفتت بين السماء والأرض , ثم يتساقط الجسد الثقيل إلى حيث يرقد, بعد أن خرجت من كل خلية فيه شظية من شظايا الروح , إلا انه مازال واثقا أنهم سيصعدون من الشارع , تاركين عرسهم ليستردونه من بين أسنان شوكته , فقط عليه أن يرتفع صوته قليلا مستنجدا بهم , وإذا به لا يسمع هو صراخَ فمه , فيحاول أن يقف ليفتح النافذة فلا يقوى , وما زالت شوكة الموت تجرف بقاياه للأعالي , تمدد قسرا ليموت قهرا على سجادته, وما يرى سوى أولاده الثلاث يحاولون الخروج من الجدران التي راحت تقترب من جسده , فلما التقت الجدران الأربع على صدره , تسرب أولاده تحت جلده , ثم اجتهد أن يجمع في الشهيق الأخير كل ما احتوته الغرفة من الهواء , هبط صدره بعد أن أفرغه من الزفير الأخير محملاً .....ببصقة...... أطلقها خارج النافذة , فانشطرت مطرا ورعدا حارقا من دمه , ليستمع وهو في الأعالي إلى الصراخ والعويل , بعد أن تجمعت شظايا روحه فوق دخان الحرائق , ثم رأت رجال المحروسة ونساءها في أسراب, تتلوى في نشيد الآلام , هابطة إلى جحيمها ...... مكبلة بالأغلال أعناقهم , وابتسمت الروح حين رأت المحروسةَ تسترد بكارتها , ولها جناحان يمتدان من البحر إلى البحر , تخفق بهما على أطفالها , ثم رُفِعتْ الأقلامُ , وجفَّت بحيرات البكاء . على أرضها......................

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home